العقد الماضي والولاية الأخيرة.. مع ثلاثة من رموز جيل يناير (جلسة حوارية)

مصطفى شوقي:

المشاركة في قوائم أحزاب الدولة “انتهازية سياسية”

“تنسيقية الشباب” أحد أذرع السلطة السياسية واعتبارها معارضة محض “هراء”

“سلق” تحالف الحركة المدنية لن يحقق النجاح المطلوب

الناس “بقى ضهرها للحيط” و فرصتها الوحيدة في التغيير السلمي الآمن هي الديمقراطية والانتخابات

أحمد كامل البحيري:

لن نستحضر الماضي.. ولكن من يريد إعادة مسار انتخابات 2020 “ليس معنا”

الفرصة الوحيدة للدولة المصرية لإحداث التغيير أن يعبر البرلمان القادم عن الناس

أتوقع أكبر نسبة مشاركة شعبية وأكبر نسب تصويت عقابي في برلمان 2025

الغضب الحالي “خطر على بنية الدولة” بمكوناتها وليس على السلطة فقط

لا يمكن لكادر سياسي أن يقف أمام غضب الناس في ظل غياب السياسة

رفض تهجير الفلسطينيين مهم.. ولكن المطلوب بذل جهود أكثر تفاعلية تناسب قدر مصر

ناصر عبد الحميد:

بعد 2013 دخلنا في مرحلة أهل الكهف و”الموات السياسي التام”

لا نريد أن تحدث ثورة جديدة.. ولا سبيل سوى التدرج في الإصلاح

هناك “غليان” والناس غير راضية.. والنظام يشعر بذلك

ذهبنا للحوار بقناعة وإرث سياسي.. ونأمل في تفعيله بشكل حقيقي

الحركة المدنية لم تعد مناسبة.. وانتهت وباتت لا تمثل المعارضة

حوار – حسن القبانيمعتز ودنانإسراء عبد الفتاحسامح حنين

تصوير – محمد الراعي

نستكمل في هذه الجلسة الحوارية الجديدة الجزء الثاني من مواجهة شباب ثورة 25 يناير 2011، الذين شاركوا في ثورة 30 يونيو 2013، وما تلاها من أحداث، وخاصة مع ذكرى بيان 3 يوليو 2013.

واجهنا في الجلسة الأخيرة النائبين سها سعيد وطارق الخولي، ممثلين عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسين، بأسئلة الشارع وانتقاداته وتقييم المشهد السياسي، وهي مقابلة أثارت نقاشًا في أوساط سياسية معارضة.

واليوم، نواجه ثلاث قيادات من شباب المعارضة المصرية في الفترة بين عامي (2011 – 2024): أحمد كامل البحيري الباحث الأكاديمي، ومصطفى شوقي الباحث السياسي والحقوقي عضو مؤسس في حزب العيش والحرية، وناصر عبد الحميد الناشط السياسي.

ثلاثتهم كانوا من أبرز أعضاء الائتلافات الثورية في الفترة من يناير2011 وحتى يوليو 2013، لكنهم لم ينضموا لـ “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، وواصلوا طريقهم السياسي المعارض في تجارب مختلفة، رغم الصعوبات.

ترصد “فكر تاني” معهم في هذه الجلسة المشهد العام، وغضب الشارع، وملفات الانتخابات والأحزاب وسجناء الرأي، ومواقفهم من السلطة وتنسيقية الشباب، في حوار يستهدف تجميع باقي قطع الأحجية في خارطة شباب مصر خلال العقد الماضي، ومستقبلهم خلال الولاية الرئاسية الأخيرة .

فإلى نص الجلسة:

الحوار والانفراجة المعلقة

في البداية.. كيف رأيتم وعود الانفتاح السياسي التي بدأت مع الحوار الوطني؟

ناصر عبد الحميد: كانت هناك بوادر انفراجة، تعاملت معها الأغلبية المعارضة بترقب، إذ لم يكن أحد يتصور أننا بصدد انفتاح كامل. ويمكننا القول إن من تعاطوا مع الحوار بإيجابية هم من اضطروا لمغادرة العمل السياسي منذ 2015 وحتى انطلاق الحوار.

لا يمكن بعد تلك السنوات التي شهدت إغلاقًا تامًا وشاملًا وعامًا لكل ما له علاقة بالسياسة والصحافة وحتى الفن، أن تحدث انفراجة ولا يتفاعل معها الناس بإيجابية.

وربما هذا تدركه بعد دوائر النظام ممن رأوا أن هذه هي الطريقة الأفضل لتجاوز المحنة التي تمر بها مصر.

من هذا المنطلق كان علينا تقديم ما عندنا حتى لا يقال لاحقًا إن هناك شيء قوبل بالرفض من الأساس دون إطلاع أو تقييم عبر المشاركة. وبالتالي، شاركنا بإيجابية وتفاعلنا مع مبادرة الحوار الوطني، عن طريق جلسات موازية، وعقدنا اجتماعات لتقديم تصورات متماسكة في كل ملف شاركنا فيه، وأعددنا ورقة للأحزاب، وورقتين عن الانتخابات، ودخلنا في مداولات عليها، كما قدمنا ورقة لقانون حرية الصحافة، بالإضافة إلى حضورنا.

ولم نكتف بذلك بل قدمنا تلك الأوراق في الحوار الوطني، في بادرة منا للوصول إلى منطقة وسط، كي نُحدث نقلة ما بين الماضي والمستقبل، أو هكذا كنا نتمنى.

مصطفى شوقي: أعتقد أن السلطة لم تذهب إلى إجراء الحوار الوطني لأنها ترغب في خلق انفراجة سياسية، ولكنها صنعته تحت وطأة الضغط الاقتصادي، وتوابع الإغلاق السياسي الشديد، ووجود برلمان مهندس حكوميًا بالكامل، مع استمرار الإعلام تحت السيطرة والاحتكار بشكل كبير، وبالتالي ليس هناك أي منافذ للتعبير.

نستطيع تقسيم المرحلة من بداية الحوار الوطني، إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل حرب غزة ومرحلة ما بعدها.

ما قبل الحرب كانت هناك الضغوط الخارجية على السلطة في مصر لها علاقة بالإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، وتلك الضغوط بدأت في منتصف مارس 2021، حينما وجهت دول في مجلس حقوق الإنسان رسالة إلى السلطة المصرية بفتح المجال العام وحريات الصحافة. ومن هذا التاريخ وفي أواخر 2021، صدرت استراتيجية حقوق الإنسان، وتم وقف العمل بقانون الطوارئ، وبعدها فى أبريل 2022، دعا الرئيس للحوار الوطني وأعاد تفعيل لجنة العفو الرئاسي، وكانت هناك خطوات من السلطة هدفها إعادة تسويق نفسها سياسيًا في الخارج قبل الداخل.

ولكن بعد حرب غزة يبدو أن السلطة لم تعد بحاجة لقبول المزيد من الضغوط الدولية، خاصة وأن الخارج في تلك الظروف أصبح أكثر دعمًا للسلطة في مصر، لإدراكه أهمية النظام المصري في المنطقة، وبالتالي تراجعت كل الضغوط المتعلقة باحترام حقوق الإنسان أو بالإصلاح السياسي، ولما تراجعت تلك الضغوط زادت حدة القبضة.

وحاليًا، نحن أمام مجال عام متقهقر خطوات إلى الخلف، بقمع المظاهرات الداعمة لفلسطين، والاحتجاجات العمالية سواء في إضراب المحلة أو احتجاجات الموظفين، رغم أن السلطة نفسها قررت في بداية الحرب في غزة دعوة المواطنين للخروج والتظاهر، ولكن حينما ارتبطت احتجاجات الناس بانتقاد السلطة السياسية نفسها نتيجة أوضاع اقتصادية أو نتيجة موقفها من الحرب في غزة، عاد المشهد عدة خطوات للوراء.

أحمد كامل البحيري: واهم من كان يعتقد أن مصر ستتحول إلى سويسرا بمجرد بدء الحوار الوطني.

مع بداية الحديث عن الانفتاح السياسي والدعوة للحوار الوطني، تساءلت وآخرون: ما المربع الذي أنا فيه، وما المربع التالي الذي أرغب بالانتقال إليه؟

شخصيًا، كان يعنيني الإفراج عن مئات الشباب المحبوسين في قضايا رأي، وهو ما طُرح في اجتماعات الحركة المدنية وبيان 8 مايو. هذا الملف المهم ورقم 1 في أجندتي.

القوى السياسية اجتمعت على مستوى القيادات والشباب، وتمت مناقشة رفض أو قبول الانخراط في الحوار الوطني، وتم الاتفاق على ضرورة الخروج من المربع صفر إلى المربع واحد.

خلال عامين، أفضى الحوار إلى نتائج من 350 نقطة تم التوصل إليها، ولكن المطلوب هو الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، وترجمة هذه الأمور، وبالتالي لا يوجد شيء جديد يقال.

لديهم الأطروحات والأوراق والرؤى حول الانتخابات والحريات وغيرها من الملفات، ونحن الآن ننتظر مناقشة قانون الانتخابات في أقرب الآجال، قبل مناقشة الموازنة العامة للعام المقبل، وانتخابات مجلس الشيوخ والإجازة البرلمانية.

اقرأ أيضا : الجلسة الحوارية الأولى.. قادة أحزاب محليون لـ”فكر تاني” : نواجه”ملكيين أكثر من الملك” في المحافظات.. عشنا عشر سنوات عُجاف.. والقائمة النسبية غير المشروطة تُنقذ المشهد السياسي

الأزمات وقود الانفراجات

البعض يقول إنكم جزء من شكل ديكوري ارتضيتموه بعد طول استبعاد.. ما تعليقكم؟

ناصر عبد الحميد: غير صحيح، فنحن الثلاثة على سبيل الحصر، وآخرون، ذهبنا إلى الحوار بقناعة، وبذلنا جهدًا، ولما لاحظنا أن الحوار غير جدي توقفنا. والسؤال: هل حصلنا على مقابل أو حدث اتفاق على شيء معنا؟ من ذهب ذهب لأنه يملك إرثًا سياسيًا قديمًا، من أراد فتح باب فتح، ومن سعى للحصول على شيء حصل عليه. أما نحن فلم نفعل، وعندما وصل الحوار الوطني إلى ما هو عليه الآن لم تتغير حياتنا.

أحد أفضل الأشياء التي فعلها هذا النظام أنه جعل الأمور واضحة، فلا يقبل الوقوف معه إلا في العلن، ودون ذلك لا يقبل أحدًا.

علينا إدراك أنه في مراحل التطور السياسي بالدول التي تمر بعثرات مثل مصر سواء في أميركا اللاتينية أو غيرها، تُجبر الأزمات النظم على بعض الإصلاحات أو قدرًا ضئيلًا من الانفتاح. ولا أظن أن هناك أحد في مصر -مع أو ضد السلطة- يتصور أو يرى أو يأمل أن تحدث ثورة جديدة لأن كل الناس سواء مع الثورة أو غيرها مؤمنين بأنه لا سبيل سوى التدرج في الإصلاح، والذي سيأتي غالبًا نتيجة أزمات تصنع انفراجات أو فتحات ومساحات للكل.

مصطفى شوقي: المعارضة تعاملت بجدية مع الحوار الوطني وشاركت بكل جهدها لإنجاحه. لكننا، فوجئنا بالقبض على أعضاء في أحزاب مدنية، واقتحام البلطجية لعمومية المهندسين، والحكم على الناشط باتريك زكي بـ 3 سنوات سجن، وكلها إجراءات تحفظت عليها المعارضة، في رسالة إلى السلطة بأن هذا تعطيل لخطوات الإصلاح والانفتاح السياسي، مما يحول الحوار إلى مشاركة ديكورية إذا لم يتوقف.

أحمد كامل البحيري: لا أستطيع أن أزايد على من رفض المشاركة في الحوار، ولكن هل هناك بديل غير المشاركة؟

هناك سقف لمجموعة من المكاسب في المجال العام يمكن أن تتحقق، وقد تحقق بعضها بالفعل بالمشاركة في الحوار الوطني. لم يكن أمامنا طريق ثالث، ولذلك شاركنا ونحن نعرف هدفنا جيدًا.

اقرأ أيضا : كمال زايد في حوار خاص: مدبولي تكنوقراط لا يعرف كتالوج مصر.. والمعارضة قادرة على تشكيل الحكومة

في الحوار حققنا مطالب وننتظر البقية

منذ أكثر من 12 سنة تتعاملون مع السلطة نفسها بالطريقة ذاتها وتختبرون نفس خيبات الأمل.. أليس هذا دليل على غياب الرؤية لديكم حول الواقع السياسي؟

ناصر عبد الحميد: ذهبت للحوار وجلست وقدمت رؤيتي مكتوبة بالصوت والصورة، سواء النظام أخذ بها واستفاد أو تركها. هل تعتقد أننا جلسنا مع النظام؟. النظام لم يجلس معنا، ولم يكن هناك مسؤول أو وزير يحضر في جلسات الحوار. الجلسات وكل اللجان سواء الأحزاب والتشريعات والحريات بعيدًا عن المنصة لم تضم وزراء أو مسؤولين، ورغم كل هذا شاركت لأقول رأيي ولأقدم بادرة أمل يمكن أن يبنى عليها للإصلاح.

أحمد كامل البحيري: الاتهامات الموجهة إلى القوى السياسية بأنها لم تكن تعلم مطالبها أو تسير مع الموجة أو قاصرة الرؤية كلها غير صحيحة. منذ اليوم الأول لتلقي دعوة الحوار، تم تقييم الوضع، وحددنا موقعنا كمعارضة وعرفنا مساحاتنا، وموقع السلطة ومساحاتها، ودرسنا المشهد وحدود الاشتباك.

المشهد كله كان تحت السيطرة، حتى أن الحوار انطلق رغم غياب القوة الضاربة للقوى السياسية في السجون، معظمهم كان في السجون، وقدمنا رؤيتنا التي كانت هدفًا واضحًا كما قلت. لقد توصلنا إلى تحقيق بعض مطالبنا وننتظر تنفيذ بقيتها، فكيف يمكن وصف ذلك بغياب في الرؤية؟

مصر بحاجة إلى إصلاح سياسي

هل استغلت الحكومة الحوار الوطني لصالحها؟

ناصر عبد الحميد: لم تستغله إيجابيًا أو سلبيًا، لأن الدولة أطلقت الحوار ثم دخلت في سلسلة من الأزمات الخارجية سواء في السودان أو غزة. هذه أزمات لا يمكن أن نغفلها في الحديث عن السياق الداخلي. وحتى الآن لم يصلنا رد على ما طرحناه، ولم يتحدث معنا أحد حول ما قدمنا بشأن الانتخابات أو الأحزاب أو الحريات.

لقد تم الترويج للحوار الوطني على مستوى دعائي وقت انطلاقه، وحتى إذا كان النظام يسعى للاستفادة منه على نحو الحديث مع المعارضة ونقل البلد إلى وضع أفضل، فهذا تعبير عن حاجته للإصلاح، وإلا لما أُطلق الحوار الوطني من الأساس.

النظام يلمس “غليانًا” بين الناس، ويعرف أنهم غير راضون، ونحن من ناحيتنا قدمنا كل ما نراه في مصلحة هذا الوطن في هذه الفترة، والنظام أمامه إما التوقف عند الدعاية وقت الحوار والاكتفاء بهذا القدر أو تفعيل الحوار بشكل حقيقي، وهو المطلوب الآن، فنحن جميغًا نظامًأ ومعارضة بحاجة إلى مبادرة حقيقية وإصلاح شامل.

اقرأ أيضا : كيف يرى “سلماوي” دستورًا شارك في صياغته وبرلمانًا أضاع مواده؟ (جزء رابع)

بعض المقربون من السلطة يرددون أن المعارضة تريد استغلال الأوضاع لصالحها فقط دون اعتبار لمصلحة البلد.. ما تعليقكم؟

مصطفى شوقي: المعارضة كانت جادة في قبول مسار التهدئة الذي قدمته السلطة المصرية، وشاركنا بجدية عندما كانت هناك فرصة لإيجاد مساحة للتفاوض حول الإفراج عن السياسيين المحبوسين أو بوادر لأفق سياسي جديد من أجل خلق عملية سياسة تخدم مصلحة مصر.

نحن نتعامل مع المشاركة في الحوار الوطني أو الانسحاب منه باعتبارها أدوات سياسية لتعزيز فرص المضي في مسار الإصلاح السياسي.

30 يونيو والشباب

بعض ممن شاركوا في ثورة 30 يونيو يتبرأون منها الآن ومما تلاها.. ما تعليقكم؟

مصطفى شوقي: وقتها، كنا أمام سلطة قررت القفز على ثورة 25 يناير ومعاداة مطالبها واحتكار المشروع السياسي، أليس هذا يوجب المشاركة في الثورة عليها. معارضة سلطة الإخوان هذه لم تكن تهمة، ومعاداتهم ليست جريمة، واستمرار حكمهم لم يكن مقبولًا بأي حال من الأحوال.

ومن هنا، كانت 30 يونيو حالة واسعة جدًا ومعبرة عن الشعب كله، بدءً من مؤسسات الدولة وأجهزتها وحتى أقصى المعارضين على يسار الدولة. ومع ذلك، لم تكن هناك توقعات باستمرار هذا التحالف بين السلطة والمعارضة في وجه الإخوان.

السؤال الثاني: هل التفاعل مع الدولة في أشكال مختلفة بعد 30 يونيو كان خاطئًا؟ هنا أقول إن واحدة من أكبر مشاكل 30 يونيو هي مجموعة محسوبة على جيل يناير قررت أن تتماهى مع السلطة الحالية، بل وتقبل أن تكون جزءً من إدارة العملية السياسية. وقد أثر هذا بشكل حقيقى على مسار التغيير بعد 30 يونيو. ترى هذا في تنسيقية شباب الأحزاب مثلًا وبعض السياسين، وهو ما سَهل  البطش بباقي  أشكال المشهد السياسي بمصر.

ومع ذلك، لست نادمًا بأي درجة على ما حدث بعد 30 يونيو، لأنه عملية سياسية تم بترها، بحجة الحرب على الإرهاب، حيث صدر قانون منع التظاهر وأصبح لا صوت يعلو فوق صوت القضاء على الإرهاب.

وقتها، الحياة العامة اقتصرت على دعم الدولة في الحرب على الإرهاب، حتى لو في حربها مارست الدولة أشكال مختلفة من الانتهاكات لحقوق الإنسان، أو غلق المجال السياسي، أو قمع حرية التعبير.

وفي هذا الوقت، قررت الدولة بالتزامن مع حربها ضد الإرهاب التراجع بشكل كبير عن تحالف 30 يونيو، وأعلنت أنه لا توجد فرصة لممارسة العمل السياسي في مصر.

وللأسف طوال الوقت يتم استسهال إدانة الضحية، بمعنى أنه في منتصف 2015 كان يتم العصف بكل أصوات المعارضة في مصر، وفي ذات الوقت يتم لوم هذه الأصوات بأنها شاركت في 30 يونيو، فأعطت الفرصة بعد ذلك للسلطة بأن تقمعها.. وهذا غير معقول.

سبب غلق المجال العام

بعد 30 يونيو، تقول أطراف من الموالاة إنكم سببًا في غلق المجال العام بتمسككم بالمسار الثوري وسياسة “إلقاء الحجارة”.. ما تعليقكم؟

ناصر عبد الحميد: هذا غير صحيح، لأن الحكومة التي تشكلت بعد 30 يونيو مباشرة كانت عبر الحركة المدنية، أو ما يمثل كيان جبهة الإنقاذ، إذ كان رئيس الحكومة وزراء ونواب وزراء ومساعدين من التيار المدني.

لقد شاركنا في المسار السياسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ثورة 25 يناير 2011، ثم أوقفنا العملية السياسية مع الإعلان الدستوري الخاص بالإخوان وشاركنا مع جبهة الإنقاذ لمدة 7 أشهر في فعل احتجاجي ثوري، وبعدها عاد الجميع مباشرة إلى فعل سياسي أكبر من العادي عن طريق المشاركة في تشكيل الحكومة وما تلا ذلك من كافة الأحداث السياسية سواء انتخابات أو غيرها، وبالتالي من يرددون هذا الحديث لا يقولون الحقيقة التي تعرفها كافة مؤسسات الدولة.

قدمنا كل ما نستطيع من أجل تشكيل معظم المؤسسات المنتخبة، وتعديل الدستور، ولم نتأخر عن واجبنا السياسي والوطني في كل المحطات السياسية، وحذرنا من توابع أي تحركات تمس بالحريات.

وحتى عندما بدأت “مجموعة الأمل” تحركاتها، كان اتجاهها العمل السياسي، وكانت إجراءاتها فعلًا سياسيًا، وجزء من أعضاء تلك الحركة كان من كتلة نواب 25/30. وقد قوبل هذا التنسيق فى ظل الانغلاق السياسي التام بحبس البعض، فيما التزم البعض منازلهم.

مصطفى شوقي: أي اتهامات لجيل يناير بأنه تسبب فى غلق المجال العام بعد 30 يونيو هي “غير معقولة وغير مقبولة”، ومن يرددها من الوجوه التي كانت محسوبة على جيل ثورة 25 يناير، وتماهت مع السلطة.

اقرأ أيضا : حسام مؤنس في حوار خاص: مشكلة مصر انحياز السلطة للأكثر ولاءً.. والأخطر هو تغييب الشارع السياسي. 

الضربة القاضية في السياسة

هل مصر تحتاج إلى مسار ثوري أم مسار إصلاحي؟

أحمد كامل البحيري: أولًا، يجب تحديد المسار الثوري أو الإصلاحي بناءً على قدراتك وأهدافك والواقع.

بناءً على خبرات 2011 و2013، نحتاج إلى تحقيق نتائج ملموسة وليس فقط الوصول للسلطة، بعكس قواعد العلوم السياسية، خصوصًا في ظل الوضع الاقتصادي الحالي في مصر.

نحن في مرحلة تتطلب بناءً على هذا الواقع السياسي والاقتصادي المتأزم، بحيث يكون هناك انفتاح في المجال العام، وخلق بيئة سياسية حقيقية يحدث فيها تفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي بكافة مكوناته.

هذا يعني أننا لسنا في لحظة تسمح بما يسمى “الضربة القاضية” في السياسة، ولكننا في مرحلة جمع النقاط.

نحن نعتمد الآن على العمل التراكمي، ونحتاج إلى مجال سياسي حقيقي في الدولة يمنع الحبس الاحتياطي، ويسمح بخروج الجميع، وخلق مجال عام يفرز نخبة وجيلًا مناسبًا للمرحلة المقبلة.

هناك جيل جديد ظهر في مظاهرات وأدوات دعم غزة، ونحن بعيدون عنه، وللأسف التفاعلات الجديدة أسرع منا. لذلك نحتاج إلى تهيئة بيئة حقيقية لفتح المسارات والمجال العام لبناء المستقبل.

الإصلاح يؤدي إلى التغيير، وهدف أي تيار هو التغيير. يجب الوقوف حول رغبة التغيير، والسؤال الآن: هل يكون تغييرًا جذريًا كاملًا سياسيًا واقتصاديًا عبر الثورات، أم نحتاج إلى تغيير عبر جمع النقاط في السياسة والاقتصاد مرحليًا، والبناء عليها عامًا بعد عام للوصول إلى هدفنا؟

على المعارضة أن تدرك المربع الذى تقف فيه، وما هي الخطوة التالية.

هذا لا يعنى التماهى فى المواقف مع السلطة، فهذا الجيل لم يغير مواقفه في جزيرتي تيران وصنافير، وتعديل دستور 2019، وملف سجناء الرأي ، ومواقفنا واضحة.

مصطفى شوقي: العمل العام له جناحان: الفعل الاحتجاجي والفعل السياسي. أحيانًا نحتاج إلى الفعل الاحتجاجي للضغط على أمور معينة، وفي أوقات أخرى نحتاج إلى الفعل السياسي كالمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية أو الدخول في مسار تفاوضي مع السلطة.

أنا لا أؤمن بالفصل بين الفعلين، ولا أفهم فصل ما هو احتجاجي عما هو سياسي، فهذا فصل تعسفي يقصد به تعطيل الفعل الاحتجاجي بشكل كامل لصالح الفعل المهادن للسلطة.

في تقديري، هذا أحد الأسباب التي أثرت على المسار السياسي. هذه السلطة، منذ توليها، قررت تشنيع كل من انتمى للثورة بأنهم لا يفهمون سوى في الفعل الاحتجاجي.

الحديث عن أن السلطة قررت قمع قطاع واسع من المعارضة لأنها لم تستطع استيعاب الفرق بين الفعل السياسي والفعل الثوري هو محض هراء، لأنها في سنوات الإغلاق كانت تتعامل مع الفعلين السياسي والاحتجاجي بنفس الطريقة القمعية.

ناصر عبد الحميد: يجب أن نقر أن هذه المجموعة (يقصد المشاركين في الجلسة) معظمها أبناء تجارب حزبية أصلاً، واشتغلت ومارست العمل العام من خلال العمل الحزبي، وفي نفس الوقت انخرطت في العمل السياسي في عهد مبارك.

بالإضافة إلى التجارب الحزبية، شاركت هذه المجموعة في تجارب مثل الجمعية الوطنية للتغيير وجبهة الإنقاذ. الفعل الاحتجاجي ليس مرتبطًا بشكل واحد.

للأسف، ما زلنا نقف على ثنائيات وازدواجيات وتصنيفات مختلفة وغير حقيقية. كل واحد منا في المعارضة هو ابن تجربة حزبية في حدود المتاح، بجانب تحركات سياسية أخرى أوسع في وقتها.

لماذا تنتقدون إذً تنسيقية الشباب وأنتم تتفقون معهم على أهمية الفعل السياسي وفن الممكن؟

أحمد كامل البحيري: السياسة تنوع ولكل مشارك فيها مسار، قد نختلف أو نتفق في تقدير الموقف وكل منا يأخذ مساره في جهة ما، وليس شرطا أن نشترك معا في مكان واحد.

تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، يقولون أنهم ضغطوا للإفراج عن المحبوسين، ونحن نقول لهم هل من مزيد؟ أنا أرغب في المزيد، ولنرى على أرض الواقع.

مصطفى شوقي: تنسيقية شباب الأحزاب هي أحد الأذرع السياسية التي تستخدمها السلطة لتظهر انفتاحًا على الرأي الآخر وأنها داعمة للشباب، وهذا أمر مخالف للواقع المعاش الحقيقي.

اقرأ أيضا ً : رائد سلامة في حوار خاص: مصر بحاجة للتخلص من السلفية الاقتصادية والسوق السياسي في حاجة إلى تأسيس جديد

الحركة المدنية وطبيعة المرحلة

كيف تقيمون الحركة المدنية الديمقراطية؟

ناصر عبد الحميد: الحركة المدنية لم تعد مناسبة للظروف الحالية بحركيتها، وفي ظني أنها انتهت، ولم تعد تمثل المعارضة أو تتناسب مع اللحظة التي نحن فيها.

هي تمثل مجموعة الأحزاب التي انضمت إليها ورؤساء الأحزاب المنخرطين فيها، والمقصود بها هيئة المكتب المسؤولة عن القرار، وهم مستقرون منذ انطلاقها على أن تبقى على هذا الحال.

قبل الثورة، توقفت السياسة في مصر للمدنيين منذ عام 2004. بعد الضغط الأمريكي في المنطقة، اضطرت مصر إلى الانفتاح السياسي. منذ عام 2005 حتى 2011، لم يكن هناك تراكم لبناء حركة أو أحزاب سياسية.

بعد الثورة، انطلقت نواة كان يمكن من خلالها بناء حياة سياسية في مصر، سواء على مستوى الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات. كنا في طور التطور والنمو، نكتسب الخبرات التنظيمية، نحل المشاكل، نتفاعل مع الشارع، ونشارك في الانتخابات البرلمانية. إدارة العلاقة بالسلطة تطورت بعدما كان النشاط مقتصرًا على السماح للإخوان المسلمين ومنع بقية التيارات.

اللحظة الوحيدة التي كان يمكن منها بناء حياة سياسية في مصر كانت ما بعد 25 يناير. خضنا تجربة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وحققنا نتائج مبهرة مقارنة بكونها أول تجارب لنا. ثم توقفت التجربة بفعل الأحداث، ولجأنا مرة أخرى للفعل الاحتجاجي وقت الإخوان حتى وصلنا إلى 30 يونيو. بعدها كنا في مرحلة إعادة ترتيبات جديدة، ثم بعد عام توقفت الحياة السياسية تمامًا.

بالتالي، لم تنضج التجربة السياسية في مصر. بعدها دخلنا في مرحلة أهل الكهف، ومرحلة موات تام قضت على كل ما يمكن أن يحدث من تطور بالعمل التنظيمي للأحزاب. جاءت 2020 ليتم إيقاظ أشخاص بمثابة “أموات من الكهف”.

لذا، لا يجب الانتظار أن تصبح المعارضة في أحسن حال أو أن تتفاعل بأفضل طريقة للتفاعل.

في الانتخابات القادمة، أيا كان شكل المعارضة، حتى إذا كانت الانتخابات نزيهة مليون في المائة، لن تستطيع تحقيق نتائج إيجابية لغياب القدرات التنظيمية والدعم المالي والإعلامي.

هذه الأمور لا تكتسب في لحظة أو في اثنتين؛ لأنها تكتسب بالتمرين، الوقت، والمرور بالتجارب. عندما جاءت فكرة الحوار الوطني، كان من الواضح أن المعارضة لم يكن لها عقل يديرها.

ما هو موقفكم من التشكيلات السياسية الجديدة التي يتم إعدادها للانتخابات؟

ناصر عبد الحميد: أنا شخصيًا لست جزءًا من أي تشكيلات، ولم تتم دعوتي إلى أي شيء. قد يكون هذا أفضل بالنسبة لي، فلم أفكر جديًا في الأمر حتى أكون دقيقًا.

أعتقد أنه يمكن في لحظة ما أن تكون هناك حاجة إلى شيء مكمل لملء الفراغ الحالي. هناك ضرورة لكل الأحزاب المعارضة التي ترى أن هناك مساحة يمكن البناء عليها أن تحضر نفسها للاستحقاق السياسي الكبير المتمثل في الانتخابات البرلمانية، وهذا الأمر يحتاج إلى تشكيل مناسب لأن المهمة صعبة.

بالنسبة لي، أفكر في عدم المشاركة في أي انتخابات، ولن أخوضها إلا إذا كان هناك مسار يسمح بوجودي دون أن يجبرني على قائمة بعينها.

لكنني أرى أن المعارضة يجب أن تتفاعل مع الانتخابات عبر الانخراط في التحالفات وإعداد الكوادر السياسية، لتكوين جبهة قوية تستطيع تقديم تجربة إيجابية تناسب الأهداف الراهنة.

اقرأ أيضا : هشام جعفر في حوار خاص: مصر باتت “رجل المنطقة المريض”.. و”ربيع القاهرة” معطل بـ”مظهرية” الحوار الوطني.. “الإسلام السياسي” انتهى والمعارضة بلا رؤية

السياسة وفق المدرسة الانتهازية

كيف ترون احتمالية مشاركة بعض أحزاب المعارضة في قوائم الموالاة؟

مصطفى شوقي: قولًا واحدًا؛ المشاركة في قوائم أحزاب الدولة “انتهازية سياسية”، هدفها الأساسي استغلال الدعاية والنفوذ الذي تحظى به السلطة لحصد بعض الكراسي.

وفي هذا الإطار، أرى الحديث عن معارضة تقبل بمشاركة أحزاب الدولة مثل تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين “محض هراء”.
شباب التنسيقية لا يحملون أي توجهات معارضة للسلطة الحالية، بل على العكس سيخوضون الانتخابات على أجندة السلطة، ووفق رؤيتها، وعلى خلفية المناخ المغلق والمقيد الذي صنعته السلطة، والذي تستفيد منه التنسيقية. وهذا وجود أقرب للتعيين منه للانتخابات. أين المعارضة إذن؟

ناصر عبد الحميد: لا يجب القبول إطلاقًا بالدخول في تحالف مع أحزاب المولاة.

ليس هدفنا دخول البرلمان فحسب، هذا بعيد عن تفكيرنا. وإذا كان هناك مسار وحيد عن طريق أحزاب الموالاة، سنصل إلى نتيجة غير مرضية وليست ضمن أهدافنا.

أحمد كامل البحيري: أي سياسي يملك رؤية للإصلاح السياسي في بلدنا لن يختلف مع حقيقة أن تجميع الموالاة والمعارضة في قائمة واحدة ليس من السياسة في شيء.

المطلوب الآن ليس الدخول في قوائم مستقبل وطن، بل أن تصنع أحزاب المعارضة قوائمها الخاصة، بغض النظر عن النجاح والفشل في حصد المقاعد.

من المهم النجاح في تقديم مشروع سياسي خاص بالمعارضة وعرضه على الناس، فإذا ترافق ذلك مع الفوز فإنه المطلوب تمامًا.

وللوصول إلى هذه الرؤية نحن بحاجة لتنسيق جاد وحقيقي بين أحزاب المعارضة والشخصيات العامة المحسوبة على المعارضة لخوض الانتخابات المقبلة وعلى مستوى كل مقاعدها الفردية والقوائم.

لن نستحضر الماضي، ولكن من يريد إعادة مسار 2020 “ليس منا”. ومن يريد أن تتوحد المعارضة على برنامج واحد ومشروع محدد “أهلًا وسهلًا به” من أجل جبهة انتخابية واحدة تستفيد من تجارب الكتلة المصرية وائتلاف الثورة مستمرة.

عملية تخليق “المعارضة المهادنة”

هناك حديث في الوسط السياسي المعارض عن محاولات من النظام لخلق معارضة مهادنة قبيل الانتخابات المقبلة.. ما تعليقكم؟

أحمد كامل البحيري: أنا مع أي تشكيل يخرج للنور حتى ولو بسقف منخفض، لأن الهدف لدينا استكمال الطريق على أجندة تستهدف القضايا محل الإجماع، ولو بالتدريج، وعلى رأس هذه الأجندة: حرية التعبير والصحافة، والإفراج عن سجناء الرأي، والتغيير، وإصلاح المجال العام.

كل سلطة منذ عهد عبد الناصر تحاول صنع معارضة تقبلها، ولكن لم تنجح أي من هذه السلطات المتعاقبة على حكم مصر في صناعة ما يُمكن أن يطلق عليه وصف المعارضة، لأن المعارضة إفراز طبيعي من المجتمع.

ولو افترضنا أنه تم استقطاب قيادي معارض لحزب السلطة، فالمجتمع سيفرز آخرين غير هذا القيادي يمثلونه بشكل مستحق.

لا يجب أن ننسى ما تشهده المنطقة نحن من أحداث كبرى، عمادها غزة والقضية الفلسطينية، التي أفرزت جيلًا جديدًا له نمطه خاص، لا شك أنه سينتج قيادات تمثله بشكل طبيعي.

مصطفى شوقي: لم تنجح السلطة بعد في خلق “معارضة على مقاسها”، رغم مساعيها الكثيرة لاستقطاب “معارضة أكثر لطفًا” تساعدها في تحسين صورتها أمام العالم الخارجي.

وأنا أرى أن مشهد الانتخابات البرلمانية المقبلة سيكون حاسمًا بدرجة كبيرة ومختلفًا عن باقي المشاهد الانتخابية السابقة، حيث أننا أمام مفترق طرق؛ إما أن تتبلور لدينا معارضة تملك مشروعًا يقدم بديلًا للسلطة، أو تظهر معارضة مهادنة مهندسةً حكوميًا.

التحالف الانتخابي ضرورة سياسية

ألهذا السبب أعلنت الحركة المدنية مبكرًا نيتها تشكيل تحالف انتخابي مستقل؟

مصطفى شوقي: هناك ضرورة سياسية لبناء تحالفات واسعة تخوض الانتخابات المقبلة، وهو أمر مرهون بمعارضة قادرة على التوافق ومنافسة السلطة الحالية.

أما تقديري للحظة الراهنة، فلا. ليست هناك بوادر ولا توجد نقاشات حقيقة داخل الحركة المدنية حول مسعى التحالف، وكذلك ليست هناك تحركات بين القوى السياسية، وبالتالي فرص خلق هذه التحالفات تخفت كلما اقتربت الجولة الانتخابية.

الحركة المدنية مطالبة بتشكيل تحالف توافق انتخابي بين أحزابها نعم، ولكن يجب الحذر من “سلق” هذا التحالف الانتخابي بغرض إظهار أن هناك تحالف وكفى. هذا لن يُحدث النجاح والتأثير المطلوبين.

نحن بحاجة إلى تحالف يقدم خطابًا سياسيًا واضحًا “متعوب عليه”، يشرح للجماهير رؤية المعارضة لمساعدة مصر في الخروج من أزمتها الاقتصادية، وتقديم خطة عمل واضحة تناقش كيفية إحداث انفتاح سياسي حقيقي، وهذه أمور كان من المفترض حسمها بين أحزاب المعارضة. فهل حدث هذا؟. لا أعتقد أنه حدث حتى الآن.

اقرأ أيضا : الحركة المدنية في اختبار جديد.. تحالف انتخابي وشيك لثلاثي “الحيز المتاح”

برلمان 2025 “فرصة أخيرة”

ماذا لو أثرت مؤسسات الدولة الإبقاء على قانون الانتخابات بالقوائم المغلقة؟

أحمد كامل البحيري: إن حدث هذا، فإننا سنقف أمام المشهد المعقد ذاته الذي نعانيه منذ سنوات، وسيكون الأمر أكثر تأزيمًا وتعقيدًا بعد الانتخابات.

جزء من التغيير أن تتجاوب مؤسسات الدولة مع مخرجات الحوار الوطني الذي قدم بدائل للقانون الحالي الذي لا يصلح لظرفنا الراهن، لأن الإبقاء على القانون كما هو معناه أن مؤسسات الدولة “لا ترغب في تغيير ينقذ الوضع”.

ناصر عبد الحميد: بغض النظر على نسبة سماح النظام للمعارضة بالمشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل، في كل الحالات أرى أنه لا يجب تجاهل الاستحقاق.

ألن يفرض ذلك الوضع على بعض أحزاب المعارضة الاتجاه لمشاركة الموالاة بحثًا عن “الحيز المتاح”؟

أحمد كامل البحيري: هذا وارد طبعًا، وقد تعلن أحزاب معارضة أخرى عدم المشاركة لصعوبتها، وقد نجد بعض الأسماء تخوض الانتخابات على المقاعد الفردية فقط، وهو ما حدث في وقت سابق من رموز المعارضة مثل ضياء الدين داود وأحمد الشرقاوي وهيثم الحريري.

الأزمة ستكون في عدم حدوث تغيير. التغيير هو هدف كل التحركات في العامين الماضيين، مع انطلاق الحوار الوطني، فإذا لم تهيأ البيئة التشريعية الحالية قانونًا يفرز مجلسًا مغايرًا عن المجلس الحالي وسوابقه، فإن التأزيم سيكون سيد الموقف في السنوات الخمس التالية.

نحن أمام الفرصة الوحيدة للدولة المصرية بكل مكوناتها من سلطة ومعارضة وشعب ومؤسسات، أن تُنتج برلمانًا يعبر بقدر ما عن رغبات الناس.

وفي رأيي، أتوقع أن يصدر قانون “ثلث فردي وثلث قائمة نسيبة وثلث قائمة مغلقة”؛ لمعالجة متطلبات المجتمع من عائلات وقبائل، والتعامل مع الحد الأدنى من مطالب المعارضة، والاستجابة لرغبات الموالاة.

ننتظر “أكبر تصويت عقابي”

هل الشعب المصري يهتم بهذه الانتخابات البرلمانية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وانشغال الناس بـ”لقمة العيش”؟

أحمد كامل البحيري: أتوقع أكبر نسبة مشاركة شعبية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وكذلك أكبر نسبة تصويت عقابي في تاريخ الانتخابات البرلمانية.

وأقول إن من مصلحة النظام أن يشارك الناس والمعارضة في الانتخابات المقبلة، وأن يكون هناك مشهد انتخابي جدير بالثقة.

مصطفى شوقي: بالنظر إلى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين التي أتت بالنقيب الكاتب الصحفي خالد البلشي، وعمومية المهندسين الأخيرة، نجد حضورًا غير مسبوق، في رسالة مفادها أن وضع الناس تحت الضغوط الهائلة نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب وخلافه، يدفعها سعيًا نحو طلب التغيير.

الناس “بقى ضهرها للحيط” وفرصتها الوحيدة المتاحة الآن التغيير السلمي الآمن عبر انتخابات ديمقراطية.

الملمح المشترك في التجارب الأخيرة هو تعطش الناس لصوت مختلف وخطاب جديد ووجوه مختلفة عما رأيناهم خلال السنوات العشر الأخيرة. أما الملمح الأكثر أهمية فهو احتمالية التصويت العقابي وقوة تأثيره في انتخابات البرلمان المقبلة.

أنا بشكل شخصي موافق على خوض الانتخابات تحت أي قانون، إلا في حالة واحدة، أن تجرى الانتخابات بالقوائم المطلقة فقط.

ولكن إذا جرت الانتخابات حتى على المقاعد الفردي مع القوائم المطلقة، أرى أن الواجب الوطني يفرض ضرورة المشاركة في هذه الانتخابات.

وفي حال استمرار القانون نفسه، فإن هذا مؤشر كاشف أن السلطة تريد البرلمان ذاته وبالطريقة نفسها استمرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ما يعني منع ممثلي الشعب من التعبير عنه، وتغييبهم وتغييبه عن الساحة السياسية، كما يحدث في مجلس النواب الحالي، وهذا التكرار إذا حدث يجعل المشهد يقترب من أزمة العام 2010 بشكل كبير، لأنها ستكون انتخابات بهدف خلق برلمان يزيد التوتر والاحتقان، لا يسعى لتخفيفه.

لكي لا تسقط مصر في سيناريو مظلم

التحذيرات كثيرة من تصاعد نسب التوتر والاحتقان المجتمعي.. ما دلالاتها وإلى أين تذهب؟

أحمد كامل البحيري: الناس تشعر بأزمة حقيقة، مع ارتفاع الأسعار وموجة التضخم وتحرير سعر الصرف ورفع ثمن الخبز المدعم وقطع الكهرباء، وبدأت تعبر عن ضيقها بصراحة ودون خوف أو اكتفاء بالغرف المغلقة ومنصات السوشيال ميديا، ذلك لأن الأزمة تمس الجوع وتتصاعد تزامنًا مع امتحانات الثانوية العامة وضغوطاتها النفسية والمادية.

كنت أرى ضرورة اعتذار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن منصبه، ولهذا، فإن استمراره على رأس الحكومة يفرض عليه أن يجيب على أسئلة الشارع حول رؤية الحكومة الجديدة وحلولها.

هنا يحضرني ما قاله الدكتور عصمت سيف الدولة: “القوانين الاجتماعية لا يمكن التنبؤ بها، وكل السيناريوهات مفتوحة، ولا يوجد أحد في العلوم الاجتماعية يمتلك الجزم بحدوث شيء من عدمه”؛ ففي غياب الفعل السياسي، كل السيناريوهات مطروحة ويدعمها الغضب الشعبي الحالي.

بالطبع، هناك سيناريوهات لا أريدها على المستوى الشخصي، ولكن لا يمكن لكادر سياسي أن يقف أمام غضب الناس في ظل غياب السياسة.

هذا النوع من الغضب خطر على بنية الدولة بمكوناتها وليس على السلطة فقط؛ لذا، أتمنى أن تعي السلطة خطورة ما نمر به وأن تُدرك ضرورة العمل على إصلاحات مؤثرة برؤية جديدة تستوعب مشاركة أكبر من المجتمع المدني والسياسي، عبر إجراءات واضحة وسريعة تحقق طموح الناس.

ليس من المفيد التعويل الحكومي على تهدئة القوى السياسية وحسب، لأنه في لحظة ما وفي ظل الظروف الحالية لن يفيد اجتماع الجميع في منع غضب الناس دون وجود بدائل مناسبة.

مصطفى شوقي: نسعى ونتمنى أن تتم ترجمة غضب الناس بشكل سلمي وديمقراطي في صناديق الانتخابات، لأننا إذا لم نصل إلى هذا، ستكون مصر معرضة لسيناريوهات مظلمة قد لا تتحملها السلطة والمعارضة والمجتمع بأسره.

أيضًا، على المعارضة أن تتحمل مسؤولياتها في هذا الوقت العصيب، بتقديم خطاب مناسب للجماهير يلمس مشاكلهم وأزماتهم، ويقدم حلولًا للأوضاع الراهنة التي تشهد صفقات استثمارية لا يُمكن وصفها سوى أنها “مسكنات تؤجل فقط منع انهيار قادم لا محالة إذا لم تقدم حلول جذرية قابلة للتطبيق”.

وكذلك، على المعارضة العمل على خلق تحالف انتخابي معارض قادر على تقديم بديل للسلطة الحالية، مع التمسك بقدر كاف من النضالية، يسمح بالحركة والنشاط في الشارع مهما كانت تكلفة ذلك.

النظام بحاجة لرهان جديد

على ماذا يراهن النظام؟

مصطفى شوقي: يراهن النظام منذ العام 2011 على إمكانية حصار كل أشكال المقاومة الاجتماعية، عبر استراتيجيات شملت تأميم المجال العام داخل الجامعات، والعصف بالاحتجاجات العمالية والاجتماعية، وإغلاق المجال السياسي بأقسى قدر ممكن. وقد أدى هذا إلى حصار شامل لكل أدوات المقاومة الاجتماعية، وبات ينذر بما هو خطر على الجميع.

ولمزيد من التوضيح، دعنى أسأل: هل كان حبس أحمد الطنطاوي نقطة تفخيخ لمسار التهدئة الذي بدأته السلطة منذ الدعوة للحوار الوطني أم لا؟ في تقديري، أرى أن أداء السلطة في الانتخابات الأخيرة ثم حبس الطنطاوي يمثلان نقطة تراجع كبيرة عن وعود الإصلاح السياسي، سواء بقرار من كل أجنحتها أو برغبة جناح مُغلب فيها.

لا يهم الحديث عن الانفتاح بقدر ما تكون العبرة بالممارسات على أرض الواقع. هذه المفارقة بين الوعود والتطبيق أفقدت النظام الذي كان يحظي بتأييد كبير في العام 2014، جزءًا مهمًا من شعبيته، جعلته يواجه احتقانًا وغضبًا جماهيريًا غير مسبوق، بعد مرور 10 سنوات فقط، لأنه لم يقدم خطابًا مناسبًا للجماهير يستوعب غضبهم ويترجمه في مسارات ديمقراطية حقيقية، وهذا هو واجب السلطة الذي نطالب به اليوم حماية للجميع وحفاظًا على الدولة.

سجناء الرأي بحاجة لقانون وتفاوض

هل يمكن أن يساعد إغلاق ملف سجناء الرأي في تخفيف هذا الاحتقان والغضب؟

مصطفى شوقي: أرى أن ملف سجناء الرأي لن يغلق طالما لا تزال ممارسات السلطة وأجندتها وعقيدتها في التعامل مع اختلاف الرأي على حالها.

نحن بحاجة ضرورية وعاجلة إلى برلمان جديد لديه من القوة التشريعية ما يُمكنه من إغلاق هذا الملف، وإلا فالفرص ضعيفة للغاية في المرحلة المقبلة.

الدولة أيضًا عليها أن تغير سياستها في التعامل مع هذا الملف بأن تتعاطى معه بشكل سياسي لا أمني. وقتها فقط يمكن أن نتحدث عن نجاح في إنهاء هذه الأزمة.

أحمد كامل البحيري: ملف سجناء الرأي هو ملف دائم ومستمر، ويجب أن يظل مطروحًا للحديث والنقاش عبر مسارين:

  1. مسار جذري بإصدار قانون يحل الأزمة، ولا يضع الحبس الاحتياطي كعقوبة، وهو ما طرحته أغلب القوى المدنية في الحوار الوطني، ونحن في انتظار تنفيذ مخرجاته.
  2. مسار تفاوضي مع كل القنوات المتاحة لإعادة قوائم الإفراج إلى مسار معقول، وإنهاء حالة التجميد الراهنة.

الطنطاوي فاقد للمرونة وليس الذكاء السياسي

هل خذلت المعارضة المصرية مشروع أحمد الطنطاوي أم أضر هو بمشروعها؟

مصطفى شوقي: تجربة الطنطاوي أفادت الواقع السياسي المصري، حيث ألقت بعض الحجارة في المياه الراكدة سياسيًا بمصر، وأظهرت تعطش الجماهير لصوت مختلف، ومن هنا، أراها أفادت السياسة المصرية بطرح الأمل في التغيير الذي يُمكن العمل في سبيله.

ورغم ذلك، فإن المعارضة لم تقدم الدعم الكافي لحق الطنطاوي في استكمال تجربته، خاصة وأن حبسه كان رسالة واضحة من السلطة كما قلت سابقًا لتفخيخ مسار الحوار الوطني والتراجع بشكل ما عن وعود الإصلاح السياسي.

ولذا، لا أعتقد أن مشروع الطنطاوي أضر بالمعارضة، فقد كان في مواجهة السلطة، وقدم نموذجًا من نماذج معارضتها. الرجل لم يفتقد الذكاء السياسي كما يردد البعض، ولكنه افتقد لكثير من المرونة والتوافق الذي كان يمكن أن يجعله مرشح المعارضة كلها وبامتياز.
اقرأ أيضاً : قادة أحزاب وسياسيون بارزون لـ “فّكر تاني”: مصير أحمد الطنطاوي بين خيارات ثلاثة

البلشي والنبراوي والنموذج المثالي

كيف تقيمون تجربتي خالد البلشي وطارق النبراوي في نقابتي الصحفيين والمهندسين؟

أحمد كامل البحيري: هناك شعرة بين وجود مبادئ وتراث نضالي وتاريخ لدى كل من القيادتين النقابتين خالد البلشي والنبراوي، وبين كيفية التعامل مع نقابتي الصحفيين والمهندسين بتناقضاتهما، في وجود سلطة بكل تحفظاتها، ومع ذلك، فقد قدم البلشي والنبراوي تجربتين إيجابيتين مختلفتين ومهمتين عبر ترسيخ علاقة قوية مع الجمعية العمومية، بخطاب مناسب، لم يتنازلا فيه عن حرية الرأي والتعبير والدفاع عن سجناء الرأي، وكذلك لم يقحمانه في معارك صفرية مع الدولة. باختصار، لم يقف أي منهما في مواجهة الدولة “عشان يحدف طوب”.

وهكذا، استطاعا الحفاظ على استقلالية نقابتيهما بأكبر قدر ممكن، وأعادا للعمل النقابي حياته بعد موات، كما استطاعا بعد الانتخابات في إدارة علاقة جيدة مع السلطة، فاكتسبا ثقة الكثيرين من الذين كانوا موالين للسلطة داخل النقابتين، بل وداخل بعض أركان السلطة السياسية أيضًا تجاه أدائهما.

ومن هنا، أتوقع أن ينجح البلشي في الدورة المقبلة المقررة في مارس 2025، بأصوات المؤمنين بضرورة استمرار تجربته والحالة في نقابة الصحفيين.

وأضيف إليهما تجربة محمد بدوي في نقابة الأسنان، فقد كانت تجربة لجيل يناير، للأسف لم تحقق النجاح المأمول، ولم يطلع عليها كثير من الناس، لكنها تبقى مهمة في كيفية إدارة الانتخابات وصياغة رؤية واضحة لإدارة مصالح النقابة والعلاقة مع السلطة.

مصطفى شوقي: أتفق مع البحيري، وأضيف أن طارق النبراوي استطاع أن يدفع رجال الدولة إلى الجلوس معه على طاولة واحدة، في مواجهة ما حدث من أطراف محسوبة على مجموعات أخرى في الدولة، هذا هو المكسب الحقيقي لاستقلال الحركة النقابية.
اقرأ أيضا : عبد الله السناوي في حوار خاص: هناك نزيف شرعية واضح في الشارع.. انتفاضة الخبز أمر محتمل.. ولا نعرف المستقبل بعد ٢٠٣٠

المراجعات

هل قمتم بإجراء مراجعات لجيلكم لما حدث بعد ثورة 25 يناير و30 يونيو؟

ناصر عبد الحميد: لا لم يحدث بعد، لأننا لم نكن نستطيع الجلوس مع بعضنا البعض هكذا لفترة طويلة.

لقد كنا في وضع بلغ به الحد إلى أن مجموعة منا تم القبض عليها بسبب بحثها المشاركة في الانتخابات البرلمانية، ولذلك لم يتم بعد عمليات المراجعة على المستوى الجمعي، أما المستوى الشخصي كل شخص يراجع نفسه.

المراجعات أمر هام، ولكن لم تحدث لعدم وجود المساحة لذلك، وإذا كان هناك مساحة لم يعد أحد يملك طاقة نفسية لإجرائها، في ظل الظرف الموجود من حبس نصف المعارضين. مع من أراجع ماذا؟

مصطفى شوقى: طوال الوقت أمر المراجعات موضوع على الطاولة، لأن تلك المراجعات مسألة تحتاج إلى سياق ومناخ ديمقراطي مناسب. والسؤال هنا: هل تستطيع تلك المجموعة الصغيرة أن تدعوا 50 فردًا لجلسات متتالية، لمناقشة الوضع والتباحث حول ما جرى بعد ثورة 25 يناير.

المراجعات تحتاج إلى مناخ به قدر من الحرية يسمح أن تتم تلك العملية بشكل صحي، خاصة وأننا نراجع ونوثق في أحداث معاصرة وليست أحداث مر عليها 20 أو 30 سنة.

ميدان التحرير في يناير ٢٠١١- أرشيفية
ميدان التحرير في يناير ٢٠١١- أرشيفية

اقرأ أيضا : هاني سري الدين في حوار خاص: الأفكار الاشتراكية لا تصلح الآن.. نحتاج كل سنة “رأس حكمة” جديدة

بمناسبة التشكيل الحكومي الجديد وحركة المحافظين.. هل تقبلون بمناصب تنفيذية؟

ناصر عبد الحميد: لا طبعًا.. لن أشارك إلا إذا كان السياق العام مناسبًا لممارسة هذا العمل.

السياق يحكم أي قرار ، فإذا كان يمنح مجال للحرية للعمل سأشارك، أما ما هو دون ذلك، فالمكوث في البيت أفضل.

والسياق الحالي لا يسمح، لعدم وجود حريات سياسية، فضلًا عن أن تلك الوزارات لا تعمل بحرية.

كروت الضغط المصرية والعدوان على غزة

خارجيًا.. كيف تقيمون المشهد الإقليمي في ظل استمرار العدوان الصهيوني على غزة والضفة وماذا بقى لدى مصر من كروت ضغط؟

أحمد كامل البحيري: ما يحدث في غزة من المقاومة هو رد فعل طبيعي، وواهم من يحلم باجتثاث مقاومة شعب.

جزء ممن صنعوا 7 أكتوبر هم من حضروا الانتفاضة الثانية بالحجارة، واستطاعوا اليوم الصمود وتحدي الاحتلال الصهيوني كل هذه الشهور، فاستعادوا الالتفاف العربي والدعم الشعبي الدولي للقضية الفلسطينية، وأعادوا صياغة جيل جديد داعم للقضية، خاصة في مصر.

المقاطعة التي ظهرت في مصر منذ العدوان هي واحدة من أهم جولات المقاطعة في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني؛ فالشعب المصري مع إغلاق كل منافذ التعبير عن دعمه لأشقائه، لجأ إلى أسهل وسيلة وأكثرها تأثيرًا بالمقاطعة، ما جعله حاضرًا في دعم فلسطين، رغم كل ما يقال عن تغييبه وغيابه.

ابنتي الصغيرة نفسها، أراها نموذجًا وليدًا من عظمة 7 أكتوبر، بما اكتسبته من وعي وإصرار على إنجاح المقاطعة.

المطلوب من الدولة المصرية الآن في هذا الملف هو عدم الاكتفاء برفض التهجير، رغم دعمنا لهذا الإجراء المهم، إذ نحتاج إلى بذل جهود رسمية أكثر تفاعلية تناسب قدر مصر، خاصةً وأن مؤسسات الدولة لا تزال تمتلك الكثير من الأوراق القوية، ومن بينها إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد وطرد السفير الإسرائيلي.

اقرأ أيضا : حماس والقضية الفلسطينية في ميزان صاحب “أجنحة الفراشة” (جزء ثالث)

مصطفى شوقي: ما حدث في 7 أكتوبر وما تلاه، أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية ووضعها على أولوية أجندة الشعوب، وهذا في حد ذاته انتصار كبير، عطل التطبيع الصهيوني في المنطقة، وأعاد الاعتبار للمقاومة ودورها في المشهد.

أرى أن استمرار العدوان إلى الآن سببه الكبير حرمان الشعوب العربية من إعلان مواقفها ورأيها في دعم القضية الفلسطينية بالشكل المناسب، بالشكل الذي يتوازى مع حركة التضامن العالمية غير المسبوقة مع القضية.

وأعتقد أن استمرار العدوان بهذا الشكل هو أكبر تهديد للأمن القومي المصري، ويتطلب من القاهرة أن تكون طرفًا أكثر فاعلية لإنهاء الحرب وتأمين عمق أمنها القومي، وليس تأمين الحدود فقط، خاصةً في ظل حصارنا بصراعات خطيرة على كل الجبهات المحيطة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة