خبز أقل جودة بسعر أعلى.. هكذا يُعاد رسم خريطة الرغيف المدعوم

يمثل رغيف الخبز المدعوم الحصن الأخير للفقراء في مصر، فهو أساس حياتهم اليومية، والقاعدة التي يبنون عليها أمنهم الغذائي، وفي ظل مستويات التضخم المرتفعة تختزل الوجبات الرئيسة الثلاث في عبارة واحدة يرددها كثيرون وهي "أي حاجة في رغيف"، إذ لا يكون الهدف من الطعام عندئذ الاستمتاع بطعمه أو الاستفادة من قيمته الغذائية، وإنما ملء البطون الجائعة لا أكثر.

وتتجلى تلك الأهمية بوضوح في حالة التخوف الشديد التي انتابت الطبقتين الفقيرة والمتوسطة منذ أعلنت الحكومة عزمها التخلي عن الدعم العيني واستبداله بالدعم النقدي بشكل كامل، فضلًا عن السيناريوهات المنتشرة حاليًا بخصوص التعامل مع الرغيف التمويني على مستوى الإنتاج والتسعير.

ويُعد الرغيف التمويني العنصر الأهم في منظومة الدعم المصرية بوجه عام، كونه أرخص غذاء متاح للفقراء ووسيلتهم للهروب من الجوع وتوفير الطاقة اللازمة لأجسادهم، وهو ما تؤكده بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي تشير إلى أن ما يحصل عليه المصريون من الخبز يوميًّا هو "1342 سعرًا حراريًّا من الخبز مقابل 667 من كل ما عداه".

كيف يُباع الأقل جودة بسعر الأكثر جودة؟

تفكر الحكومة، ضمن منظومة الدعم العيني للخبز، في تحرير سعر رغيف الخبز ليبلغ 1.5 جنيه بدلًا من 20 قرشًا حاليًا، مع منح كل فرد قيمة تعادل 5 أرغفة يوميًا، بما يوازي نحو 7.5 جنيه (1.5 جنيه × 5 أرغفة)، وعليه تحصل الأسرة المكونة من 4 أفراد على ما يقرب من 30 جنيهًا يوميًا، بما يعادل نحو 900 جنيه شهريًا، تُضاف إلى البطاقة التموينية.

ولا تختلف عملية الصرف في المنظومة الجديدة كثيرًا عن الوضع القائم، إذ ستصدر وزارة المالية كارتًا موحدًا للأسرة يُحوَّل عليه مبلغ يعادل حصة كل فرد، وله أن يشتري به خبزًا تموينيًا أو أي سلع أخرى من البدال التمويني، بحيث يستطيع المواطن أن يقتصد في شراء الخبز ويحصل بدلًا منه على سلع.

وبحسب الموازنة العامة للدولة للعام المالي القادم 2026/2027، التي سيبدأ تطبيقها خلال أقل من 10 أيام، ستنتج وزارة التموين عبر مخابزها 116.4 مليار رغيف، تحتاج إلى 8.6 مليون طن قمح، بإجمالي مخصصات مالية قدرها 133.7 مليار جنيه.

وتتوقع وزارة المالية، في مشروع الموازنة الجديدة، أن تبلغ نسبة سحب رغيف الخبز نحو 84.2%، على أن يُستبدل بالنسبة الباقية البالغة 15.8% نظام النقاط، إذ يتبنى الوضع الحالي معادلة استبدال بواقع 10 قروش لكل نقطة، غير أن تطبيق النظام الجديد للدعم العيني سيرفع تلك الأرقام كثيرًا مع ارتفاع سعر رغيف الخبز وإمكانية تفضيل البعض استبداله بسلع أخرى، وفقًا للتفكير الحكومي.

غير أن هذا التحول في الأسعار لا يخلو من إشكاليات على مستوى جودة الرغيف ذاته، إذ يحذر حسن المحمدي، عضو شعبة المخابز باتحاد الصناعات المصرية، في تصريحات صحفية، من إشكالية كبيرة تواجه التطبيق، فالخبز الحر يُنتج من دقيق باستخراج 72% ويُباع حاليًا بسعر 1.5 جنيه للرغيف الواحد، لوزن يتراوح بين 60 و70 جرامًا، في حين تتجه الدولة إلى بيع الخبز المدعوم بالسعر والوزن ذاتهما، رغم إنتاجه من دقيق باستخراج 87.5%، أي يحتوي على نسبة أعلى من الردة.

وتعتمد المنظومة الجديدة على خفض وزن الرغيف من 90 جرامًا إلى 70 جرامًا، بنسبة تراجع تبلغ 22.2%، أي أن الوزن سيقل بما يزيد على خُمسه، ليبلغ إجمالي الخفض في وزن الرغيف بعد تطبيق المنظومة الجديدة 60 جرامًا خلال 12 عامًا، بنسبة 46.1%، أي أن الخفض يقترب من نصف الوزن خلال هذه السنوات الـ12.

ويرى العاملون في المخابز أن إنتاج رغيف بهذا الوزن سيقلل من جودته، ولذلك يقترحون حلًا آخر يقوم على زيادة وزن الرغيف مع تقليل عدد الأرغفة اليومية، بما يمنحه ميزة على مستوى الجودة قياسًا بالخبز الحر الذي سيباع بالسعر ذاته، مع ترك الحرية للمخابز في اختيار شركات توريد الدقيق بدلًا من إجبارها على التعامل مع أسماء بعينها كما هو الحال الآن.

ويقول مسؤول في وزارة التموين لـ"فكر تاني"، إن الوزارة تفكر في إنتاج رغيف بأوزان متعددة، بواقع 70 و90 و120 جرامًا، يُباع كل وزن منها بسعر مختلف يختاره المواطن من المخبز، موضحًا أن الوزارة لم تضع حتى الآن تسعيرة لكل وزن.

ويضيف المسؤول أن المنظومة الجديدة تستهدف مواجهة حجم الفساد في منظومة الخبز المدعوم الحالية، الذي يصل إلى 30 مليار جنيه، سواء عبر تهريب الدقيق التمويني إلى مخابز القطاع الخاص، أو عدم الالتزام بالأوزان المقررة، أو حصول غير المستحقين على دعم الخبز، أو ترك بعض المواطنين بطاقاتهم لدى الفرن التمويني مقابل أموال، على أن يبيع الفرن حصصهم لعربات الفول والمطاعم.

ويثير هذا الرقم تساؤلات عن طريقة حسابه، إذ يعني تسريب 24% من إجمالي دعم رغيف الخبز، فإجمالي المخصص لدعم الخبز في 2025/2026 يبلغ 124 مليار جنيه، وتسريب 30 مليار جنيه منها يعادل 24.19% من إجمالي الدعم، غير أن مسؤول التموين يؤكد أن آلية حساب تلك الأرقام منضبطة وجاءت بعد دراسات مستفيضة.

ويقول الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، في مداخلة تلفزيونية، إن مشروع الكارت الموحد بدأ تطبيقه بالفعل في محافظة بورسعيد وكان ناجحًا، وسيتوسع فيه تدريجيًا في باقي المحافظات، متوقعًا الانتهاء من هذه المرحلة خلال 6 أشهر، كما شدد فاروق على أن قيمة الدعم المخصصة للمواطن، وقدرها 50 جنيهًا، كانت تكلف الدولة فعليًا نحو 100 جنيه، نتيجة الفروق في تكاليف توفير السلع، أي أن الفارق بين الدعم المقدم للمواطن وما تتحمله الدولة فعليًا يقترب من الضعف.

المكاسب الحكومية أولًا

ولا تتوقف المكاسب الحكومية المستهدفة عند تقليل استهلاك الخبز وإحكام السيطرة على تسريب الدقيق، وإنما تمتد لتشمل تقليل الأعباء التي تتحملها الدولة في دعم الغاز الطبيعي المقدم للمخابز، إذ ينصب التفكير الحكومي في المنظومة الجديدة أيضًا على رفع سعر المتر المكعب من الغاز إلى 12 جنيهًا بدلًا من 28 قرشًا فقط حاليًا، بزيادة تعادل 133.3%، وكذلك رفع سعر عبوة الخميرة من 12 قرشًا إلى 43 قرشًا، بزيادة 258%.

وفي المقابل، تحصل مخابز الخبز التمويني، البالغ عددها 30 ألف مخبز، من وزارة التموين على هامش ربح يصل إلى 30 جنيهًا في جوال الدقيق الواحد، وزنه 50 كيلوجرامًا، بدلًا من 9 جنيهات حاليًا، بزيادة قدرها 233.3%.

ولا تثير المنظومة الجديدة أزمة مع المخابز، فوفقًا لعبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز، يمثل النظام الجديد ميزة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، مع استمرار صرف الخبز من المخابز المدعمة المجهزة بماكينات صرف الخبز، ومن دون أن يدفع المواطن ثمن رغيف الخبز، وإنما تتحمله الدولة بالكامل.

