ورقة بحثية| قانون الأحوال الشخصية.. حبر على ورق أم نقلة نوعية؟

خلصت ورقة بحثية جديدة، إلى أن قانون الأحوال الشخصية العادل ليس نصًا يُكتب، بقدر ما هو سياق يُبنى، وبناء هذا السياق يتطلب أكثر من برلمان ولجنة دينية، إذ يستلزم مجتمعًا فاعلًا، وثقافةً في طور التحول، وموارد حقيقيةً ملموسة، فمن دون هذه المكونات مجتمعة سيظل أي قانون، مهما كانت صياغته محكمة، مجرد حبر على ورق.

ترى الورقة البحثية، الصادرة عن "فكّر تاني"، وأعدتها أسماء عرفة، الباحثة في العلوم السياسية، أن مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر يمثل نقلة نوعية في مسار التشريعات الاجتماعية، ويمكن وصفه بأنه أحد أهم القوانين وأخطرها المطروحة على الساحة السياسية والتشريعية خلال العقدين الأخيرين. ولا ترجع أهمية هذا المشروع إلى كونه مجرد تعديلات جزئية في نصوصٍ قانونية قائمة، فالأمر يتجاوز ذلك إلى مناقشة الكيان الأكثر حساسية وتشابكا في المجتمع المصري، ألا وهو "الأسرة".

مشروع ينتظر المجلس

يضم مشروع القانون، الذي صادقت عليه الحكومة المصرية في أبريل الماضي، نحو 355 مادة، وقد أُحيل إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره في خطوةٍ تهدف إلى توحيد قوانين الأسرة المتفرقة وتحديثها، وهي قوانين مضى على بعضها قرابة قرن من الزمان. ويأتي هذا المشروع في ظل تراكم غير مسبوق من القضايا، يُقدر بنحو 1.7 مليون قضية أسرية تنتظر الفصل أمام المحاكم. وتشير الباحثة إلى أن الشرارة التي سرّعت بتقديم المشروع كانت حادثة انتحار المدونة بسنت سليمان في الإسكندرية.

انطلقت الورقة البحثية، التي جاءت بعنوان "نقاط الاشتعال في مشروع قانون الأحوال الشخصية 2026: بين إصلاح التشريع وانتقادات القوى المختلفة"، من سؤالين أساسيين تتفرع منهما عدة أسئلة.

يتمحور الأول حول ما إذا كان هذا المشروع يمثل إصلاحًا تشريعيًا يواكب العصر، أم أنه يفتح أبوابًا جديدة للنزاعات والخلافات. ويفضي هذا السؤال بطبيعته إلى سؤال ثان لا يقل أهمية، وهو ما إذا كان هذا القانون، "مهما بلغت درجة إتقانه وحداثته التشريعية"، قادرًا بمفرده ومعزولًا عن عوامل أخرى، على إنهاء الأزمة المتراكمة والمزمنة التي يعاني منها ملف الأسرة المصري منذ عقود.

وتتفرع من هذين السؤالين تساؤلات فرعية تمس الإشكاليات التي يعانيها هذا الملف في ظل التشريعات الحالية، فضلًا عن أبرز المواد الخلافية في المشروع وحجج المؤيدين والمعارضين على حد سواء.

القانون بين مؤيد ومعارض

تُسلط الورقة البحثية الضوء على نقاط الاشتعال الرئيسية في مشروع القانون، محللة حجج المؤيدين والمعارضين، ومستعرضة أهمية تحديث القانون في ضوء التحولات المجتمعية الراهنة، وذلك من خلال رصد الإشكاليات القائمة وجهود الإصلاح التشريعي الجارية.

ويزيد المشهد تعقيدًا إعلان الأزهر في مايو الماضي أن مشروع القانون لم يُحل إليه رسميًّا، وأنه لم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال، وهو ما أضاف بعدًا جديدًا إلى الجدل الدائر بين أطراف المشهد.

وفي سعيها لتتبع جذور الإشكاليات، رصدت الباحثة أسماء عرفة تطور هذا الملف بدءًا من القانون رقم 25 لسنة 1920، مرورًا بقوانين الأعوام 1925 و1943 و1952، وصولًا إلى دستور عام 1971 وتعديلاته التي أُجريت عام 1980، وانتهاء بدستور عام 2014، مشيرة إلى ما اعترض التطبيق القضائي خلال هذه الحقبة من تحديات متراكمة. كذلك وضعت الباحثة جدولًا يستعرض أبرز بنود مشروع قانون الأسرة المصري لعام 2026، محتواها، وما تُثيره من جدل، مقسمة إياه وفق ثلاثة محاور تتناول المادة ومحتواها والملاحظات النقدية عليها.

واختتمت أسماء عرفة ورقتها البحثية بالتأكيد على أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لم يكن مجرد تعديلٍ تشريعي عابر، فهو في حقيقته مرآة عاكسة لحالة الصراع الثقافي والسياسي في مصر المعاصرة، حيث تتداخل المرجعيات الدينية بالضغوط الحقوقية، وتتصادم الأولويات الأسرية مع متطلبات الحماية الفردية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة