"كنت مع اتنين صُحابى بعد المغرب بشوية صغيرين، بنجيب طلبات للبيت، وكنا فى منطقة تٌعتبر شعبية شوية لكن مش زحمة، وشكلنا غير تقليدي، شعري كان طويل ولابس حلق. عدينا من قدام مجموعة شباب كانوا حوالي 5، للأسف ركزوا معانا وقالولنا كلام وحش. صديقي خاف إنهم يضربونا فا جري، وهما بدأوا يجروا وراه، وأنا وصديقي التاني بعدنا عن المكان".
هذه الواقعة بطلها الذي حكاها لمنصة "فكر تاني"، إبراهيم (اسم مستعار). يصنف نفسه أنه غير نمطي أو غير تقليدي، في عشرينياته. حظه العثر أنه يقيم في منطقة شعبية -إلى حد ما بالقاهرة.
اقرأ أيضا: الوقوع في قبضة “تصنيفك”.. عن “الميول الجنسية” المختلفة
كراهية في كل مكان
ما حدث مع إبراهيم وصديقيه يمكننا أن نسميه جريمة كراهية، تمثلت في الإهانة التي تعرضوا لها والملاحقة والتهديد والترويع. هذه الأفعال تحدث غالبا لأشخاص غير نمطيين\ات أو غير تقليديين، يختلفون إما في مظهرهم أو سلوكهم بالنسبة للشارع المصري.
على الرغم من أن المجتمع المصري يتمتع بتنوع شديد في الثقافة الشعبية ومساحات أرحب في العادات والتقاليد. يبدو أن تلك المساحات ضيقة مع أشخاص لا يرتدون أو يتصرفون وفق شكل لا يمكن تحديده مجتمعيا. ربما يكون مظهر شخص ما في منطقة جغرافية معينة مقبول وفي منطقة مجاورة لها غير مقبول.
لم تنته قصة إبراهيم عند هذا الحد؛ ولكن يقول: "بعد دقايق رجعت أدور على صديقي، عشان أطمن عليه. المشهد كان مٌرعب ليا من أول ما دخلت الشارع. كل شباب المنطقة كانوا متجمعين. في الأول خوفت أدخل الشارع؛ لكن دخلت عشان أحاول أنقذه. أول ما شافوني بدءوا يشتموا ويقربوا منى وللأسف انضربت".
تبدأ خطابات الكراهية عادة بتوجيه الإساءات اللفظية للذين\ اللواتي يراهم\نّ الشارع غير نمطيين\ات بالنسبة له. تتصاعد لتصل إلى التمييز في أماكن العمل والدراسة، لتصل إلى ممارسة العنف عليهم/ن سواء في المجال العام أو الخاص.
يقول محمد أبو الشباب، كاتب وباحث في قضايا النوع الاجتماعي، لمنصة "فكّر تاني" حول تعامل المجتمع المصري مع غير النمطيين\ات: "المجتمع عنيف مع أي شخص شكله مختلف، حتى مع الأجانب. معتقدش إن في إحصائية لرصد خطاب الكراهية بشكل عام. أعتقد إن الدولة عارفه كويس إنه موجود -على كل المستويات- والمعتقدات وحتى المنطقة الجغرافية كمان".
خطابات الكراهية على أساس الهوية
التعريفات الدولية لخطاب الكراهية متنوعة. وتعرفه الأمم المتحدة أنه الكلام المسيء الذي يستهدف مجموعة أو فردًا. بناءً على خصائص متأصلة مثل العرق أو الدين أو النوع الاجتماعي والتي قد تهدد السلم الاجتماعي.
يمكن أن تظهر الكراهية في أشكال عديدة: شفهية أو كتابية أو سلوكي. وتأتي من شخص أو مجموعة يهاجمون أو يستخدمون لغة ازدرائية أو تمييزية تجاه شخص أو مجموعة على أساس الهوية.
لكن؛ الهوية لها مفهوم واسع، فطبقاً لكٌتيب "دليل الجنسانية" تُعرف الهوية الجندرية أنها ما يحدده الشخص لنفسه كذكرٍ أو كأنثى (أو بشكلٍ نادرٍ لكليهما معًا، أو ليس لأيٍّ منهما). هناك هويات جندرية متعددة تندرج تحت هويتين رئيسيتين.
الأول هو منسجم النوع الجندري وهو الشخص الذي يكون لديه تطابق بين هويته الجندرية وجنسه البيولوجي المحدد له عند الميلاد.
الثاني هو غير منسجم النوع الجندري وهو الشخص الذي لا تتطابق هويته الجندرية مع جنسه البيولوجي ويمكن استعماله لوصف العابرون/ات. وهم\نّ الذين يسعون للعيش بالجندر الذي يشعرون بالانتماء له دون الحاجة إلى الخضوع للعمليات الجراحية أو التدخل الهرموني.
اقرأ أيضا: منحرفون ومتحولون.. هكذا ينشر الإعلام الكراهية ضد “الميم-عين”
ماذا يعني الشكل غير النمطي؟
يٌجيب أبو الشباب من خلال خبرته في العمل المدني لسنوات طويلة، عن المظهر غير النمطي بالنسبة للمجتمع قائلاً: "التعريف بيختلف من شخص للتاني. ممكن حد ما يكونش متعمد يبقى شكله غير نمطي بالنسبة للمجتمع اللي هو عايش فيه، بس دي حياته، وده شكله، هيعمل إيه عشان كل الناس متضايقش منه؟ وهل في حاجة تتعمل تخلي كل الناس متضايقش؟".
يمكن أن تحدث خطابات الكراهية من رجال أو نساء آخذين على عاتقهم الحفاظ على القالب النمطي وفقا لرؤيتهم الخاصة. يهاجمون كل ما هو مختلف عن تلك الصور المرسومة بأذهانهم\نّ. ويمكن أن نستشهد على ذلك بحوادث التحرش الجماعي والاعتداء التي تتعرض لها فتيات بملابس احتفالية في ليلة رأس السنة. مثلما حدث في مدينة المنصورة قبل عدة أعوام.
"في مرة كنت راكب عربية المترو بليل من محطة مترو في منطقة تعتبر مش شعبية. واحدة ست شتمتني ورمت عليا زبالة كانت فى ايديها، عشان شكلي بالنسبة لها مش راجل"، يقول إبراهيم.
قد تأتي هذه الخطابات من عدة مصادر ربما تشجع على الكراهية أو تزيد من حدتها وتحفزها، كوسائل الإعلام، والسوشيال ميديا، والسياسيين، وأحيانا قادة دينيين. يكون وقودها التحيز الأعمى والجهل والخوف من المختلف.
إحصائيات غائبة
لا توجد إحصائيات رسمية عن العنف والتمييز ضد الأشخاص غير المطابقين للشكل الاجتماعي في مصر، وهناك تقييد لإمكانات مؤسسات المجتمع المدني لرصد تلك الجرائم.
لكن؛ نشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقرير باسم (المصيدة) في 2017، رصد ارتفاع المتوسط السنوي لعدد المقبوض عليهم والمُحالين إلى المحاكمة في مثل هذه القضايا منذ الربع الأخير لسنة 2013 إلى نحو خمسة أضعاف، مقارنة بسنوات سابقة.
ووصل العدد حتى مارس 2017 إلى 232 شخصًا، أي حوالي 66 شخصًا سنويًّا، بينما كان متوسط المقبوض عليهم في السنوات من (2000 حتى 2013) نحو 14 شخصًا في السنة.
وقالت داليا عبد الحميد، مسئولة برنامج النوع الاجتماعي، في بيان صحفي للمبادرة، إن الطريقة تغطية غالبية المواقع الإخبارية لحوادث القبض على أفراد من مجتمع الميم عين، تنشر حالةً من الفزع "الأخلاقي" يتم من خلالها شيطنتهم عن طريق تشويههم وتصويرهم أنهم ليسوا بشرًا.
تنشر تلك التقارير -وفقا لداليا- تحت عناوين "ساخنة" مُبالغا فيها مثل: "القبض على أكبر شبكة شذوذ". تستخدم وسائل الإعلام مفردات للشحن أخلاقيًّا والحط من كرامة الأفراد المقبوض عليهم مثل: شواذ وجنس ثالث. وتصورهم أنهم يشكلون تهديدًا لقيم المجتمع، ويمارسون العنف ويمثلون خطرًا على المواطنين، خاصة إذا كانوا من المتعايشين مع فيروس نقص المناعة.
يعقب أبو الشباب على ذلك الأمر قائلاَ: "لا يوجد مواد في القانون تعاقب الأشخاص بناء على مظهرهم\نّ العام، ولكن هذا يخص القانون المكتوب؛ بينما في كل المجتمعات هناك قانون آخر غير مكتوب، يمكن أن نراه في صورتين إحداها من الجهات التنفيذية، والأخرى من فئات المجتمع المختلفة".
وأضاف أنه في أحيان كثيرة لا يتم الإفراج عن معظم من يتم القبض عليهم\نّ بسبب الاشتباه. أحيانا يتم القبض على شخص بسبب ارتدائه لحلق بزعم أنه مثلي الجنس -رغم أن المثلية الجنسية غير مجرمة في القانون. كذلك أشخاص يُشتبه بهم\نّ لأسباب عديدة تختلف وفقا لرؤية الجهة التنفيذية للشكل النمطي وغير النمطي، ورؤية المجتمع المحيط لهذه الصفات.
دستور للجميع ما عدا غير النمطيين/ات
يكفل دستور 2014 حرية التعبير في المادة 65، كما تُجرم المادة 53 التمييز وتؤكد على المساواة بين جميع المواطنين. تكفل تلك المواد تحقيق التوازن بين حرية الرأي والتعبير وتحولها إلى خطاب كراهية ضد إحدى فئات المجتمع.
كما نظم المُشرع تشريعات حديثة للخطاب في المجال العام، بناءاً على التطور التكنولوجي السريع يمكن أن تشتبك مع خطاب الكراهية العام، دون أن يناقش القانون في أي منها تعريفا واضحا له أو وضع نص قانوني صريح بتجريمه، أو تبني استراتيجية وطنية لمناهضته.
يرى الباحث في قضايا النوع الاجتماعي أن خطابات الكراهية لها تأثيرات قصيرة وطويلة المدى على الأشخاص غير النمطيين/ات. أما القصيرة فتؤدي إلى العزلة الاجتماعية والتمييز ضدهم/ن في العمل والدراسة، والحصول على الخدمات وانتشار العنف اللفظي والنفسي والجسدي ضدهم والخوف والقلق والإحباط بينهم، بسبب التهديدات واللغة العدائية الموجهة إليهم\نّ.
أما بالنسبة للتأثير على المدى الطويل، فوفقا لـ"أبو الشباب"، تؤدي هذه الخطابات إلى تعميق الفجوة والانقسام في المجتمع بسبب عدم التسامح وزيادة معدلات العنف، واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان وتراجع الحريات الشخصية.
كذلك سيقل التنوع والتعددية الجندرية والعقائدية والثقافية في المجتمع وستسيطر ثقافة واحدة ضيقة ومتشددة. ولحل تلك المشكلة، يُوصي الدولة بالاعتراف بالمشكلة، وسن قوانين وسياسات واضحة لمناهضة خطاب الكراهية، وتبني استراتيجية وطنية بمشاركة كل الجهات المعنية وإنشاء مفوضية لمناهضة جميع أشكال التمييز المنصوص عليها فى المادة 53 من دستور 2014 لضمان حماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع بمختلف تنوعاتها.
كذلك نشر التوعية بحقوق الإنسان وتقبل التعددية والتنوع، في المدارس، والجامعات، وأماكن العمل وأن يتحمل الإعلام المسؤولية لتقليل خطابات الكراهية وأن تأخذ منصات التواصل الاجتماعي إجراءات حاسمة للسيطرة على انتشار هذه الخطابات عبرها.
محاولات المجتمع المدني لرصد تلك القضايا محل تقدير ولكنها محدودة، ما يجعلنا أمام تحدٍ كبير في مواجهة تلك المشكلة، فلا يوجد اعتراف بوجودها وحصرها لمعرفة حجمها وآليات التعامل معها للسيطرة عليها وحلها.