ويشير غراب، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن المواطن لن يكون ملزمًا بشراء الخبز فقط بهذه القيمة، وإنما يمكنه استخدام المبلغ المضاف على البطاقة في شراء سلع تموينية أخرى وفق احتياجاته، مؤكدًا أن المستفيد سيكون له حرية الاختيار بين الحصول على الخبز أو شراء سلع أخرى.

تآكل الدعم

ورغم رضا غالبية المخابز عن الرؤية الحكومية، فإنها أثارت قلق من هم خارج منظومة الإنتاج، فالخبز هو الوسيلة الأساسية التي تمكّن الدولة من إيصال مساعداتها إلى ثلثي الشعب، إذ يتميز بأنه لا يتآكل بفعل التضخم العالي، ويُعد نوعًا من الدعم ذاتي الاستهداف، أي أنه بحكم طبيعته وأماكن توزيعه لا يستخدمه إلا الأكثر احتياجًا، ومن ثم تكون نسب التسرب فيه من أقل ما يكون.

ويقول النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، إن دعم الخبز والسلع التموينية يمثل "خط الدفاع الأخير" لملايين الأسر المصرية في مواجهة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، محذرًا من أن تحويله إلى مبالغ نقدية ثابتة قد يضع محدودي الدخل في مواجهة مباشرة مع سوق غير مستقرة وأسعار متصاعدة.
ويثير التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي تخوفًا من أن يلتهم التضخم المتسارع قيمة الدعم قبل أن تتمكن الحكومة من تعويض المواطنين، فالأزمة لا تكمن في قيمة الدعم عند إقراره، وإنما في قدرته على الحفاظ على قوته الشرائية بعد أسابيع أو أشهر من ارتفاع الأسعار.

وطالب البياضي، خلال تدوينة عبر صفحته على فيسبوك، الحكومة بوقف أي خطوات تنفيذية للتحول إلى الدعم النقدي في الوقت الراهن، والإبقاء على دعم الخبز والسلع الأساسية في صورته العينية، مع إجراء حوار مجتمعي وعرض أي تصور جديد على مجلس النواب قبل التطبيق، ووضع آلية قانونية تضمن ربط قيمة الدعم مستقبلًا بمعدلات التضخم الفعلية في أسعار الغذاء والسلع الأساسية.

أما الدكتور نادر نور الدين، الخبير الزراعي والمائي والمستشار السابق لوزير التموين، فيبدي تخوفًا لا يقتصر على فكرة التضخم وحدها، وإنما يمتد إلى فنيات عمل المنظومة الجديدة ذاتها، قائلًا إن الأمر يحتاج إلى دراسة تجيب عن عشرات التساؤلات، في مقدمتها ماذا سيحدث عندما يدخل 60 مليون زبون جديد يصرفون رغيفهم المدعوم إلى سوق الرغيف الحر، وهل سيصمد سعر الرغيف أمام هذا الطلب الهائل رغم قوانين العرض والطلب؟

ويضيف نور الدين، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الجهة التي ستمد المخابز والمطاحن بالدقيق والقمح بعد خروج الدولة من سوق إنتاج الخبز غير معروفة، وكذلك الجهة التي ستستلم القمح من الفلاحين، متسائلًا عما إذا كان سيُسلَّم القطاع الخاص مسؤولية شراء قمح المزارعين، رغم ما حدث في سوق شراء القطن.

ويثير غياب دور الدولة المخاوف في قضية الخبز بالذات، خصوصًا بعد تصريحات مسؤول وزارة التموين لـ"فكر تاني"، في سياق دفاعه عن ضرورة المنظومة الجديدة، إذ يقول إن أكثر من نصف المخابز التموينية تبيع الخبز الحالي بأوزان أقل من الرسمية، بنسب تصل إلى 34%، أي تبيعه بأوزان 60 و70 جرامًا رغم أن الوزن الرسمي 90 جرامًا.

ويتطرق نور الدين إلى إشكالية ضخمة في تحديد نوع الدعم، وهل هو مطلق أم دعم نقدي مشروط بشراء الغذاء فقط، ذلك أنه إذا كان سيولة مالية فسيتعين تحديد من يتسلم البطاقة، الزوج أم الزوجة، في ظل إمكانية تحويل قيمة الدعم إلى سيولة يمكن للزوج، إذا كان مدمنًا، أن يصرفها ويترك أبناءه بلا طعام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة