عمار علي حسن: المصريون ضحايا تاريخيون للاستبداد المستمر.. وتعديل الدستور مجددًا أمر خطير (حوار)

-أي تعديل جديد في مدد الرئاسة في الدستور هو أمر خطير على مصر

– بيان 3 يوليو استهدف كل الدساتير المصرية وليس دستور 2012 فقط

– مستقبل الحوار الوطني سيصبح ذكرى للمشاركين فيه كجزء من مواد التسلية للأطفال

-متفائل بطبعي.. وأنظر إلى الإنجازات وأمدحها إن وجدتها

– الشعب لا يرى مبررًا لأزمتنا.. والسلطة تتجاهل ترمومتر غضب الناس

– الحركة المدنية وأحزابها منفصلة عن الشارع

– التيار المدني يقف معلقًا في الفراغ بتهميشه ومطاردته من السلطة

– “الثعالب” اختطفوا 30 يونيو.. وأرفض منح السلطة صكًا على بياض

– الطنطاوي كان بحاجة إلى حامل سياسي أقوى لتجنب الوقوع في الفخ الذي نصب له

تصوير – محمد الراعي 

في حلقة جديدة من سلسلة حوارات منصة “فكر تانى” حول مستقبل مصر في الفترة الرئاسية الأخيرة، التقت “فكر تاني”، الأديب، والأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع السياسى، الدكتور عمار على حسن. حيث قدم تشريحًا للمجتمع المصري في العقد الأخير، والواقع السياسي الذي تعيشه مصر الآن، متطرقًا إلى ملفات الحوار الوطني والدستور وثورة 30 يونيو 2013.

إلى نص الحوار:

الغضب المجتمعي مشتت لكنه يتصاعد

كيف ترى المجتمع المصري في العقد الأخير؟

يعيش المجتمع المصري سمات مجتمعات الندرة؛ حيث تشتد الأزمة الاقتصادية، ومعها يزداد العنف والجريمة والضغوط النفسية على الناس.

الخطر الآن يكمن في التناحر الداخلي، فالمجتمع غير قادر على التغيير الطوعي والسلمي، ولهذا، يتآكل داخليًا وطاقة الغضب توجه إلى أفراده، ومن ثم تنتج أنماط جديدة من القيم مدمرة للمجتمع، فتسود فكرة الخلاص الفردي والأنانية، وما يتبعهما من استحلال لما لدى الغير، مع انتشار أفكار التباعد وانقطاع صلة الرحم، التي قسمت المجتمع الكبير إلى أفراد متناثري القيم والأفكار.
اقرأ أيضا : كيف يرى “سلماوي” دستورًا شارك في صياغته وبرلمانًا أضاع مواده؟ (حوار)

ما الذي أوصل المجتمع المصري لهذا التناحر الداخلي؟

ما شهده مجتمعنا يتشابه مع ما حدث لمجتمعات أخرى عايشت ثورات مُجهضَة مثلنا.

الناس قبل الثورة دائمًا ما يكونون في حالة احتشاد وإقدام، ثم يثورون ويطرحون مطالبهم، فإن بدأت قوى الثورة تتداعى في وقت ما، تتقدم الثورة المضادة وتلتقط أنفاسها وتأخذ زمام المبادرة، فتبدأ مرحلة الحساب. حينها، تصبح القوى الثورية مشتتة، وتعمل في الحذر والخفاء، ومن ثم، تنسحب القاعدة الشعبية المؤازرة للثورة، وتبدأ ثقافة الخوف، فيحدث هذا التراجع الذي نراه الآن، ثم يصل المجتمع إلى مرحلة تناحر أفراده مع غياب الديمقراطية.

أعتقد أن الجيل الذي شهد ثورة يناير رأى تجربة مختلفة علمته الكثير، مثل أن الغضب غير المنظم ليس عملًا طيبًا وجيدًا في كل الأحوال، وأن العمل الثوري يحتاج إلى قيادة مؤمنة به، وذات مبادرة وجلد وشجاعة في التعبير عنه، ويحتاج أيضًا إلى استراتيجية وخطة.

والأسرة المصرية والأفراد الذين عاشوا الثورة، إن لم يجدوا تلك العوامل والخطة البديلة التي يطمئنون إليها، فإنهم سيصبحون دائمًا في تردد من أي إقدام على عمل جماهيري خوفًا من إخفاق جديد، أو الهبوط والانحدار إلى مرحلة أكثر قسوة من تلك التي يعيشونها الآن.

هذه قواعد يُمكن إسقاطها بسهولة على جيل يناير ومن عايشوا تلك الفترة وأدركوا المشاركة بها، لكنه بلا أدنى شك لا يُمكن قياسه على الجيل الذي لم يدرك الثورة. هذا الجيل لن يلتزم بهكذا قواعد، لأنه لم يختبرها، وسيكرر ما أقدم عليه جيل ثورة يناير، ولن ينصت إلى أي نصائح من الجيل السابق الذي اختبر التجربة الأليمة في 2011 وما تلاها.

مواطنون أمام مخبز للخبز المدعم
مواطنون أمام مخبز للخبز المدعم

كيف ترى الغضب الشعبي المتصاعد مع أزمة الكهرباء؟

شديد لكنه مشتت وغير منظم، نخشى أن يصل إلى مرحلة التكثيف في اتجاه محدد مع تزايد الضغوط الاقتصادية.

هل لا تزال ثقافة الخوف تؤثر على قرارات المجتمع؟

هناك أشكال مختلفة يعبر بها المصريون عن غضبهم الآن، لا يعرقلها الخوف، ومنها المنشورات الصريحة والرسوم والصور والإشارات الساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كذلك تعبر عن الغضب المصري الآن، أحاديث الناس في وسائل المواصلات وفي الشوارع والمقاهي والأسواق وفي مكاتب العمل.

اقرأ أيضاً : هشام جعفر في حوار خاص: مصر باتت “رجل المنطقة المريض”.. و”ربيع القاهرة” معطل بـ”مظهرية” الحوار الوطني.. “الإسلام السياسي” انتهى والمعارضة بلا رؤية

السلطة.. وترمومتر غضب الناس

لطالما عانت مصر أزمات اقتصادية عنيفة، لماذا تحذرون كمراقبون من الأزمة الراهنة؟

الوضع الاقتصادي الحالي ليس له مثيل. تلك الأزمة بالمعطيات والسياقات المعاصرة هي أسوأ أزمة في تاريخ مصر.

أتذكر أيام الخديوي إسماعيل وطريقته التي أحدثت أزمة اقتصادية كبرى هيأت مصر للاحتلال الأجنبي وفرض الوصاية على اقتصادها، وكان حينها أمرًا جديدًا على المجتمع المصري. واليوم، بمقارنة الأزمة، نحن أمام وضع أصعب رغم اختلاف الظروف المصرية والعالمية.

عانينا أزمات اقتصادية كثيرة سابقًا، لكن لم يكن لدينا مثل هذا الكم الهائل من الديون التي وصلت أقساط فوائدها فقط إلى نحو 60% من موازنة الدولة.

في قوت سابق، بعض الناس كانت تتفهم الأزمات الاقتصادية الناجمة عن تحديات خارجية، ومنها الحروب التي خاضتها البلاد منذ عام 1956 وحتى 1973، ومن ثم كانت تعذر السلطة، الوضع الآن مختلف.

السلطات السابقة كان لديها ترمومتر ذكي لقياس نبض الجماهير، تُدرك به إلى أي حد يمكن للناس القبول بالضغوط، أما الآن، فنحن أمام قرارات تتخذ بغض النظر عن آثارها وكأن السلطة ألقت هذا الترمومتر ولم تعهد تهتم به.

الجميع يلمس الرغبة الرسمية في الاستمرار على سياسات الاستدانة رغم أعبائها الشديدة على الاقتصاد الوطني، والمضي قدمًا حتى ولو أن ذلك معناه مزيدًا من الضغط على الشعب الذي يعاني.

هل يمكننا القول إن صوت الشعب لا يصل إلى القيادة السياسية؟

أعتقد أنه يصل، وباعتبار أن جزءً من تخصصي تحليل الخطاب، أستطيع أن أقول إن الرئيس يتابع مواقع التواصل الاجتماعي. البعض يقول إنه يتابع منصات التواصل الاجتماعي بعض الوقت كل يوم، وأنه يتابع أشخاص بعينها. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا، لكن بالتأكيد يصله صوت الناس.

اقرأ أيضا : حسام مؤنس في حوار خاص: مشكلة مصر انحياز السلطة للأكثر ولاءً.. والأخطر هو تغييب الشارع السياسي

كيف ترى ثورة 30 يونيو بعد 11 عامًا من قيامها؟

30 يونيو طُرحت في البداية على أنها تصحيح لثورة يناير، التي اختطفها الإخوان، ولكن الذي جرى فيما بعد مختلف تمامًا، فتحولت 30 يونيو لثورة مضادة ليناير.

الذين شاركوا فى 30 يونيو ليسوا فئة واحدة، فهناك من شعروا بخطر حقيقي على الدولة المصرية من الإخوان، وهناك رفاق الإخوان في ثورة يناير الذين أغضبهم انفراد الجماعة بالسلطة والقرار، وتحويلها من ثورة مدنية إلى مشروع لتمكين الإسلاميين من السلطة، وهناك الذين نزلوا رغبة في إعادة وضع سابق ليناير 2011.

ولا نغفل أن هناك مجموعات شاركت لأنها ضد الإسلام السياسى منذ زمن، وتتبنى أفكارًا أخرى، وتخشى من انتشاره، فضلًا عن تخوف الأقباط من الإخوان، خصوصًا عندما تحالفوا مع السلفية الجهادية، وكل هذه عناصر كانت حاضرة في المشهد.

70% من الشعب المصري انتفضوا لتلك الأسباب، كموجة ثورية أخرى لثورة 25 يناير، ولكن مع 3 يوليو ظهرت التباينات في وجهات النظر، ثم جاء تعديل الدستور، وحدثت الفجوة بين فئات الشعب، وبعد الانتخابات الرئاسية الأولى حدثت تباينات أخرى، ثم جاء ما تلا ذلك من مواقف زادت من مساحة هذه التباينات.

ومع عودة الانتخابات البرلمانية، والتي يراها الكثيرون أنها أعادت المشهد إلى ما كانت عليه قبل ثورة يناير، ازدادت الهوة، وانتهينا بعد عقد من 30 يونيو إلى أن 30 يونيو هي ثورة مضادة بامتياز.

لماذا حدث ذلك؟

هناك ثعالب خطفوا 30 يونيو، واستغلوا إرادة الشعب في اقتناص مكاسب شخصية. هؤلاء بينهم أفراد وجهات وأيديولوجيات ومؤسسات ومجموعات منتفعة نراها رأي العين فى الحياة السياسية المصرية.

أعني بهذا المصطلح الذين أصبحوا أغنياء بلا حساب بعد العقد الأخير، والذين اختطفوا السلطة السياسية وصادروا على حق الشعب فى التغيير السلمي الطوعي من خلال صندوق انتخابات حر نزيه، والذين تعقبوا ثورة يناير بأفكارها وشخوصها، سواء بالاستمالة والإغراء والاحتواء، أو بالعقاب الشديد في السجن، والذين شاركوا فى 30 يونيو باعتبارها تصحيح ليناير فلما رأوا أن ذلك لم يتحقق جبنوا أو صمتوا أو تخاذلوا أو تواطئوا أو بحثوا عن منفعة شخصية.

متى تيقنت أن الثورة لم تحقق أهدافها؟

تملكني هذا الإحساس مبكرًا، وعبّرت عنه كتابة في أبريل 2011، في مقال بعنوان “الإخوان وغزوة أحد”، وتوقعته في تأملات ومقولات أفصحت عنها في مايو من العام نفسه، بأن الصراع سينحصر بين الإخوان والسلطة الحالية، وأيهما سيقتنص الكرسي وينقض على يناير.

كذلك لمست هذا التراجع عن أهداف الثورة حينما وجدت من ثوار يناير من اختلفوا وتنازعوا فيما بينهم، فلم يُقنعوا الشعب بأنهم ثوار حقيقيون، هذا فضلًا عمن تخلى منهم عن مصلحة الشعب بحثًا عن مصالح شخصية دنيوية سريعة زائلة على حساب الشعب، بالإضافة إلى من لم يمتلكوا الخبرة الكافية، وصولًا إلى محمد البرادعي – نائب الرئيس السابق- الذي اعتبره قائدًا للثورة، ولم يكن -رغم فطنته ونزوعه الأخلاقي الواضح ووطنيته- سياسيًا بارعًا ولا قائدًا ميدانيًا مقتدرًا.

وبما أنني كنت حينها في الميدان تحدثت مع أطراف عديدة عن تكوين حكومة من الميدان تُنصب لها خيمة داخله، وتضم أصحاب الكفاءات من كل التيارات السياسية، ومن ثم يطالب الناس بتسليم الحكم لتلك الحكومة. هكذا كنت أرى الضرورة الثورية وقتها لكي يملأ الفراغ السياسي، لكن لم يحدث أن اتفقت هذه الأطراف، رغم أن الحكومة التي طرحتها لم تكن مستبعدة من المؤسسة العسكرية، والتي كانت جزءًا من هذا التصور، وجزءًا فقط.

ماذا تبقى في مخليتك من ذكرى ثورة 25 يناير؟

صور الدفعة الأولى من شهداء ثورة 25 يناير، كلما أراها أبكي.. أعلق صورتهم في منزلي وأنظر إليها في الذهاب والإياب ولا تفارق عيني. هذه المجموعة التي استشهدت وتم نشر صورهم تحت عنوان “الورد اللي فتح في جناين مصر”، هم الباقون وهم من أبكوني لأنهم ماتوا من أجل أن يروا “بلد غير البلد” وأن تتغير حياة المصريين إلى الأفضل، وأن تُبنى دولة تحترم إنسانية المواطن وكرامته، دولة ذات هيبة ومكانة إقليمية وعالمية، لها رسالة كما كان قديمًا، ولكن كل ذلك ذهب سدى.

اقرأ أيضاً: حسام بدراوي في حوار خاص: هل تريدون دولة ديمقراطية.. إذن أين البرلمان والصحافة؟.. وأحذر من تعديل الدستور مجددًا

السلطة الحالية تعطل الدستور وتخالفه

كيف تُقيّم الدستور الذي أنتجته ثورة 30 يونيو؟

أرى أن بيان الثالث من يوليو الذي أسقط حكم الإخوان، لم يكن يسعى فقط لتعطيل دستور 2012، بل تعطيله وأي دستور آخر قادم. هذا هو الواقع الذى نعيشه الآن.

للأسف هناك رغبة سلطوية مستمرة في انتهاك الدستور والتصرف بأنه غير موجود أو عبر إصدار قوانين تفرغه من مضمونه، أو وجود تدابير وتصرفات على الأرض وداخل المؤسسات لا تعتد بهذا الدستور.

ماذا يفعل القاضي عندما يرجع إلى تشريعات وقوانين غير موائمة للدستور؟ وماذا إذا صدر حكمًا متوافقًا مع الدستور، هل سيجد هذا الحكم طريقه للتنفيذ. كل هذه المسائل تتعلق باحترام الدستور من عدمه.

الأمر ليس مجرد خطابات وإنما التصرفات وطريقة إدارة المؤسسات وإدراك السلطة التنفيذية لأهمية الدستور في ترتيب أحوال الناس.

المصريون ضحايا تاريخيون للاستبداد المستمر

ما رأيك فيما يثار من بعض نخب الموالاة حول تعديل مدد الرئاسة مرة أخرى؟

هذا الكلام مبكر جدًا، وقد صوتت بـ”لا ” قبل ذلك في تعديلات الدستور في 2019. وفي أكثر من مرة طالبت وزير الدفاع -وقتها- عبد الفتاح السيسي، بعدم الترشح لمنصب الرئاسة، وحينما انطلقت الانتخابات صوتت لصالح حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق.

لم أشارك في الانتخابات الرئاسية 2018، وحينما تم طرح تعديل الدستور صوتت ضده بـ”لا”، وكنت ضد هذا المسار.

أي تعديل جديد في مدد الرئاسة في الدستور هو أمر خطير على مصر، لأنه تفكير يُكرس لمبدأ التأبيد في الحكم، ويؤثر على كيان الدولة والمجتمع.

المصريون ضحايا تاريخيون للاستبداد المستمر، ولا نريد لذلك أن يستمر.

اقرأ أيضا : رائد سلامة في حوار خاص: مصر بحاجة للتخلص من السلفية الاقتصادية والسوق السياسي في حاجة إلى تأسيس جديد

مئات التشريعات صدرت منذ نفاذ الدستور.. كيف ترى الجانب التشريعي؟

هناك مئات التشريعات والقوانين صدرت قبل انعقاد برلمان 2015، وبدأ تنفيذها قبل الانتخابات البرلمانية، وبعدها مررها البرلمان في سرعة قياسية. وظن جزء كبير جدًا من المواطنين وقتها أن هذه القوانين جزء من الشرعية الثورية ضد جماعة الإخوان وارتضيتها معهم، لكنني رفضت التمرير الميكانيكي وعدم اطلاع المواطنين على مثل هذه التشريعات، لأن القاعدة القانونية تتسم بالعمومية، وستطبق على الجميع، وإن كانت في شكلها معنية بالإخوان فقط.

وها نحن أمام هذه التشريعات التي أصبحت تطبق على الكل، مع متظاهرين من التيارات السياسية غير الإخوانية، والذين أُلقي القبض عليهم بتهم انتماء للإخوان، رغم معارضتهم ووقوفهم على جانب مقابل تمامًا لهم. وهكذا طُبقت أيضًا مثل هذه التشريعات على آخرين في قضايا مخالفات البناء، وبدأ المجتمع يدرك أن هذه القوانين مررت في حزمة واحدة وصُنعت في غرف معتمة لا تشكل رافعة للثورة.

إذا صدر قانون وثبت أنه يشد عربة المجتمع إلى الوراء فهو قانون فاشل، وكثير من القوانين تغير مجتمعات، بينما القوانين الحالية في مصر أحدثت العكس.

مادة تسلية للأطفال

ما تقييمك للحوار الوطني؟

أؤمن جدًا بالحوار، ولكن لابد أن يكون الحوار محدد الأهداف، وأن يتم بين أطراف متساوية، وله أجندة وخطة عمل ومدة محددة، مع ضرورة أن تجد مخرجاته جهة للتنفيذ، وإلا سيكون مجرد دعاية وجلسات ثرثرة.

أنا مع الحوار الذي يتم اللجوء إليه باعتباره الوسيلة الأكثر رسوخًا لتغيير أفكار ومفاهيم المختلفين، أو تفهمهم واستيعابهم لبعضهم البعض، أو دفع الجميع نحو الطريق الأمثل والآمن والسلمي للإدارة، وبناء شبكة علاقات اجتماعية داخل المجتمع.

الحوار الحقيقي لا يتم فيه استدعاء أطراف بنظام (مع من أتحاور) أو بالطريقة التي تمت لإدارته.

عليك أن تسأل الذين انخرطوا في هذا الحوار إذا كان لديهم شعور بجدواه أم لا، وأعتقد أن الذين دخلوا إلى الحوار صادقين ومخلصين لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في وضعه الراهن، كلهم يأسوا الآن من إمكانية أن ينتهي هذا الحوار إلى شيء.

أما الذين سارعوا إليه والتحقوا به بحثًا عن مكسب، فهؤلاء سيبقون يمدحون فيه إلى أبد الأبدين، هم ومثلهم الباحثون عن وساطة للاقتراب زلفى من السلطة.

اقرأ أيضاً: وصايا محمد سلماوي.. الحاكم والمحكوم في خيال المبدع (حوار)

ألم يتحقق أي شيء من أهداف الحوار؟

تكليف الدكتور مصطفى مدبولى برئاسة الوزراء مرة أخرى في حد ذاته أمر يعني أن الحوار الوطني في واد والتنفيذ في واد آخر.

وفي رأيي، هذا الحوار الوطني سيصبح ذكرى للمشاركين فيه ومادة تسلية الأطفال.

 إعطاء السلطة صك على بياض

البعض يفسر حديثك بأنه إصرار على الصدام بعيدًا عن فن الممكن والعمل في الحيز المتاح.. كيف تُعلق؟

أرفض الرقص على الحبال، أو إعطاء السلطة صكًا على بياض، أو لعب دور الزينة والديكور. التحدي ليس صدامًا، بل هو إصرار على موقف وعدم التنازل عنه والبحث عن أنصار له. وفي كل الأحوال، أفضل الحديث والعمل تحت مظلة سلمية.

البعض يرى أنك من أصحاب النظرة السوداوية لحال مصر. ألا ترى أي إيجابيات خلال السنوات العشر الماضية؟

لو كنت سوداويًا لما أنتجت هذا الكم من الإنتاج الفكري والأدبي الذي وفقت لإعداده. أنا متفائل بطبعي، ولكن أتفائل بالناس، وأنظر إلى الإنجازات وأمدحها إن وجدتها.

إذا قدمت السلطة السياسية أمرًا إيجابيًا، لا يضيرني ذكره في شيء.

السلطة تُروج لتشييد بنية أساسية كبرى باعتبارها أكبر إنجازاتها خلال السنوات الأخيرة، بينما تتغافل عما أنفقته في هذه المشروعات. في وجهة نظري هذا ليس إنجازا، وقد تم تغيبب المعلومات الحقيقية عنا. وكذلك، فعلت السلطة في الاقتصاد بالحديث الدائم عن تكلفة الفرصة البديلة، وربما إذا سرنا في طريق آخر لكان أفضل.

والسؤال: هل البنية التحتية لها أولوية مقدمة على حل الأزمة الاقتصادية الآن؟ وهل ما أنفق فيها كان متجهًا بالكلية إلى ما نراه أم أن هناك فساد وقع؟ وهل المباني التي نراها والطرق التي شُيدت تمت وفق مقاييس علمية أم سنجدها بعد سنوات وقد انهارت؟

على مستوى المشروعات الإنتاجية، دعني أذكر أننا خسرنا مئات المليارات من الجنيهات لأن السلطة أسندت مثل هذه المشروعات إلى غير أهلها. لقد كان أهل الاختصاص والكفاءة هم الأولى بإدارة مثل هذه المشروعات.

قلت سابقًا إن صندوق النقد كان سببًا في خراب الدول.. أي دولة نحن على مسارها؟

مصر على مسار الأرجنتين، وهي شبيهة بنا، إذ يحكمها نظام مشابه برعاية دولية من الولايات المتحدة الأميركية، كذلك بآليات متشابهة. نحن في مرحلة ما بعد الحصول على كأس العالم في 1978، ولكن سياسيًا.

اقرأ أيضاً : عبد الله السناوي في حوار خاص: هناك نزيف شرعية واضح في الشارع.. انتفاضة الخبز أمر محتمل.. ولا نعرف المستقبل بعد ٢٠٣٠

التيار المدني يقف معلقًا في الفراغ بفعل السلطة

أين يقف التيار المدني الآن في خضم المشهد المعقد الراهن؟

التيار المدني معلق في الفراغ، لأن المجتمع المدني اُستهدف بعد 3 يوليو، إذ تعتقد السلطة أن المجتمع المدني بمؤسساته الحقوقية والفكرية والخيرية كانت من أسباب ودوافع اندلاع ثورة يناير. ولأن هذه السلطة أرادت لتلك الثورة ألا تتكرر، كان من الطبيعي أن تستهدف المجتمع المدني، بتهميشه ومطاردته، وقد عُلق في الفراغ لغياب الحوامل السياسية المدنية التي كان يستند عليها.

قبل ثورة يناير كان ينظر إلى الجامعات إلى أنها واحدة من روافع العمل المدني في مصر، فنزعت السلطة السياسة من الجامعة ومُنع التواصل بينها وبين الأحزاب حتى ماتت الحركة الطلابية، وضربت مؤسسات المجتمع المدني كلها وحوصرت بمنع التمويل عنها وبغلق بعضها وتجميد أموال رموزها والزج ببعض نشطائها في السجون، فضلًا عن تشويه آخرين، واتهام آخرين بالتمويل الأجنبي لأغراض غير وطنية، وتعمد إبقاء الأحزاب كديكور بضرب أركانها.

الحركة المدنية وأحزابها منفصلة عن الشارع

أليست الأحزاب تتحمل جزءًا من هذا؟

ليس كل الأحزاب السياسية سواء. وفتراتها أيضًا ليست واحدة، وإن كانت أمراضها منذ زمن طويل.

حينما سُمح بالتعددية المقيدة في السبعينيات، كان هناك رعيل متمكن في الحياة السياسية المصرية، ومنهم إبراهيم شكري على رأس حزب العمل، وفؤاد سراج الدين على رأس حزب الوفد، وخالد محي الدين على رأس حزب التجمع، ومصطفى كامل مراد على رأس حزب الأحرار. حينها، كانت هناك حالة من ملء الفراغ والقدرة على المنازعة وكانت هناك حركة سياسة، ثم ضعفت هذه الأحزاب مجددًا بعد رحيل هذه الأسماء.

وحين قامت ثورة يناير استمر بعض من هذه الأحزاب، ودخلت أحزاب أخرى بعضها صُنع على عين ورغبة السلطة وبعضها أخذ مساحات على أيام فتح تسجيل الأحزاب عقب ثورة يناير، وظل كامنًا أو نشطًا دون أن يرفع صوته في وجه السلطة.

وقد انضمت بعض الأحزاب إلى الحركة المدنية، ثم شيئًا فشيئًا انفصلت الحركة وأحزابها عن الشارع وباتت تعمل تحت أسقف منخفضة. ولا تزال الأمراض التاريخية تصيب كل هذه الأحزاب والحركات في ظل غياب العمل السياسي وفق تفكير علمي، وغياب الالتحام القوي بالجماهير ومقاومة كل ما يحول دون ذلك، فضلًا عن الخوف من التشويه أو العقاب بالسجن أو تضييق الرزق أو تجنيدها، وهو ما أضعف الأحزاب وضيّع نصيبها من التأثير.

اقرأ أيضاً: السادات في حوار خاص: مصر كلها “خسرانة” من استمرار الأوضاع الحالية.. و حمائم النظام الأقرب للرئيس

كيف تقيم تجربة رئيس الحزب المصري الديمقراطي فريد زهران كمرشح رئاسي؟

السكوت أفضل من إجابة هذا السؤال.

الأحزاب غير مُمكَنة من التواصل مع الجمهور

هل ترى الانتخابات البرلمانية القادمة فرصة للأحزاب؟

الأحزاب غير مُمكَنة من التواصل مع الجمهور. هذا التواصل يحتاج إلى إمكانات مادية وأفرع في كل المحافظات، وهذا غير حاصل الآن وغير مسموح به في التطبيق، وإن كان ما يصرح به عكس ذلك.

إذا أُريد للانتخابات البرلمانية القادمة أن تُجرى بالآليات نفسها، أتمنى أن تكون النخبة البرلمانية المقبلة عونًا للدولة المصرية ورافعة للسلطة التنفيذية، تنبهها وتصوبها وتشد على يدها للمصلحة العامة، لا أن تكون مجموعة من الصامتين على حساب المصلحة العامة.

نتمنى أن يكون إخراج هذه الانتخابات بطريقة أفضل من سابقاتها.

اقرأ أيضا : أكرم إسماعيل في حوار خاص: على النظام أن يسمح للمعارضة بالمنافسة على 30% من مقاعد برلمان 2025.. و“الضباع” تريد أن تحافظ على مصالحها ولو على جثة البلد

ماذا عن أحمد الطنطاوي؟

كان عليه الاستناد إلى حامل سياسي أقوى من ذلك، دون الاكتفاء ببعض الأشخاص في حملته أو بعض المتحمسين له من الشباب، حامل يضم شخصيات وازنة تستطيع أن تسنده، وتحمل قدرًا من الاستشارة القانونية والسياسية التي تجنبه الوقوع في الفخ الذي نصب له، وتحذره أيضًا من قدرة الدولة بنظامها الأمني على اختراق أي فعل سياسي والدهس على أصحابه إذا أرادت.

أحمد الطنطاوي خلال أعمال حملته الانتخابية مرشحًا محتملًا للانتخابات الرئاسية
أحمد الطنطاوي خلال أعمال حملته الانتخابية مرشحًا محتملًا للانتخابات الرئاسية

كان مطالبًا بألا يكون تحركه ضد شخص أو جهة، وأن تكون قضيته ضد التخلف السياسي والاقتصادي والإداري الذي نعيشه، والعمل على تجاوزه والتصدي لأفراد أو مؤسسات أو جهات أو أطراف تحول دون الخروج من هذا التخلف، والنظر إليهم باعتبارهم جزءً من هذا النسيج، سواء كان فاعلين فيه أو مسببين له، بحيث لا تتحول المعركة إلى معركة شخصية بينما هي معركة أمة لديها رغبة في الخروج من الضيق إلى البراح، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الفساد إلى النزاهة، ومن الظلم إلى الحرية.

ولكن، إذا كان أحمد الطنطاوي ارتكب أخطاءً، فهي تخص إدارته هذه المعركة، ولا تعني أنه مجرم. ومن هنا، فإن ما يتعرض له الآن هو أمر لا يجب.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة