يبدو أن مقاعد الصفوف الأولى في البرلمان باتت تألف وجوه النجوم أكثر من أي وقت مضى. فقبل نحو شهرين، حضر الفنان أحمد زاهر جلسة لمناقشة مخاطر الألعاب الإلكترونية على الأطفال عقب عرض مسلسله "لعبة وقلبت بجد". واليوم، يطل الفنان محمد فراج من تحت قبة البرلمان، إثر تجسيده شخصية الأب الذي يعاني تعنت طليقته وحرمانه من إقامة علاقة سوية مع ابنته في مسلسل "أب ولكن". وأمام هذا المشهد المتكرر، لم يعد ينقص مبنى البرلمان في العاصمة الإدارية الجديدة سوى التعاقد مع شركة لوضع "ريد كاربت" المهرجانات على بواباته.
المفارقة هنا ليست مجرد حضور الفنانين ودورهم المتوقع في جلسات استماع تحتاج لخبراء وليس مجرد ممثل جسد شخصية يعكس خطها الدرامي قضية اجتماعية أو حقوقية ما، لكنها تتعلق أيضًا في الانتقائية، فبينما احتفت لجنة التضامن بفراج وما قدمه من تجسيد لمعاناة الآباء مع قانون الرؤية والحرمان من الأبناء، غاب عن البرلمان دعوة الفنانة نيللي كريم، التي نقلت ببراعة صراع فاتن أمل حربي في أروقة المحاكم في قضية مماثلة.
لكن هذه المفارقة والحضور الفني، يطرح تساؤلًا حقيقيًا، هل نحتاج في جلسات الاستماع إلى أبطال الشاشة أم إلى أبطال الواقع؟ هل نحتاج الممثل أم نتطلع لآراء الباحثين المتخصصين، والخبراء وعرض مراكز الإحصاء في قضية تتعلق بالأمن المجتعي، مثل قانون الأسرة وتنظيم الأحوال الشخصية.
حوار من دون مسودة
أمس الثلاثاء، انعقدت جلسة استماع للجنة التضامن الاجتماعي والأسرة بمجلس النواب، تحت عنوان "التصدي لملف الأسرة المصرية، من أجل تعزيز الاتجاهات الداعمة لتبني مفهوم الأسرة بما يسهم في تطوير الإطار التشريعي المنظم للأسرة المصرية، لمواكبة المتغيرات الاجتماعية والحفاظ على القيم والثوابت المجتمعية من كافة المجالات (اجتماعيًا – دينيًا- ثقافيًا)".
وضعت اللجنة عنونًا ضخمًا لأولى الجلسات التي تشتبك مع قانون الأسرة، بينما لم يصل بعد إلى مجلس النواب مشروع القانون، الذي وجه الرئيس الحكومة بشرعة إرساله للبرلمان، كما لم يحال مشروع القانون المقدم من النائبة فاطمة عادل، عضوة مجلس النواب عن حزب العدل للمناقشة، فأصبحت الجلسة كأنها تحلق في الفراغ وتعيد إنتاج حوارات سبقت وجرى مثلها في الحوار الوطني، وبالطبع لم يتفاعل المجلس مع المقترح الذي أرسلته مؤسسة قضايا المرأة، قبل أيام إلى المجلس من خلال خطاب مسجل بعلم الوصول.
شارك في الجلسة ممثلون عن وزارة العدل ووزارة التربية والتعليم والمجلس القومي للطفولة والأمومة والمجلس القومي للمرأة وبعض المحامين، بينما لم تدع اللجنة بعد أي من مؤسسات المجتمع المدني، وربما يجري دعوتهم في جلسات استماع لاحقة، فبحسب المصادر البرلمانية لن تكون هذه الجلسة الوحيدة.
تحدث المستشار عمرو السيسي، عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، خلال الاجتماع مشيرًا إلى أن مشروع قانون الأحوال الشخصية سيكون قريبًا أمام البرلمان، مشددًا على أن وزير العدل يولي الملف أهمية قصوى، وأن الصياغة القانونية وصلت إلى مراحلها النهائية، مع توقعات بوجود توافق واسع حوله.
لم يوضح السيسي الموعد، كما لم يوضح لماذا العمل على صياغات نهائية جديدة بعدما كان أعلن وزير العدل الأسبق، المستشار عمر مروان الانتهاء من الصياغات والاستعداد للحوار المجتمعي في مارس 2023!
معضلة الاستضافة
تصدرت أزمة الرؤية والاستضافة وضوابطها لمنع انتزاع الصغير من الحاضن المناقشات خلال الاجتماع، وطالبت المحامية مشيرة السيد بإصدار قرار يمنع سفر الزوج حال عدم إعادته للطفل خلال 24 ساعة، غير أن رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب عمرو الورداني، لفت إلى أن السفر قد يتم قبل مرور 24 ساعة، داعيًا لدراسة آليات أكثر إحكامًا لضبط هذه الحالات.
وتدخل صبري عثمان، مدير خط نجدة الطفل، موضحًا تكرار هذه الوقائع وانتزاع الأطفال من أمهاتها، مشيرًا إلى اصطحاب الطفل إلى أماكن قريبة مثل السوبر ماركت، ثم السفر به خلال ساعتين فقط.
بينما تخلل الاجتماع عدة تحذيرات سواء اجتماعية أو نفسية أو حتى اقتصادية، فالنائب عمرو الورداني، رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب، حذّر من العبء الاقتصادي الذي تشكله قضايا الطلاق، مشيرًا إلى أن الدولة تنفق مليارات سنويًا على منازعات الطلاق وقضايا الأحوال الشخصية.
أما النائب أحمد الدريبي، عضو مجلس النواب، فلفت إلى انتشار "الزواج المبكر" (يقصد تزويج الأطفال)، وقال إن هذه الظاهرة قنبلة اجتماعية تتطلب تدخلاً عاجلًا، مضيفًا أن "الأطفال الذين يولدون لأب وأم تزوجا في سن مبكرة يواجهون مشكلة في استخراج الأوراق الرسمية، وهو ما يسبب لهم صعوبات كبيرة في التعليم والخدمات والحياة بشكل عام"، لكن الورداني لم يرق له حديث زميله ورفض ما اعتبره "تعميم غير صحيح".
رؤية المجلس القومي للطفولة
بعد صمت طويل منذ تصاعد ترند الأحوال الشخصية الذي بدأ مع دراما رمضان، ثم انتحار البلوجر بسنت سليمان، وما تبعه من توجيه الرئيس بسرعة مناقشة مشروعات قوانين الأسرة، أعلن المجلس القومي للطفولة والأمومة عن رؤيته على هامش اجتماع اللجنة أمس.
استعرض صبري عثمان، مدير خط نجدة الطفل خلال جلسة الاستماع مدير خط نجدة الطفل مشكلات نظام الرؤية المطبق حاليًا في الحدائق العامة ومراكز الشباب، بينما أوضح في حوار مصور مع "اليوم السابع" رؤية المجلس القومي للطفولة والأمومة بشأن قانون الأسرة، بما يهدف الحفاظ على الاستقرار والسلامة النفسية والاجتماعية للطفل، وضمان استمرار علاقة الطفل بوالديه، وإقرار نفقة عادلة وقابلة للتنفيذ، وتيسير إجراءات التقاضي في المحاكم وتخفيف العبء عن الأسر حال غياب التوافق.
ومع انتقاد نظام الرؤية الحالي، أوضح اقتراح المجلس التدرج في أوقات الرؤية بحسب المرحلة العمرية للطفل، ولفت إلى أن بمجرد تجاوز الطفل سن السابعة، يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد الرؤية لعدة ساعات، مطالبًا بإقرار حقوق "الاستصحاب"، بحيث يحق للأب أن يصطحب ابنه للعيش معه لبعض الوقت، والخروج معه، ليتأقلم الطفل مع حياة والده ويتعرف على تفاصيلها، وفي المقابل يتابع الأب نمو وتصرفات ابنه عن قرب.
ورغم إقرار عثمان بحالات انتزاع الصغار من الأمهات خلال الرؤية، لم يوضح طبيعة الضوابط الصارمة التي يقترحها لتنظم تحكم خروج الطفل وعودته في مواعيد محددة للحاضن مرة أخرى، واكتفى باقتراح تطبيق عقوبات متدرجة على الطرف المخالف، تبدأ بالمنع المؤقت من الاستصحاب، وتصل إلى اتخاذ إجراءات قانونية صارمة قد تنتهي بإلغاء حق الاستصحاب تمامًا حال التخلف عن المواعيد
ولم يقدم مدير خط نجدة الطفل أي رؤى أخرى بشأن النقاط الخلافية حول سن الحضانة أو الولاية التعليمية، أو على الأقل إثارة الأمور المتعلقة بولاية الأم على الأطفال بعد وفاة الأب.
انتهى الاجتماع الذي استغرق أكثر من ساعتين، بعد مكلمة لا تتناول مسودة ولا بنود محددة ولكن تبحث الأمنيات والآمال وتشخص المرض وكأننا نخترع العجلة، لحين وصول مشروع القانون الذي ستتقدم به الحكومة إلى مجلس النواب.
ومع ذلك، لا بأس من المكلمة والفضفضة ولكن أسس الحوار المجتمعي ليست غريبة على مجلس النواب، وتجارب السنوات السابقة شهدت جلسات اتسمت بالحرفية والاشتباك الحقيقي، ولم تكن يوماً مجرد "مكلمة"، حتى وإن انتهت بقوانين غير مُرضية في النهاية أو جدلية مثل القانون الخاص بالإيجار القديم، أو قانون المسؤولية الطبية وحماية المريض، لكن ظهور فراج بالأمس ومن قبله أحمد زاهر ما هو إلا ترويج، وإعلان عن دخول البرلمان على الخط لكن الحقيقة أننا ما زلنا بانتظار "المشروع الذي سيخرج من أدراج الحكومة.