مولوتوف يهزم إمبراطورية.. الفدائي الذي خطف ابن عمة الملكة

خَيَّمَ الليلُ على مدينة بورسعيد، بينما انتظر رجب نوم جميع أفراد عائلته، وعيناه معلَّقتان بساعة الحائط التي كانت تدق بصوت مزعج في ذلك المساء، ورغم عدم تأكده من الأمر، وجد في سكون البيت فرصةً مناسبةً لمغادرته، وما أن أمسك بمقبض الباب حتى وجد أخاه محمدًا خلفه، يطلب منه الذهاب معه للدفاع عن المدينة التي سقطت في يد ثلاث دول حشدت جيوشها لتحارب شعبًا، لم يمتلك سلاحًا أقوى من حب الوطن.

تردد رجب الذي كان يبلغ من العمر 25 عامًا في اصطحاب أخيه الصغير، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة بعد، وشعر أنه سيلقي به في قاع الجحيم، إذ تحولت شوارع المدينة منذ الخامس من نوفمبر عام 1956 إلى جهنم مصغرة تعج بالدبابات والبنادق في كل زاوية، ومن ينجُ من خطر الرصاص لا ينجُ من نيران المدافع، غير أن رجب لم يستطع مقاومة توسلات محمد، الذي رأى في عينيه إصرارًا كبيرًا على الدفاع عن أرضه.

سبعون عامًا لم أنسَ

على شاطئ القناة وبالتحديد في مدينة بورفؤاد، جلس الحاج محمد المصري، ممسكًا بصنارته وشاردًا فيما مضى، يسترجع ذكرياتٍ مر عليها سبعون عامًا كاملة، ليروي لنا وللبحر قصص بطولات الذين ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير الوطن.

تصوير: أسماء سعد - فكر تاني

يقول الفدائي السابق لـ"فكر تاني"؛ "كنت صغير بس فاكر كلام أهلي عن تمويل السد العالي والمشاكل اللي أمريكا عملتها مع مصر وقالوا مش هيساعدوا عبد الناصر في مشروعه، عشان كدا عبد الناصر قرر يوم 26 يوليو 1956 يأمم قناة السويس، وكنا بنسمع كلنا خطاب التأميم في الراديو، الناس كلها خرجت تهيص في الشوارع برجوع القناة اللي حفرها أجدادنا لينا بعد 87 سنة الخواجات متحكمين فيها، لكن وسط الفرحة كانوا عارفين إنه اللي حصل مش هيعدي على خير أبدًا".

في عام 1952 قدم مهندس مصري يوناني يدعى أدريان دانينوس فكرة مشروع بناء سد ضخم في أسوان، لحجز مياه النيل وحماية الشعب من خطر الفيضان وجمع المياه لتوليد الكهرباء، وهي فكرة لقت قبولًا من الرئيس جمال عبد الناصر الذي قرر تنفيذها، غير أن التكلفة كانت عالية جدًا، مما دفع مصر لطلب تمويل المشروع من البنك الدولي بمساعدة أمريكا وبريطانيا، وفي حين وافقت الدولتان على التمويل بشكل مبدئي، فإنهما فرضتا على مصر لاحقًا شروطًا تعجيزية، منها التحكم في الناتج القومي المصري والتدخل في القرارات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي اعتبره ناصر ضغوطًا استعمارية مرفوضة، ليقرر على إثرها تأميم القناة للاستفادة من دخولها بالنقد الأجنبي، وتحويل مسألة التمويل إلى الاتحاد السوفيتي الذي وافق على الفور، ومنح مصر قرضًا قيمته أربعمائة مليون روبل (مائة مليون دولار آنذاك)، على أن تكمل مصر باقي التكلفة من ناتجها القومي.

هكذا بدأ العدوان

قطع شرود محمد المصري اهتزاز خيط صنارته معلنًا عن التقاطها سمكة، فسحب الخيط ووضعها في وعاء بجواره، ثم عاد ليروي لنا ما حدث منذ سبعين عامًا، قائلًا "عدّى 3 شهور واحنا مستنيين رد العدو على الضربة القوية اللي وجهها لهم جمال عبد الناصر، كل يوم نسمع كلام جديد مرة فرنسا هتحاربنا، ومرة إنجلترا، الراديو كان بيذيع أخبار مش واضحة لكن كانوا بيحاولوا يطمنونا وكل ما نسمع أغاني وطنية نقول بس خلاص الليلة دي الحرب هتقوم، لحد ما عرفنا يوم 5 نوفمبر سنة 56، إن قوات ثلاث دول قررت تواجهنا، ونزلوا بمظلاتهم على قاعدة الجميل (مطار بورسعيد الدولي حاليًا) وبعدها مراكبهم انتشرت على شط القناة".

وحشدت أمريكا وإسرائيل وفرنسا قوات قُدرت بما يقارب 80 ألف جندي، بالإضافة إلى خمسمائة طائرة مقاتلة ومائة وثلاثين سفينة حربية، حسب ما نشرته موسوعة بريتانيكا العامة حول أحداث العدوان الثلاثي، الذي حملت كل دولة من دوله المعتدية أسبابًا مختلفة في خوض تلك الحرب مع مصر، فأمريكا تضررت كثيرًا من صداقة عبد الناصر لأعدائها السوفييت واعتبرتها تهديدًا كبيرًا لمصالحها في الشرق، بينما وجدت فرنسا أن مساندة عبد الناصر لأبناء الشعب الجزائري لمقاومة الاحتلال الفرنسي تحدٍ واضح لها، أما إسرائيل وهي العدو الأكبر والتاريخي لمصر، فوجدت أن مصر تشكل دائمًا خطرًا كبيرًا عليها، بالإضافة إلى مطامعهم في الحصول على سيناء.

فوق صفحة المياه

يلقي محمد المصري صنارته إلى البحر، لكن النظرة العميقة التي يرسلها إلى المياه تتجاوز صبر الصياد على طريدته إلى التقاط ما هو أكبر من السمك، كأنما صفحة الماء ذاكرته، يستعيد منها، قائلًا "بدأت الغارات تنزل على الإسماعيلية والسويس، وعندنا هنا في بورسعيد، شوفت الناس في الشوارع إزاي واقفين جنب بعض ومتماسكين، فاكر كويس وقتها شوفت الجيران بيدهنوا الشبابيك بالأزرق عشان وقت الغارة الطيارات متشوفش البيوت وتقصفها، كنت صغير بس ما خفتش، بالعكس كنت متطمن لأن الناس كلها قررت تقاوم لآخر نفس، ومن هنا بدأت حركات المقاومة تتشكل، وكل اللي يعرف حد يضمه للمقاومة لحد ما كترنا، ولما أخويا رجب انضم، أنا قررت أبقى معاه، وبدأنا نشتغل عليهم كل يوم نروح معسكر من معسكراتهم، نزرع ديناميت، أو نخفي معداتهم، أو نخطف حد منهم، المهم نحسسهم إنهم مش هيرتاحوا هنا".

وجد أهالي بورسعيد أنفسهم في مواجهة اعتداء غاشم وأمامهم عدة خيارات إما المقاومة أو الهروب والتهجير وترك المدينة لهم وتسليم القناة للطامعين فيها، غير أنهم قرروا أن يسلكوا الطريق الأنبل والأصعب وهو المقاومة بكل ما لديهم من حب لوطنهم.

وفي يوم السادس من نوفمبر عام 1956 بدأ الشعب يقاوم، وبعدها بدأ الفدائيون في تنظيم صفوفهم وتشكيل حركات للمقاومة، حيث قدر بعض المؤرخين والكتاب ومنهم محمد حسنين هيكل، في كتابه ملفات السويس، عدد أفراد حركات المقاومة بقرابة 5 آلاف فدائي، من كل أطياف الشعب، قسموا أنفسهم إلى مجموعات لكل منها دورها الخاص، وتجمعوا تحت مسمى جبهة المقاومة الشعبية، وكانت أبرز تلك المجموعات مجموعة الحرس الوطني، التي تمثل دورها في حماية الأحياء من الهجمات البرية لقوات العدوان وتنظيم استخدام السلاح، بينما لجان المقاومة الشعبية كان دورها يتمثل في إخفاء الفدائيين وحمايتهم من خطر الاعتقال وإمدادهم بالطعام والذخيرة.

أما عن كتائب الفدائيين التي تكونت من الصيادين والعمال والطلبة فكان دورهم تمرير الرسائل بين المقاومين والتمويه لتسهيل قيام الفدائيين بعملهم، كما أن الإذاعات المصرية كان لها دور لا يمكن التغافل عنه في تحميس الشعب بالأغاني الوطنية والأخبار والخطابات الحماسية.

خطف ابن عمة الملكة

برزت على رأس أفراد المقاومة عدة أسماء هامة منها محمد مهران الذي اعتقلته القوات البريطانية وتعرض للتعذيب على يد قوات العدوان، حتى أنهم فقئوا عينيه وعاش طوال عمره كفيفًا حتى توفي في مايو عام 2021، وعبد العال جمال الذي نظم حرب الشوارع باستخدام المولوتوف ضد كمائن الاحتلال، يضاف إلى هؤلاء الأبطال جلال هريدي، وهو ضابط مصري شارك في تدريب المدنيين على حمل السلاح، وأسس سلاح الصاعقة لخدمة العمليات النوعية للمقاومة، الذي كان في البداية سلاحًا سريًا إلى أن أصبح سلاحًا رسميًا في الجيش المصري، فضلًا عن أحمد هلال الذي خطف مورهاوس، ابن عمة ملكة بريطانيا بمساعدة عدد من رفاقه.

وعن أبرز الأحداث التي شهدها محمد المصري، يقول "أكتر حدث بفتكره لما اتخطف ابن عمة الملكة وكان اسمه أنطوني مورهاوس، اللي حصل وقتها إنه بعد قرار وقف إطلاق النار كان لسه في قوات بريطانية في المدينة وكان أسلوبهم صعب في التعامل مع الشعب وكل يوم ينفذوا عملية اعتقال للمقاومين وهنا قررنا نتحرك، وفي يوم علي زنجير وأحمد هلال وعدد كبير من رفاقنا وقتها وقفوا عربية مورهاوس وفي ثواني نزعوا السلاح من عساكره، وخطفوه في عربية تانية وحبسوه في بيت هنا في بورسعيد، ولما بدأ عساكره يدوروا عليه بشكل مكثف نقلوه في صندوق وخبوه وبعد كام يوم مات من الخنقة والجوع، بس مكنش الهدف وقتها قتله، كان الهدف إننا نبادله بزمايلنا اللي اعتقلوهم وحبسوهم".

لم تمر عملية الخطف تلك مرور الكرام حيث كانت حديث الساعة في الجرائد الإنجليزية، ونتج عنها أزمة دولية بين مصر وبريطانيا تدخلت فيها منظمة الأمم المتحدة، وبعد التحقيق في الحادث قرروا استخراج جثمان مورهاوس من مكان دفنه في بورسعيد ونقله إلى مسقط رأسه ببريطانيا لدفنه، وأغلق التحقيق بعد فترة شهدت توترًا سياسيًا بين البلدين.

مقاومة من نار

استمرت وتيرة المقاومة في التصاعد وهو ما يصفه المصري، قائلًا "وفي شهر ديسمبر، بدأت العمليات تولع أكتر وتزيد لأنهم بدأوا ينفذوا عمليات اعتقال مكثفة وكل يوم كان بيقع مننا شهداء وصل عددهم لأكتر من 700 شهيد، ودا خلانا نزيد قوة مش نضعف، هاجمنا آليات العدو ودمرنا 10 آليات، وبعدها هاجمنا دوريات وقضينا على عدد كبير منهم، وشاركت أخويا رجب في عمليات حرب الشوارع والغريب إن الكل وقتها مكنش خايف من دباباتهم ولا قوتهم، كان معانا أسلحة بدائية بس معرفش ليه كانوا خايفين مننا، وكل أسلحتهم مقدرتش تحميهم من الخوف، كنا بنولع في الدبابات بالمولوتوف والقنابل اليدوية، وحاصرنا قوة كبيرة منهم في مدرسة اسمها الواصفية كانت في بورفؤاد، بعدها بدأوا في الانسحاب التدريجي ومتحملوش معانا كتير، والحمد لله انتصرنا، ويوم 23 ديسمبر 1956 خرجوا كلهم بلا رجعة وارتفع علمنا تاني على شط القنال".

تصوير: أسماء سعد - فكر تاني

ثم يختتم محمد المصري حديث الذكريات، قائلًا "بعد ما خرجوا من أراضينا كانت المدينة اللي احنا شايفينها دلوقتي جميلة دي، كلها متدمرة ولسه في مباني لحد دلوقتي معلم فيها الرصاص اللي كان شاهد على كل نقطة دم اتدفعت عشان الأرض والقناة، عدت الأيام واشتغلت في مصنع لتصنيع حبال المراكب، واتجوزت سنة 1969 وعشت أنا وزوجتي في سلام على أرضنا اللي مهما حصل كان مستحيل نسيبها وخلفت سامح وسماح، وبقا عندي أحفاد يعرفوا حكايتي أنا وأخويا رجب، اللي كانت ضمن آلاف الحكايات للمقاومين، عمري دلوقتي 86 سنة قضيتهم في خدمة مصر وبقبض معاش 3000 جنيه عايش بالعافية لكن راضي".

كان من الممكن أن نلتقي محمد المصري في بيته، ربما ليطلعنا على ألبوم صور يحمل شيئًا من أيام المقاومة، أو قصاصات صفراء لصحف تسجل بطولاته وزملائه من الفدائيين، لكنه أصر أن نلتقي على الشاطئ المحرر، ربما لأن البيت، أي بيت يوصد من الخارج، ليس دليلًا على أمان حقيقي، وإنما السلامة في أمان الأرض الواسعة، في حرية تغمر ضفة البحر، أو هكذا استضافنا على شاطئ بورفؤاد، ليتأكد أن ما فعله وأقرانه ما يزال حقيقةً صامدةً أمام الزمن، وحلمًا قائمًا ومستمرًا "إني كل أجي أصطاد أشوف علم بلدي بيرفرف على شط القناة وعالي وحر".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة