ماذا يحدث لمياه الصرف الصحي بعد أن تختفي داخل شبكات الصرف الممتدة أسفل شوارع القاهرة؟ وأين تنتهي رحلتها؟ كان هذا السؤال نقطة البداية، ودافعًا للتوجه إلى محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر، التي تستقبل مياه الصرف القادمة من مناطق شرق القاهرة، بهدف تتبع مسارها من لحظة وصولها وحتى خروجها كمياه معالجة، ورصد ما يحدث للرواسب الناتجة وكيف يجري التعامل معها.
ولم تكن رائحة المياه هي أول ما استقبلنا عند بوابة المحطة، وإنما صوت المحركات العملاقة التي لا تتوقف عن العمل، إذ تمتد خلف البوابات منشآت خرسانية ضخمة، تتخللها أحواض دائرية وقنوات مفتوحة وشبكات من المواسير المعدنية، بينما تتحرك المعدات والعاملون في كل اتجاه داخل واحدة من أكبر محطات معالجة مياه الصرف الصحي في إفريقيا والشرق الأوسط.
وداخل مبنى الإدارة، كان المهندس هشام زكي، مدير المشروع بالشركة الإسبانية المشغلة للمحطة، في استقبالنا أمام مجسم مصغر يجسد مكونات المشروع بالكامل، ومن هناك بدأت الجولة، التي انتقلت بين وحدات المعالجة المختلفة، لفهم كيف تتحول ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف يوميًا إلى مياه معالجة، وكيف تتحول الرواسب الناتجة عنها إلى مصدر للطاقة.
رسم بياني يوضح: الزيادة في أعداد محطات معالجة مياه الصرف الصحي خلال الـ12 الأخيرة
مراحل تطوير المحطة
في فبراير الماضي، وافقت لجنة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة بمجلس النواب، برئاسة النائب أحمد شلبي، على قرار رئيس الجمهورية رقم 260 لسنة 2025 بشأن الموافقة على اتفاقيتين مع بنك التنمية الإفريقي لتمويل وتنفيذ المرحلة الثالثة من مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر.
واستعرض النائب أحمد شلبي، رئيس لجنة الإسكان، تفاصيل الاتفاق المبرم بتاريخ 19 نوفمبر 2024 بين مصر وبنك التنمية الإفريقي، لتمويل جزء من مشروع إعادة تدوير المياه للزراعة، المرحلة الثالثة لمحطة الجبل الأصفر، بقيمة 80 مليون يورو، للمساهمة في تمويل توسعة محطة المعالجة بإضافة 1 مليون م³ يوميًا، وما يرتبط بها من أعمال هندسية وإدارية وبيئية.
ومن جانبه، أوضح زكي أن المحطة تمثل المرحلة الأخيرة من المشروع العام للصرف الصحي بالضفة الشرقية لنهر النيل، إذ تخدم المناطق الممتدة من المعادي جنوب القاهرة، مرورًا بعدد من أحياء العاصمة، وصولًا إلى الجبل الأصفر جنوب شرق محافظة القليوبية، بكثافة سكانية تصل إلى 12.5 مليون نسمة.
وقد بدأت المحطة عملها مطلع التسعينيات بطاقة تقارب مليون متر مكعب يوميًا، ثم دخلت المرحلة الأولى الخدمة بطاقة 1.5 مليون متر مكعب يوميًا عام 1999، قبل أن تشهد توسعات متتالية بإضافة نصف مليون متر مكعب يوميًا في الجزء الأول من المرحلة الثانية عام 2004، ثم نصف مليون متر مكعب أخرى في الجزء الثاني من المرحلة الثانية عام 2018، لترتفع طاقتها الحالية إلى 2.5 مليون متر مكعب يوميًا.
وأضاف أن العمل يجري حاليًا على تنفيذ المرحلة الثالثة، التي تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، بما يرفع عدد المستفيدين من خدمات المحطة إلى نحو 17.5 مليون نسمة، وأشار إلى أن التوسعات الجديدة من المقرر الانتهاء منها خلال أربع سنوات، بتكلفة تقارب 400 مليون يورو، تشمل منحة بقيمة 10 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب قروض ميسرة من جهات تمويل دولية، بينما تتحمل الحكومة المصرية باقي التكلفة.
وبحسب مدير المشروع بالشركة الإسبانية المشغلة للمحطة، بدأت الأعمال المدنية للجزء الثاني من المرحلة الثانية في مايو 2015، وشملت أعمال حفر وردم وإحلال تجاوزت 1.25 مليون متر مكعب، إلى جانب تنفيذ خزانات ومنشآت خرسانية وشبكة واسعة من خطوط المواسير التي تربط وحدات المعالجة المختلفة، كما نُفذت الأعمال بأيادٍ مصرية، بإجمالي ساعات عمل اقترب من 13 مليون ساعة، مع استخدام معدات موفرة للطاقة، وإنجاز المشروع خلال فترة تنفيذ بلغت 40 شهرًا.
وتأتي التوسعات التي تشهدها محطة الجبل الأصفر ضمن خطة أوسع لتطوير قطاع الصرف الصحي في مصر خلال السنوات الأخيرة، ووفقًا لما أعلنته المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، فقد ارتفع عدد محطات معالجة الصرف الصحي من 385 محطة قبل عام 2014 إلى نحو 621 محطة حتى يونيو 2026، بعد تنفيذ 236 محطة جديدة، من بينها 47 محطة معالجة ثلاثية، لتصل الطاقة التصميمية الإجمالية إلى نحو 19 مليون متر مكعب يوميًا.
وأشارت الوزيرة إلى أن إجمالي أطوال شبكات الصرف الصحي بلغ نحو 93.5 ألف كيلومتر، بينما يجري تنفيذ 193 محطة معالجة جديدة بطاقة تصميمية تقدر بنحو 3.2 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب تنفيذ شبكات صرف صحي بإجمالي أطوال يبلغ نحو 6430 كيلومترًا.
وبحسب الوزيرة، أسهمت هذه المشروعات في رفع نسبة تغطية خدمات الصرف الصحي في المناطق الحضرية من 79% عام 2014 إلى 96% عام 2026، كما ارتفعت نسبة التغطية في الريف المصري من 12% إلى نحو 60% خلال الفترة نفسها، لترتفع نسبة التغطية الإجمالية على مستوى الجمهورية من 50% إلى نحو 70%.
وأضافت أن الوزارة عملت بالتوازي على عدد من الملفات الاستراتيجية، شملت تعظيم الاستفادة من المياه المعالجة، وإعادة استخدام مياه غسيل المرشحات بمحطات مياه الشرب، وتوطين الصناعة وتشجيع المنتج المحلي، والتوسع في مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص، وترشيد استهلاك المياه وخفض الفاقد، وتعظيم الاستفادة من الحمأة في إنتاج الطاقة، وتنفيذ الاستراتيجية المتكاملة لإدارة مياه الأمطار، إلى جانب تعزيز الحوكمة المؤسسية والارتقاء بالأداء المؤسسي من خلال تطوير النظم التشغيلية وآليات العمل.
بداية دخول مياه الصرف
ومن قاعة الاجتماعات، بدأنا الجولة الميدانية داخل المحطة، فعند المدخل، ترتفع عشر مضخات ضخمة تعمل باستمرار على رفع المياه القادمة من شبكات الصرف إلى داخل وحدات المعالجة، وقبل أن تبدأ رحلتها، تمر المياه عبر مصافٍ معدنية تحتجز كل جسم يزيد حجمه على 15 ملليمترًا، من الأقمشة والأخشاب إلى القطع البلاستيكية، قبل أن تنتقل إلى أحواض إزالة الرمال والزيوت، حيث تترسب الرمال في القاع بينما تطفو الزيوت والشحوم على السطح لتُزال بصورة منفصلة.
وبعد ذلك، تتحرك المياه عبر الطلمبات الحلزونية لتواصل رحلتها بين وحدات المعالجة اعتمادًا على الجاذبية، وفي أحواض الترسيب الابتدائي، تدور أذرع معدنية ببطء فوق مساحات خرسانية واسعة، بينما تترسب الجسيمات الثقيلة في القاع مع انخفاض سرعة المياه.
ومن جوار أحد الأحواض، يوضح المهندس زكي أن هذه المرحلة تزيل نحو 65% من المواد العالقة، إضافة إلى ما بين 25 و35% من المواد العضوية الموجودة في المياه، قبل انتقالها إلى أحواض التهوية.
وهناك، يطغى صوت الهواء المندفع من آلاف الفقاعات المتصاعدة باستمرار من قاع الأحواض، مبينًا أن هذه الفقاعات تمد المياه بالأكسجين اللازم لنمو البكتيريا النافعة، التي تتغذى على المواد العضوية الذائبة وتحولها إلى مركبات أكثر استقرارًا في عملية المعالجة البيولوجية، وبعد انتهاء هذه المرحلة، تتجه المياه إلى أحواض الترسيب النهائي للتخلص من الكتلة البكتيرية، ثم تمر بمرحلة التعقيم بالكلور قبل خروجها كمياه معالجة.
رسم بياني يوضح: مقارنة بين تغطية خدمات الصرف الصحي خلال عام 2014 و2026
مزرعة تجريبية
وعلى مسافة قصيرة من وحدات المعالجة، تمتد مزرعة تجريبية على مساحة تقارب 300 فدان، تُروى بالمياه المعالجة، وتتوزع داخلها أشجار الزيتون والليمون والبيكان، إلى جانب نباتات الجوجوبا والجيتروفا المستخدمة في إنتاج الزيوت والوقود الحيوي.
ويقول هشام زكي إن استخدام هذه المياه يخضع لتحاليل وقياسات دقيقة قبل توجيهها للري، وفق اشتراطات تحدد نوعية المحاصيل المسموح بزراعتها، بحيث تكون من النباتات التي تنمو ثمارها فوق سطح الأرض ولا تُؤكل نيئة، مع خضوع المنتجات الزراعية للرقابة من الجهات المختصة، ويوضح أن هذه الكميات لا تمثل سوى جزء محدود من المياه الخارجة من المحطة، بينما يُنقل الجزء الأكبر إلى محطة بحر البقر لاستكمال المعالجة الثلاثية قبل إعادة استخدامه في مشروعات التنمية الزراعية بسيناء، مؤكدًا أن المياه المعالجة لا تُستخدم في مصر لأغراض الشرب.
مصير الحمأة
غير أن المياه ليست وحدها التي تبدأ رحلة جديدة داخل المحطة، ففي مبنى آخر، تبدأ معالجة الحمأة، وهي المواد الصلبة بمياه الصرف الصحي، الناتجة عن عمليات التنقية، ويشرح المهندس إبراهيم بلال، مدير الأعمال الكهروميكانيكية بالمحطة، أن هذه الرواسب تُجمع أولًا في غرفة خلط، ثم تُرسل إلى أحواض تكثيف لتقليل محتواها المائي، قبل انتقالها إلى الهواضم اللاهوائية، وهي خزانات مغلقة تعمل في غياب الأكسجين عند درجة حرارة ثابتة تبلغ نحو 35 درجة مئوية، وتمكث فيها الحمأة قرابة 21 يومًا.
وخلال هذه الفترة، تحلل البكتيريا المواد العضوية داخل الحمأة، منتجة غاز الميثان، الذي يُجمع ويُستخدم في تشغيل مولدات الكهرباء بالمحطة، ويشير بلال إلى أن هذا الغاز يوفر حاليًا نحو 70% من احتياجات المحطة من الكهرباء، مع استهداف رفع النسبة إلى نحو 75% بعد استكمال التوسعات.

وفي وحدة التجفيف الميكانيكي، تنتقل الحمأة عبر سيور معدنية بعد إضافة مادة البوليمر لفصل ما تبقى من المياه، قبل أن تتحول إلى مادة أكثر تماسكًا تُنقل إلى مخازن مخصصة لاستكمال التجفيف.
ويقول هشام زكي إن الحمأة المجففة تُطرح في مزايدات علنية لاستخدامها وقودًا بديلًا في مصانع الأسمنت أو سمادًا عضويًا، بعد التأكد من مطابقتها للاشتراطات البيئية، أما إذا أظهرت التحاليل تجاوز الملوثات للحدود المسموح بها، فيجري التخلص منها داخل مدافن صحية معتمدة.
ولا تقتصر الاستفادة من الحمأة على محطة الجبل الأصفر وحدها، إذ تأتي ضمن توجه أوسع لتعظيم الاستفادة من نواتج معالجة الصرف الصحي، ووفقًا للبيان الصادر عن وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، يجري تنفيذ عدد من المشروعات لإنتاج الكهرباء من الحمأة، من بينها محطة معالجة الصرف الصحي بالجبل الأصفر، التي تعمل بطاقة 2.5 مليون متر مكعب يوميًا، وتُعد ثاني أكبر محطة لمعالجة الصرف الصحي في العالم، حيث توفر حاليًا نحو 65% من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، مع استهداف رفع هذه النسبة إلى 80% بعد الانتهاء من تنفيذ المرحلة الثالثة.
كما أشار التقرير إلى الانتهاء من مشروع معالجة الحمأة بمحطة معالجة الإسكندرية الشرقية، التي تعمل بطاقة 860 ألف متر مكعب يوميًا، وتوفر نحو 70% من احتياجاتها من الطاقة، إلى جانب خفض حجم الحمأة بنحو 30%، كما يجري تنفيذ توسعات بمحطة معالجة الإسكندرية الغربية، بالتوازي مع إعداد الدراسات الأساسية لإدارة الحمأة في عدد من المحافظات والمدن الجديدة، بالتعاون مع شركاء التنمية.
غرفة التحكم
وقبل المغادرة، كانت المحطة الأخيرة في غرفة التحكم المركزي، حيث تعرض عشرات الشاشات في الوقت نفسه حالة كل وحدة داخل المنشأة، بينما يتابع فريق التشغيل البيانات الواردة من مئات الحساسات المنتشرة في مختلف المرافق، ويشرح زكي أن نظام التحكم الآلي «إسكادا» يراقب التدفقات ودرجات الحرارة والأحمال الكهربائية وحالة المعدات، ويصدر إنذارات مبكرة عند رصد أي تغير غير طبيعي، بما يسمح بالتدخل قبل وقوع الأعطال، مؤكدًا أن انبعاثات المولدات تخضع لمراقبة مستمرة، وأنها مطابقة للحدود المسموح بها.
ومع انتهاء الجولة، كانت رحلة المياه قد اكتملت داخل المحطة، من شبكات الصرف إلى وحدات المعالجة، ثم إلى الاستخدامات المسموح بها في الري، فيما واصلت الحمأة رحلتها الأخرى لتتحول إلى مصدر للكهرباء ووقود بديل، في دورة متكاملة تستفيد من مخرجات المعالجة داخل المحطة.