ما الذي يدفع بائع الأدوية نفسه إلى الترويج لنظام يُعلن الحرب عليها؟ أمي مريضة بالسكري وقرحة المعدة، وحين ذهبت لصرف الروشتة من صيدلية قريب في حدائق الأهرام حيث أسكن، عرض عليَّ الصيدلي التخلص من دوائها نهائيًا، مقترحًا بديلًا واحدًا هو "نظام الطيبات"، بدت دعوة الدكتور أحمد* غريبة من صيدلي يُفترض أن الدواء لقمة عيشه، وهو ما جعلني أتردد بين احتمالين، فإما أن يكون مقتنعًا تمامًا بالنظام، أو أن يكون قد وجد فيه بابًا لاستغلال رواجه.
ونظام الطيبات الذي ابتدعه ضياء العوضي هاجم في جوهره منظومة الدواء، ودعا مرضاه ومتابعيه إلى مقاطعة الأدوية خاصة أدوية الأمراض المزمنة، مدعيًا قدرة نظامه الغذائي على شفاء جميع المرضى، وقد دفعني الفضول إلى مجاراة الصيدلي أكثر، فاكتشفت أن ترويجه لم يكن بلا مقابل، إذ يرسل لعملائه ورقة تحمل تعليمات النظام مقابل اشتراك شهري قدره 100 جنيه، فضلًا عن ترويجه مكملات غذائية باهظة الثمن يزعم أنها جزء أصيل من نظام الطيبات. وهنا فتحت لي هذه التجربة الصغيرة بابًا أوسع نحو قدرة السوق على ابتلاع رواج نظام كان في الأصل يحارب استغلال شركات الأدوية، وتحويله إلى مشروع تجاري مربح.
طلبت من الصيدلي إرسال النظام كي تتبعه والدتي، فأرسله دون أن يسألني عن أي تفصيل يخص حالتها الصحية، مكتفيًا بمعرفة أنها تعاني من السكري وقرحة في المعدة والاثني عشر، ولم يطلب رؤية آخر تحاليلها الطبية، ولا الاستفسار عن أي حساسية قد تصيبها من مستحضر كيميائي، فالنظام بحسب ما أخبرني صالح للجميع دون قيود. والأغرب أنه لم يطلب من أمي التوقف عن أدويتها، لكنه أباح لها في المقابل أكل السكر وكل مشتقاته من المربى والعسل والفواكه المجففة والعصائر المصنعة، بينما حذرها من بعض الفواكه الطازجة مثل المانجو والبطيخ، ووصف لها فيتامين "د" يوميًا بعد الإفطار، إلى جانب جرعة من عقار " Feroglobin" بعد الغداء، وهو مكمل غذائي يُستخدم لعلاج الأنيميا وإنبات الشعر المتساقط. لم أعرض بالطبع حياة أمي لهذا الخطر، لكن التجربة كانت كافية لتكشف حجم العشوائية التي يُدار بها هذا النظام.
يصف أخصائي التغذية العلاجية، الدكتور إبراهيم عبد الحكيم، ما يفعله هذا الصيدلي بـ"الكارثة الصحية"، موضحًا أن ما يقوم به بعض الصيادلة مؤخرًا من ترويج لأنظمة غذائية يمثل خطورة كبيرة على صحة الناس، فدور الصيدلي يقتصر على صرف الأدوية اتباعًا لجرعات وصفها الطبيب المختص، لا أن يمنح مكملات أو فيتامينات من تلقاء نفسه لأنها ليست آمنة كما يُخيل للبعض.
ويحذر عبد الحكيم من استخدام نظام الطيبات كبديل للأدوية لا سيما بين أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط وأمراض الكبد، مبينًا أن اتباع نظام غذائي معين يجب أن يكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة، مصممة وفقًا للحالة الصحية الخاصة بكل فرد، فلا يوجد سند علمي يجعل من أي نظام صالحًا للجميع. ويشدد على خطورة التخلي عن الدواء، مستندًا إلى ما شهده من حالات صحية خطيرة وصلت إلى الرعاية المركزة نتيجة ترك العلاج، مشيرًا إلى أن عدم وقوع كارثة مباشرة بعد ترك الدواء ليس علامة على فعالية النظام، وربما يكون العكس هو الأخطر، إذ تتدهور صحة الشخص في صمت قبل وقوع الكارثة النهائية.
لم تكن تجربتي مع الصيدلي استثناءً معزولًا، فسرعان ما اكتشفت أن هذا الترويج امتد إلى صيدليات أخرى، خاصة بعدما اتسع انتشار النظام عقب وفاة العوضي المفاجئة في دبي أبريل الماضي.
عدوى الطيبات تنتقل بين الصيدليات
في منطقة الهرم، تعرّفت على الصيدلانية سالي صلاح*، التي تمارس عملها في صيدليتها الخاصة، إلى جانب عملها خبيرة تغذية في أكثر من ناد رياضي بمنطقة الجيزة. تروج سالي مؤخرًا لنظام الطيبات، وتراه أفضل الخيارات المتاحة لأنه يقوم على منع أصناف وتحديد أخرى يسهل الحصول عليها، دون الدخول في تفاصيل تعيق المرضى عن الالتزام به.
والغريب أن سالي، في حديثها لـ"فكر تاني"، أكدت أنها تؤمن بنظام الطيبات وبعدم جدوى الأدوية لمعظم الأمراض، رغم أن هذا هو عملها الوحيد، ومع ذلك لا تتوقف عن الترويج لمكملات غذائية ضمن مبيعات صيدليتها، وحقن التخسيس التي تقول إنها تلاقي رواجًا كبيرًا في السنوات الأخيرة.
من غرب القاهرة إلى شرقها، قادتني إحدى الزميلات إلى من وصفتها بـ"طبيبة الطيبات"، سميرة خليل*، التي تعمل في صيدلية عائلتها منذ 20 عامًا بعد دراستها التغذية العلاجية، واكتفت بممارستها عبر شبكة من العملاء امتدت لسنوات. وعلى عكس سالي، جربت سميرة النظام على نفسها وأسرتها أولًا، قبل أن تتحول إلى إحدى المبشرات به.
وتحكي سالي في حديثها مع "فكر تاني" أن ما دفعها لتجربة النظام كان معاناتها التي استمرت عامين مع سرطان الثدي، وتقول بلهجتها "سنتين من العلاج الكيماوي قتلوني، لكن بعد ما مشيت على النظام الكل شايف أنا بقيت ازاي أحسن. عشان كدة بدأت امشي العملاء بتوعي على النظام وببيع لهم أدوية حسب حالتهم، وفيه عملاء جدد بيتابعوا لما بيعرفوا إني همشيهم على نظام الطيبات".
الأرقام تقول شيئًا آخر
ينفي الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، تأثر قطاع الأدوية بالرواج الذي شهده نظام الطيبات، مؤكدًا في حديثه لـ"فكر تاني" أن مبيعات الأدوية حققت نموًا قدره 13% خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. ويحذر عوف من مطالبة بعض الأشخاص، سواء من العاملين في مجال التغذية أو غيرهم، مرضى الأمراض المزمنة بالتوقف عن تناول أدوية السكري أو الضغط أو القلب، مشددًا على أن التعامل مع هذه الأدوية لا يمكن أن يكون بشكل عشوائي، فإيقاف أدوية الضغط دون إشراف طبي قد يعرض المريض لمضاعفات خطيرة، من بينها الجلطات أو الإصابة بالشلل النصفي، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الوفاة.
ويلفت عوف إلى أهمية التحقق من التراخيص الصادرة عن وزارة الصحة، التي يمكن من خلالها التأكد من أهلية الشخص لممارسة المهنة، موضحًا أن المراكز الطبية المعروفة الخاضعة للتفتيش والرقابة تكون أكثر وضوحًا فيما يتعلق بالمؤهلات الطبية للعاملين بها.
ويكرر تحذيره من استخدام "نظام الطيبات" كبديل للأدوية، خاصة لدى مرضى الأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط وأمراض الكبد والأمراض المناعية، مؤكدًا أن إيقاف العلاج أو تعديل الجرعات يجب أن يتم تحت إشراف الطبيب المعالج، وبناءً على الحالة الصحية ونتائج التحاليل.
لكن إذا كانت أرقام عوف تنفي تأثر سوق الدواء، فإن أسواقًا أخرى، أبعد بكثير عن الصيدليات، كانت تروي حكاية مختلفة تمامًا.
السوق يعيد ترتيب موائده
أثّرت متابعة ملايين المواطنين لنظام الطيبات سلبًا على أسواق الدجاج والبيض والمخابز، لأن النظام يمنع هذه الأصناف، ما أدى إلى تراجع كبير في الطلب على الدواجن، وانعكس بدوره على الأسعار التي تراجعت بنسب وصلت إلى 45%. ورٌبط هذا التراجع بزيادة أتباع النظام، إذ هوى سعر طبق بيض المائدة من 130 جنيها عام 2025 إلى أقل من 90 جنيها، بنسب تراوحت بين 30 و35%، رغم أن شعبة بيض المائدة نفت أن يكون الطيبات السبب، وأرجعت التراجع إلى زيادة الإنتاج.
لكن الحاج محمود*، وهو صاحب محل لبيع الدواجن في حدائق الأهرام، كشف لي كيف أثر انخفاض سعر الدجاج على تجارته المستمرة منذ 30 عامًا من دون أن يعرف السبب الحقيقي وراءه، لكنه يتعجب أكثر من انقطاع بعض زبائنه القدامى من ميسوري الحال عن الشراء رغم تراجع الأسعار.
ويوضح محمود أن تراجع الأسعار لم يصب إلا في مصلحة البسطاء، قائلًا "أنا فرحان بنزول الأسعار بس عشان الناس الغلابة الي كانت بتشتري هياكل فراخ بقت تعرف تشتري شوية بانيه وكبد وقوانص، ما هما دول الي ماشيين على نظام الطيبات طول السنة".
في المقابل، يبدي ممدوح سعيد، صاحب محل دواجن في حي الهرم، امتعاضه الشديد من نظام الطيبات، الذي أجبره على عمل عروض لبيع الدجاج بسعر التكلفة تفاديًا للخسارة بعد تراجع الطلب بشكل كبير، ويقول لـ"فكر تاني"، إن "نظام الطيبات مجاش علينا غير بالخراب، طول عمرنا بناكل فراخ ومحصلناش حاجة، دلوقتي الفراخ بقت وحشة".
بينما يرى أحمد عبد الله*، صاحب محل دواجن في منطقة الطالبية فيصل، أن الطلب ازداد على الدواجن بعد نزول الأسعار، فلا أحد في منطقته الشعبية يعرف عن الطيبات شيئًا، ويستدرك قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "مين هيقدر يشتري كل أسبوع كيلو لحمة بـ500 جنيه، الناس بتقضيها بانيه وكبد وقوانص، ولا طيبات ولا بتاع، الناس عايزة تأكل عيالها".
وإذا كان الدجاج والبيض قد خسرا في هذه المعادلة، فإن مخابز العيش البلدي وجدت طريقها للتكيف بدل المواجهة.
تكيفت هذه المخابز مع منع نظام الطيبات للدقيق الأبيض، فاخترعت بديلًا يناسبه، وأمام أحد هذه المخابز، وقف الشاب محمد محمود ممسكًا أرغفة الخبز البني، يشرح لي "الناس طالعة في المقدر جديد وعايزة عيش حبة كاملة، عملنالهم اللي هما عايزينه".
لم يستوعب الخباز الشاب لماذا انصرف زبائنه المعتادون عن العيش البلدي أبو 2 جنيه لشراء رغيف "طعمه وحش" وسعره 5 جنيهات، ويضيف قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "الطلب على العيش البلدي قل، عملنا عيش الحبة الكاملة زي الأفران اللي جنبنا، ورفعنا السعر عشان نسترزق، نعمل ايه؟".
وجدت منطقًا حقيقيًا في تساؤل محمود، فالخبز البلدي المدعم يمثل عماد المائدة الغذائية في مصر، إذ يتجاوز إنتاج مصر منه سنويًا 100 مليار رغيف للمدعم وحده، بينما تستورد البلاد أكثر من 40% من احتياجاتها من القمح، بمعدل 12 مليون طن سنويًا.
ولم يتوقف الأثر عند حدود الدواء والبيض والدجاج والخبز، فقد لفت نظري الإقبال المتزايد على النوتيلا، التي يوصي بها العوضي ضمن نظامه.
يروي فتحي، الذي يعمل بائعًا في سلسلة متاجر شهيرة بمنطقة الدقي، أن مخزون النوتيلا الذي كان ينفد في شهر سابقًا، بات ينفد الآن قبل نهاية الأسبوع، بينما تنتهي صلاحية أطباق البيض بعد طول انتظار لمشترٍ لا يأتي.
هذا التناقض بين المنتجين كشف لي حجم تأثير نظام الطيبات على السوق، ودفعني إلى خوض جولة في سوق محطة مترو "سعد زغلول"، الذي يبيع منتجات مجهولة المصدر أو قاربت على انتهاء صلاحيتها.
وجدت في هذا السوق كميات هائلة من سلع تحمل أسماء مختلفة للنوتيلا، لكن بأسعار أقل بكثير من المنتجات الأصلية، إذ تتراوح العلبة زنة كيلوجرام بين 130 و150 جنيها، في حين يصل سعر الكيلوجرام من المنتج الأصلي إلى 680 جنيها.
يقول سعيد*، أحد البائعين في هذا السوق، إن مبيعاته من النوتيلا زادت على حساب أصناف أخرى يبيعها، لافتًا إلى أن الموظفين صاروا أكثر إقبالًا عليها، فيما يشتري بعض الزبائن الذين يعرفهم جيدًا عبوة كبيرة كل أسبوع تقريبًا، ويضيف "الناس مش قادرة على سعر النوتيلا الأصلية، عايزين يأكلوا عيالهم حاجة حلوة، فبيشتروا دي".
كانت تلك الجولة كفيلة برسم صورة أكثر وضوحًا عن أزمة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على ما قدمه العوضي وحده، ولا على استغلال نظامه من قبل التجار والصيادلة لتحقيق مزيد من المكاسب، فقد كشفت أمامي مشهدًا أعقد بكثير، تختلط فيه الأزمة الاجتماعية بالاقتصادية بالصحية، وتخلق متلقين وجماهير لخطاب لا يمت للعلم بصلة.
وإذا كان السوق قد كشف وجهه الاقتصادي من الظاهرة، فإن سؤالًا أعمق ظل ينتظر إجابة، لماذا وجد كل هذا الخطاب من الأساس أرضًا خصبة لينمو فيها؟
ما وراء الوصفة
يشخص أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، هذه الأزمة، معتبرًا إياها ظاهرة تستحق تسليط الضوء عليها، ويراها أمرًا منطقيًا في ظل حالة الجهل والفقر المتفشية، مؤكدًا أن الأزمة في جوهرها تتجاوز نظام الطيبات، لترتبط في نهاية المطاف بالقدرة الشرائية والقدرة على الوصول إلى رعاية صحية جيدة.
ويعتقد صادق أن انتشار أنظمة العلاج والتخسيس غير الطبية ورواجها بين المصريين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفقر وضعف الوصول إلى رعاية صحية مناسبة، نتيجة ضعف القدرة على تحمل تكاليف العلاج، ما يجعل من الصيدلية أو الوصفات غير الموثوقة بديلًا أسهل.
ويشير أستاذ علم الاجتماع السياسي في حديثه لـ"فكر تاني"، إلى أن الأزمة لا تتعلق بالمواطن وحده، وإنما تمتد إلى الجهات المسؤولة عن الرقابة والتوعية، داعيًا وزارة الصحة ونقابتي الأطباء والصيادلة إلى القيام بدور أكبر في توعية المواطنين، فضلًا عن إصدار تعليمات واضحة للصيدليات بشأن الممارسات الطبية التي لا يجوز القيام بها خارج الإطار الطبي الصحيح.
وترصد الطبيبتان الصيدليتان سالي وسميرة رواج النظام بين مرضى السمنة بشكل خاص، الذين ضاقت بهم سبل البحث عن حل نهائي لإنقاص الوزن، وهو ما تؤكده البيانات التي تضع مصر في أعلى مراحل الخطر على مؤشر السمنة العالمي، حيث تتجاوز نسبة السمنة بين النساء 55%، بينما تبلغ نسبتها بين الرجال 24%، ووضعت منظمة الصحة العالمية هذه النسب ضمن أعلى مستويات الخطر على المستوى الوطني.
ولعل هذا ما يدفع ملايين اليائسين إلى البحث عن حلول بين أرفف الصيدليات، وهو ما يصفه صادق بـ"حالة من الأزمة"، إذ يمثل العامل الاقتصادي جزءًا أساسيًا من تفسير هذا الإقبال، فالبحث عن حلول سريعة وأقل تكلفة يدفع البعض إلى اللجوء لمنتجات أو إجراءات لا ينبغي استخدامها إلا تحت إشراف طبي متخصص، ويمكن اعتبار تفشي كل هذه الظواهر دليلًا على هشاشة دور المؤسسة الطبية في تدارك قلة الوعي وتوفير الرعاية الصحية المناسبة.
في المجمل، لا يمكن عزل ظاهرة الطيبات عن شقيها الاجتماعي والاقتصادي، فضلًا عن الطبي، فبين مرضى يائسين يبحثون عن أمل مفقود في التعافي، وظروف اقتصادية صعبة تعرقل الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة، يبحث المواطن المطحون عن بصيص أمل يمكنه من النجاة، في عالم بات فيه الحق في الصحة رفاهية لا يملكها إلا قلة من البشر.
-
أسماء مستعارة بطلب من أصحابها.