فدوى مواهب. في البداية، اعتقدت أنه تشابه أسماء أو اختلط عليّ الأمر لضعف الذاكرة الذي يعاني منه أغلب مواليد الثمانينيات. لكنها هي؛ فدوى مواهب نفسها التي عرفتها. لكن؛ ما لم أجده منطقيا هو أن تتحول مخرجة كليبات إلى داعية دينية متشددة.
في قناعتي أن الفن إذا أصاب قلبك، يهذبه، يجعلك تقدر الجمال في الأشياء من حولك، ويصبح اللطف رفيق طريقك في تعاملاتك وأفكارك. لا أعني هنا العاملين بالفن فقط؛ لكن كل من منّ الله عليه بتذوقه فني لمحيطه. فالفن يقربنا من الله حبًا وتأملًا في صنعه، أما الخوف والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور فهو نقيض ما نتحدث عنه.
لكن؛ قد يجيب البعض هنا ويقول "وده اسمه فن برضه يا راجل"، واصفًا ما كانت تقدمه "مواهب" أنه أصلا لم يكن إبداعا من الأساس.
سيربرايز... حرام أن ترى الأم ساق ابنتها

هكذا تصدرت فدوى مواهب ترند مواقع التواصل الاجتماعي، في درس ديني. تخاطب فتيات صغيرات، أن ارتداء "شورت" أمام أمها، يجعلها تحصد سيئات لأنها عورة. عورة على أمها! وبطبقة صوتها الحاد تصيح surprise ساخرة من عدم علم الطفلات بهذه المعلومة المهمة -جدا.
الحقيقة أن "السربرايز" لم يكن للصغيرات وحدهن، بل لنا جميعا.
وبعيدا عما قيل، فلا أرى أن هناك مجال للنقاش دينيًا حول هذه النقطة، أو طرح فتاوى مضادة تفنده. إلا أن السؤال المهم هنا أين القائمون على ضوابط العاملين في المجال الدعوي أمثال مواهب؟
مهنة من لا مهنة له
كلما تكلم أحدهم عن تجديد الخطاب الديني، خرجت علينا أصوات بعض المنتمين للأوقاف أو الأزهر الشريف. ليؤكدوا مرارا ألا يتحدث في أمور الدين، إلا من هم أهل خبرة وتخصص. كما يتحدث في الطب، أهل الطب، وفي القانون، أهل القانون؛ بل لا يرتدي الزي العسكري إلا من هو في الجيش.
لكن؛ عند الحديث في الدين، فلا يمكن ضبط هذا الأمر، فأصبح كل من ليس له مهنة يتحدث عن الدين.
اللافت أن الأصوات تعلو بالرفض والاستنكار من المؤسسات الدينية عندما يتحدث عموم الناس عن الدين. بينما تصمت عندما يتم العبث في أدمغة أطفال والسماح بإعطاء محاضرات ودروس من غير أهل الاختصاص.
وحتى نكون منصفين لفدوى مواهب، فبعض دروسها تقدم معلومات دينية بطريقة إيجابية وتعليمية للأطفال. لكن؛ بعضها يثير الجدل وتسحق هذه الإيجابية، سواء كان مقصودا أم لا. مما يدل على عدم أهليتها لتوجيه خطاب ديني للأطفال.
في منتصف التسعينيات نظمت مدرستي الإعدادية، سلسلة ندوات دينية تجمعت فيها فتيات المدرسة كافة في مدرجات الملعب المغطى. في المنتصف منصة جلس "الشيخ" محمد- حسبما أتذكره- وبجواره مدرس اللغة العربية وأحيانا منفردا بالمنصة.
شاب في منتصف العشرينيات، يبدو حديث التخرج، ممتلئا قليلا، يرتدي الجبة والقفطان الأزهري، أبيض البشرة، مكتحل العينين. ينظر إلينا، ثم يطأطئ رأسه بأسى قائلا "معظمكم شكله بلغ المحيض؛ لكن للأسف أغلبكن سافرات". يتساءل بعضنا عن معنى سافرات فيجيب "بشعركن" -يقصد مكشوفات الشعر.
جدي الأزهري كان يسمع أم كلثوم
ثم صال "الشيخ" محمد وجال، واصفا أهوال عذاب جهنم قائلا "شعركم إلى فرحانين به هذا تتعلقون منه يوم القيامة". يسهب في ذكر العديد من الأحاديث النبوية؛ لكن حداثة سني وقتها لم تمكني أن أعرف أنها ضعيفة. عدت إلى منزلي ورأسي محمل بالكثير من الأسئلة التي ألقيتها على رأس أمي فأجابتني مختصِرة "إنتِ لسه صغيرة وبالنسبة للبس المدرسة بتاعك مفيهوش حاجة غلط"، ولم تزد عن هذا.
في الأسبوع التالي حدثنا عن حرمة الغناء. نهتني بعدها صديقتي عن الذهاب لغرفة الموسيقى، وقتها أخذت أدافع عن نفسي أن والدي ووالدتي يسمعون الأغاني بل أحيانا أستمع لصوت أم كلثوم من حجرة جدي الشيخ الأزهري الجليل و-كالعادة- عدت إلى أمي وأبي بأسئلتي.
حتى أتى اليوم الذي تجمعنا فيه للغذاء بعد يوم دراسي مرهق وسألت "هو يعني ايه ختان؟!". هنا فاض الكيل بأبي الذي ذهب في اليوم التالي إلى مدرستي. لم أعرف الكثير من التفاصيل؛ لكن لم أر "الشيخ محمد" مرة أخرى بعدها.
الحسابة بتحسب إيه الأوفر التحفة إلى ربنا مديهولنا هذا
لم يكن هذا هو الفيديو الأول الذي ظهرت فيه "مواهب" ولم تكن هي الأولى -بطبيعة الحال- بين الدعاة المتحدثين عن السيئات والحسنات بمنطق الجمع والطرح. هذا المنطق وإن كان سليما إلا أن تقديمه لأطفال -بهذا الأسلوب- يحول بذرة الدين التي نغرسها فيهم، أن الدين علاقة روحية، قوامها حب الخالق والرغبة في الطاعة بناءًا على هذا الحب، إلى طمع ورغبة مادية مبنية على حسابات المنفعة والمكسب والخسارة.
الأمر نفسه في فيديو "بر الوالدين"، أخطأت مخرجة الكليبات الشهيرة حين قالت "ما ينفعش تقولي لمامي ودادي نو لأن ربنا هيزعل ويكتبلنا سيئة". تكمن خطورة هذا الفيديو أنه يشير لمنطقة نفسية مهمة لدى الطفل، خاصة إذا كان في مراحل النمو والإدراك الفكري، التي يربط فيها دائما بين صورة الأب والرب.
تلك الصورة التي يحاول الطفل تخيلها، فإذا كان الأب مهتما وصبورا، سيؤمن أن الله كذلك والعكس صحيح.
ديفيد دولاهيت، أستاذ الحياة الأسرية في جامعة بريجهام يونج الأمريكية يقول "الأب له تأثير قوي بطرق عميقة ودقيقة، فعلى الرغم من أن الأطفال يعرفون فكريًا أن الله عادل ومحب ولطيف وصبور، إلا أنه من الصعب عليهم التواصل مع الله بشكل عميق إذا لم يكن والدهم كذلك".
لهذا نجد الكثير من حالات الشك واللايقين بالوجود الإلهي في من نشأوا في ظروف أسرية من الإهمال وانعدام النموذج الأبوي.
بينما ما فعلته مواهب "مرعب"، لتشويهها فكرة الطاعة المبنية على الحب لله. بالإضافة إلى الطاعة للأب والأم المبنية على الحب والاقتناع وتحويل كليهما لشكل نفعي بحت وإن لم تقصد هذا التشويه.
فدوى مواهب... تخبط أم بحث عن الأضواء
تغيرت مهن فدوى مواهب في مدى زمني ليس بالكبير بين إخراج الكليبات في مطلع الألفية ثم إخراج الإعلانات، ثم تصميم الأزياء وأخيرا معلمة للدين الإسلامي. بعدها ارتدت الحجاب واختفت عن الأضواء قليلا، عادت كمصممة عبايات وأزياء محجبات.
العامل المشترك الوحيد هو دائرة الضوء ما نسيته فدوى مواهب أن الاقتراب من مركز الضوء غالبا ما يعني النهاية والاحتراق.
