مستكملًا سيناريو إشعال كل الملفات بتصريحات تبرز القوة والهيمنة وكثير من الغطرسة، هدد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الشرق الأوسط بـ"الجحيم"، إذا ما لم يتم إطلاق سراح الإسرائيليين المحتجزين في غزة.
كتب في منشور عبر منصة "تروث سوشيال": "ليكن هذا البيان بمثابة تأكيد أنه إذا لم يتم الإفراج عن الرهائن قبل موعد تولي منصبي رئيسًا للولايات المتحدة، سيكون هناك جحيم في الشرق الأوسط، وسيتعرض المسؤولون عن ارتكاب هذه الفظائع ضد الإنسانية لضربة أشد مما تعرض له أي شخص آخر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الطويل والحافل".
فما الذي يعنيه تهديد ترامب على أرض الواقع؟
الغطرسة الترامبية
"كالعادة، يعتقد الرئيس أن التهديدات العدوانية باستخدام القوة - بما في ذلك إلى حد كبير إشعال حرب إقليمية مع إيران - هي الحل لجميع مشاكل العالم"؛ كتبت مجلة "The New Republic" الأمريكية، بينما تساءلت عما يعنيه "الجحيم الذي يجب دفعه" بالنسبة لغزة، التي تحولت بنيتها التحتية إلى أنقاض. وقالت: هل يهدد ترامب باستخدام الجيش الأمريكي في غارات جوية في الشرق الأوسط ضد حلفاء حماس في لبنان وسوريا وإيران؟ وأجابت: إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك من شأنه أن يشعل الحرب الإقليمية التي ادعى ترامب نفسه أنه لا يريدها.
اقرأ أيضًا: فريق ترامب الصهيوني
الأكيد في هذه التصريحات ولعله الأوضح الآن أن الولايات المتحدة وحليفتها المدللة إسرائيل تتشاركات يأسًا كبيرًا من محاولات إعادة المحتجزين الإسرائيليين، بعد 424 يومًا من جرائم الحرب والقتل الممنهج بحق الفلسطينيين المحاصرين داخل القطاع محدود المساحة، والذي فقدوا ما يزيد عن 150 ألف شهيد وجريح -معظمهم أطفال ونساء- وما يزيد على 10 آلاف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قتلت عشرات الأطفال والمسنين، في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية، بينما لا تزال حركة حماس تواجه قوات الاحتلال في القطاع وتصل رشقاتها الصاروخية إلى مستوطنات الغلاف.
وبينما لم يعلق مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تصريحات ترامب، رحب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بتصريحات ترامب، وكتب على منصة "إكس": "شكرًا لك يا سيادة الرئيس المنتخب @realDonaldTrump. نصلي جميعًا من أجل عودة إخوتنا وأخواتنا إلى ديارهم!".

التأثير الترامبي
الخوف مما هو قادم مع ترامب يحرك كل المياه في كل العالم الآن تقريبًا. وهذا ما يراه أيضًا جيمي ديتمر، كاتب الرأي في صحيفة "Politico"، والذي يقول إن "تأثير دونالد ترامب" كان هو العامل الحاسم في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار المفاجئ بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، رغم جهود إدارة جو بايدن في التوسط للهدنة التي دخلت حيز التنفيذ ليلة الثلاثاء الماضي.
وفق ديتمر، فإن الجميع في الشرق الأوسط وفي أوروبا أيضًا باتوا يراعون حسابات عودة ترامب إلى البيت الأبيض. وقد أعطى انتخابه دفعة قوية للجهود الدبلوماسية، تأثرًا برسائل فريقه الواضحة حول توقعاته.
اقرأ أيضًا: سياسة الضغط الأقصى على إيران.. ترامب بين فترتين رئاسيتين
مايك والتز، المرشح لمنصب مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب المقبلة، قال إن "الجميع يأتون إلى الطاولة بسبب الرئيس ترامب"، مضيفًا أن فوزه الانتخابي وجه رسالة واضحة للعالم بـ"عدم التسامح مع الفوضى".
وقد نُقلت إلى إسرائيل رغبة ترامب في تحقيق الهدوء في لبنان، أثناء لقاء وزير شؤونها الاستراتيجية رون ديرمر بترامب في منتجعه بمارالاجو بفلوريدا في نوفمبر. وبحسب مسؤول إسرائيلي، فإن ترامب يتوقع وقف إطلاق النار حتى قبل توليه منصبه رسميًا، تمامًا كما يتوقع في غزة.

هل ينجح تأثير ترامب في لبنان وغزة؟
بموجب اتفاق لبنان، ستنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من جنوب لبنان، بينما يتحرك حزب الله شمال نهر الليطاني، في تنفيذ جزئي لقرار الأمم المتحدة رقم 1701. وسينتشر الجيش اللبناني بعشرة آلاف جندي إضافي في المنطقة الانتقالية، مع مراقبة أمريكية فرنسية للهدنة.
لكن الاتفاق يواجه تحديات، منها رفض حزب الله التوقيع عليه مباشرة، إذ ترك التفاوض لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. كما أن الاتفاق لا يشمل ضمانات لحرية إسرائيل في الرد على أي انتهاكات من حزب الله، وهو ما قد يثير توترات مستقبلية، وفق ما يقوله ديتمر.
وفي جنوب لبنان، تصاعدت المواجهات خلال الأيام الأخيرة بعد إطلاق حزب الله صواريخ تجاه موقع إسرائيلي ردًا على خروقات إسرائيلية متكررة للهدنة، وهو ما رد عليه الاحتلال بشن غارات أودت بحياة 9 أشخاص وإصابة آخرين.
وإيرانيًا، أشارت تصريحات علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، إلى أن حزب الله يحتفظ بأسلحة متقدمة قد تغير الوضع إذا استخدمت. كما أن انقسام الولاءات داخل الجيش اللبناني يثير مخاوف بشأن قدرته على تنفيذ الاتفاق، خصوصًا في ظل تزايد النفوذ الشيعي داخله منذ حرب 2006.
وفي إسرائيل، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتقادات حادة من القوميين المتطرفين الذين يعتبرون الاتفاق إهدارًا لفرصة القضاء على حزب الله. ورغم وصف نتنياهو الصفقة بأنها ألحقت أضرارًا كبيرة بحزب الله، فإنها لا تحقق هدفه المعلن بنزع سلاح الجماعة بالكامل.
ويأتي وقف إطلاق النار في وقت تستمر فيه الحرب في غزة، حيث يركز نتنياهو على سحق حماس وتدمير القطاع الذي لا يزال يبدي مقاومة تمنع إعادة ما يزيد عن 100 من الإسرائيليين المحتجزين لدى الحركات الفلسطينية، بينما يحاول ترامب تشكيل سياسته الشرق أوسطية استعدادًا لتوليه المنصب. ومع استمرار التوترات، يبقى السؤال: هل يمكن أن تنجح التهديدات الترامبية وإلى أي مدى ستحتفظ الولايات المتحدة بـ"تأثير ترامب" بعد فشل بايدن؟