كل تذكرة تُباع في حفلات هذا الصيف تحمل رقمين لا رقمًا واحدًا، رقم مطبوع يراه الجمهور، وآخر خفي تتنازعه وزارتا المالية والسياحة، وبين هذين الرقمين تدور معركة بين من يريد أن يجني من الترفيه أقصى حصيلة ممكنة مهما صغر حجمها في ميزانية الدولة، ومن يرى أن هذه الجباية نفسها باتت تُفرغ الترفيه من جدواه الاقتصادية.
فبينما تنشغل حفلات الساحل الشمالي بزحامها وتدافع جمهورها على تذاكر كبار النجوم، تُرسل مصلحة الضرائب العقارية التابعة لوزارة المالية لجانًا لمتابعة هذه الحفلات المقامة خلال الموسم الصيفي الحالي، سعيًا لتحصيل "ضريبة الملاهي" المفروضة بنسبة تتراوح بين 5 و30% من قيمة التذكرة حسب نوع الأنشطة الترفيهية، وتحديدًا من الحفلات التي تشهد إقبالًا من فئة ذات ملاءة مالية كبيرة، بحسب ما كشفه مصدر مسؤول بالمصلحة لـ"فكر تاني".
وهذه الضريبة، التي يتحملها الجمهور فعليًا بينما تلتزم الأماكن المنظمة بتحصيلها وتوريدها للمصلحة، تتدرج في فئات تبدأ من 5% على الأنشطة الفنية ذات البعد الثقافي كعروض الموسيقى العربية والأوبرا، وترتفع كلما اقترب الهدف من الترفيه الخالص، حتى تصل إلى 25% على غالبية حفلات الساحل الشمالي، و30% على الحفلات المصنفة ديسكو أو راقصة، مثل حفلة "دي جي سولومون" التي تراوحت أسعار تذاكرها الفردية بين 4 و15 ألف جنيه، بما يعني توريد ما بين 1000 و4500 جنيه عن كل تذكرة.
وحتى الحفلات الغنائية الكبرى لا تفلت من هذا الحساب، ففي حفلة كحفلة عمرو دياب، حيث تصل تذكرة الطاولة الواحدة التي تتسع لـ10 أفراد إلى 300 ألف جنيه، تخضع كل تذكرة لضريبة قدرها 25% أي ما يعادل 7500 جنيه، باعتبارها حفلة غنائية لا راقصة.
وتستهدف وزارة المالية من ضريبة الملاهي هذا العام حصيلة قدرها 1.7 مليار جنيه، مقابل 1.15 مليار جنيه في العام الماضي، بزيادة نسبتها 50.5%، لتشكل هذه الضريبة عنصرًا أساسيًا ضمن الضرائب العقارية التي يبلغ مستهدفها الإجمالي لهذا العام 17.5 مليار جنيه، غير أن هذا الرقم لا يتجاوز كسرًا بسيطًا من إجمالي مصروفات الدولة البالغة نحو 5.2 تريليون جنيه في موازنة 2026-2027 بحسب بيانات وزارة المالية، وهو ما يجعل حدة الإصرار على تحصيله أمرًا يستحق التوقف عنده أكثر من كونه مجرد رقم في بند إيرادات، حيث يمثل نحو 0.03% فقط من إجمالي مصروفات الدولة، أي أقل من ثلاثة أجزاء من كل عشرة آلاف جزء من الموازنة.
معركة الإلغاء بين المالية والسياحة
فمقابل هذا الإصرار على رفع الحصيلة رغم صغر حجمها النسبي، يقف قطاع السياحة موقفًا مغايرًا تمامًا، إذ يطالب اتحاد الغرف السياحية بمصر بإلغاء ضريبة الملاهي كليًا، بدعوى أنها تقتطع مع ضريبة القيمة المضافة نحو 55% من إيرادات الحفلات (وضريبة القيمة المضافة هنا 14% تُفرض على المشروبات والخدمات التي تقدمها الجهة المنظمة، وتُحصلها الضرائب العامة لا الضرائب العقارية كضريبة الملاهي).
وقد أيد وزير السياحة والآثار شريف فتحي المطلب ذاته، داعيًا إلى إلغاء ضريبة الملاهي بالكامل، وانضم إليه رجل الأعمال سميح ساويرس الذي قال إن المبالغة في هذه الضريبة أضاعت على البلاد عشرات الفعاليات التي أُلغيت بسببها، وهي خسارة يراها القطاع السياحي غير متناسبة مع حجم ما تجنيه المالية من هذه الضريبة مقارنة بإجمالي إنفاق الدولة.
غير أن وزارة المالية ترفض هذا المطلب بدعوى تأثير الإلغاء على موارد الدولة، ويوضح مسؤول الضرائب العقارية أن هذه الضريبة لم تمنع منظمي الفعاليات الدولية والفنانين العالميين من القدوم إلى مصر، كما لم تؤثر على إقبال الجمهور على حضور الحفلات والفعاليات الكبرى.
ويُدعِّم المسؤول، الذي تحفظ على ذكر اسمه، موقف المالية بحجة العدالة الضريبية، مشيرًا إلى أن الضريبة ذاتها تُفرض على أنشطة أصغر حجمًا كمحلات البلاي ستيشن والبلياردو، إذ يتعين على كل صاحب محل الحصول على دفاتر مرقمة بالتسلسل، كل منها 100 رقم، من 1 إلى 100 ثم من 101 إلى 200 وهكذا، ليحصل كل عميل على رقم من هذا الدفتر، ويُحاسب صاحب المكان بنسبة 10% من قيمة التذاكر المباعة، مؤكدًا أن هذه الأنشطة الصغرى، كالحفلات التي تُقام في المقاهي والمطاعم الصغيرة، تخضع لمرور مستمر من المصلحة للتأكد من التزامها، وأن من العدل أن يُفرض على القطاع السياحي ما يُفرض على أصحاب هذه الأنشطة الصغيرة.
أما وزارة السياحة، فتقف في موقع أكثر تعقيدًا، فهي من جهة تضم صوتها إلى مطلب إلغاء ضريبة الملاهي، ومن جهة أخرى تعود لتؤكد أن هذه الضريبة لا تُعيق حضور الأجانب للحفلات، ضاربة مثالًا بحفل المطربة أنغام في المتحف المصري الكبير قبل عامين، الذي شكل الأجانب نحو 70% من جمهوره، ومشيرة أيضًا إلى أن مهرجانًا أُقيم أخيرًا بمنطقة الأهرامات استقطب نحو 18 ألف زائر أجنبي، وهو ما يعكس، بحسب الوزارة، استمرار جاذبية مصر لاستضافة الفعاليات الفنية والترفيهية الدولية، في موقف يبدو معه أن الوزارة تُمسك العصا من المنتصف، فلا تريد حرمان المالية من مورد مهم لها، وفي الوقت ذاته تسعى لإرضاء القطاع السياحي الذي تمثله.
عقوبات للمتلاعبين تحتاج للتعديل
وفي خضم هذا الجدل حول جدوى الضريبة من عدمها، ورغم أن حصيلتها لا تمثل إلا نسبة محدودة من موازنة الدولة، تُحكم مصلحة الضرائب العقارية قبضتها على تحصيلها عبر منظومة عقابية صارمة، فحال تأخر المنظمين عن توريد الضريبة، يُحملون زيادة قدرها 10% من قيمتها عن كل يوم تأخير، بحد أقصى 10 أيام، بمعنى أن قيمة الضريبة تتضاعف خلال 10 أيام إذا لم تُورد في اليوم التالي مباشرة للحفل، ومن حق موظف الضرائب العقارية المرور على المناطق الواقعة ضمن نطاق تكليفه للتأكد من دفتر التذاكر الخاص بتلك الحفلات.
وتفرض المالية أيضًا غرامة لا تقل عن 200 جنيه ولا تتجاوز 2000 جنيه على من لا يُخطر في الميعاد المقرر، أو يمتنع عن تقديم البيانات التي يطلبها العاملون المختصون، أو يُعطي بيانات غير صحيحة، أو يوزع تذاكر غير مختومة، وهي عقوبة يرى مسؤول بالضرائب العقارية، في تصريحه لـ"فكر تاني"، أنها باتت بحاجة إلى تعديل لمواجهة التلاعب، لا سيما مع الارتفاع الكبير في قيمة التذاكر، إذ يقول "تخيل تذكرة واحدة تعادل 200 عقوبة".
طاولات القمار.. زيادة 112% في الحصيلة
وإذا كانت المعركة على حفلات الساحل الشمالي تدور حول نسبة الضريبة وجدواها أمام حجمها الفعلي في الاقتصاد الكلي، فإن معركة أخرى، أقل صخبًا لكن أكبر رقمًا نسبيًا، تدور خلف أبواب فنادق فاخرة، حيث يمارس فريق آخر من رواد الترف نشاطًا مختلفًا فوق طاولات "القمار"، الذي تسعى وزارة المالية إلى رفع حصيلته بشكل لافت هذا العام إلى 327 مليون جنيه، مقابل 173 مليون جنيه في العام المالي الحالي، بزيادة نسبتها 112%، وهو رقم يظل رغم زيادته الكبيرة نسبيًا مجرد جزء يسير من مصروفات الدولة التي تبلغ 5.2 تريليون جنيه.
ويحق لأي فندق من فئة 5 نجوم افتتاح صالة قمار تُمارَس فيها الألعاب التي يتحكم فيها الحظ أكثر من المهارة، وتُفرض الضريبة بعد سداد مكاسب اللاعبين وخصم جميع المصروفات، وفي مقدمتها أجور العمالة، على أن يقتصر لعب القمار على الأجانب فقط، ويُمنع على المصريين مزاولته، إذ يتعّن على الفندق التحقق من جواز سفر اللاعبين أو أي وثائق أخرى تثبت جنسيتهم، على أن يكون الدفع بالعملات الأجنبية حصرًا، فيما تحصل وزارة المالية على 25% من العائد.
ويقول مسؤول الضرائب العقارية إن هذا النشاط غير موجود أصلًا بفنادق الساحل الشمالي، وإنما يتركز في 13 فندقًا بالقاهرة، إلى جانب عدد محدود من الفنادق في شرم الشيخ وخليج نعمة وطابا، وهي فنادق تضم كازينوهات متكاملة لألعاب الروليت (عجلة تحمل أرقامًا يراهن اللاعبون على الرقم الذي ستتوقف عنده) والبوكر وماكينات القمار.
ومن أبرز هذه الوجهات فندق شهير بشرم الشيخ استضاف بطولة البحر الأحمر للبوكر بين عامي 2009 و2011، برسوم دخول تراوحت بين 220 و1100 يورو، وعلى الرغم من توقف تنظيم تلك البطولات، لا يزال كازينو المنتجع يستضيف جلسات نقدية يومية للعبة تكساس هولدم (لعبة قمار تُلعب بالكوتشينة) بلا حدود، وبطولات "Sit&Go" (بطولة بوكر شهيرة)، كما ينظم الفندق في أحيان كثيرة بطولات دولية بمشاركة لاعبين عالميين.
أما أكثر الوجهات شهرة في هذا النشاط بمصر، فهو كازينو فندق شهير بحي الزمالك، يضم ألعاب طاولات وماكينات حظ تعمل على مدار الساعة، وقد بِيع هذا الفندق أخيرًا لمجموعة "مصرية-إماراتية"، وهو، بحسب مسؤول الضرائب العقارية، الأكثر توريدًا لضريبة القمار في مصر بمبالغ ضخمة (لم يحددها).
17% زيادة في ضريبة المراهنات
وضرائب الحظ لا تتوقف عند أبواب الكازينوهات، فوزارة المالية تفرض أيضًا ضريبة دمغة على المراهنات واليانصيب التقليدية، مستهدفة منها حصيلة قدرها 62 مليون جنيه، مقابل 53 مليون جنيه في فترة المقارنة، بزيادة نسبتها 17%.
واليانصيب شكل من أشكال المقامرة أو المسابقات التي يشتري فيها الأشخاص تذاكر مرقمة أو بطاقات تحمل أرقامًا محددة، أملًا في الفوز بجوائز مالية ضخمة تتحدد عبر سحب عام عشوائي، إذ تُجري الجهات المنظمة سحبًا علنيًا لإعلان الأرقام الفائزة بالجوائز الكبرى أو الفرعية، وتُمارَس هذه الأنشطة في بعض الأندية الشهيرة عبر نوافذ تذاكر مخصصة داخل النادي خلال مواسم السباقات في الشتاء والربيع، حيث تجري الرهانات داخل الميادين يدويًا وعلنًا من خلال شراء تذاكر مرقمة بأسماء الخيول والفرسان المشاركين، ثم تُجمع الأموال ويُعاد توزيعها على الفائزين عبر نظام الشباك القانوني.
لكن المراهنات الرياضية، كالمراهنة على مباريات كرة القدم، غير قانونية ومجرمة بالكامل داخل مصر، إذ يحظر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات هذه المواقع والتطبيقات باستمرار، ويُجرِم القانون المصري إدارة أو تسهيل وسائل الدفع لهذه المنصات، فيما تجري حاليًا في مجلس النواب تعديلات قانونية لتشديد العقوبات على ممارستها.
وتُفرض ضريبة المراهنات أيضًا على الأنشطة التي تتضمن قدرًا من الحظ، كمراهنات سباق الخيل وصيد الحمام وسائر أنواع المراهنات وعمليات اليانصيب بجميع أشكالها، بواقع 60% من هذه المبالغ، ويتحمل الرابح هذه الضريبة، كما تشمل الضريبة المبالغ أو الجوائز المعدة للأداء نقدًا أو عينًا للفائزين في المسابقات، بواقع 20% من قيمة المبلغ أو الجائزة، على أن تُخفض الضريبة إلى النصف إذا آل المبلغ أو الجائزة إلى الجهة المنظمة للمسابقة أو المُصدِرة لليانصيب.
فلماذا يستمر هذا الجدل إذن حول مبلغ لا يغيّر كثيرًا في موازنة تُقاس بالتريليونات؟ الإجابة أن المعركة هنا ليست على رقم بعينه، وإنما على من يملك القرار في تسعير الترفيه بمصر، وزارة مالية تتمسك بحقها في الجباية مهما صغر عائدها، وقطاع سياحي يرى في هذا التمسك تهديدًا لجاذبية البلاد.