ضحت شركة “إنرجين” بأصولها في قطاعي الغاز والنفط في مصر وإيطاليا وكرواتيا، لتوسيع نشاطها في إسرائيل، التي تستغل حربها المتواصلة على قطاع غزة، لتعزيز سيطرتها على الغاز الطبيعي المملوك للسكان الأصليين.
“إنرجين” إلى “كاريش”
ذكرت إنرجين، وهي شركة بحث وإنتاج مستقلة، مقرها لندن وتعمل في تسع دول، أنها اتفقت مع شركة كارلايل إنرجي بارتنرز على شراء تلك الأصول بقيمة 945 مليون دولار، على أن يتم دفع دفعة نقدية بقيمة 504 ملايين دولار، يوجه 200 مليون دولار منها لتوزيعات أرباح على المساهمين، بالإضافة إلى سداد سندات مستحقة على الشركة، بقيمة 450 مليون دولار بالكامل.
وتتوقع “إنرجين” إتمام الصفقة بنهاية العام الجاري، وتعتزم توجيه عائداتها لتوسيع عملياتها في حقل كاريش الإسرائيلي، مع التركيز على استثماراتها في مجال الغاز الطبيعي.

ما هو حقل “كاريش” الذي تريده “إنرجين”؟
“كاريش” هو حقل متنازع عليه بين لبنان وإسرائيل، يبعد 100 كلم عن السواحل الإسرائيلية على البحر المتوسط، وحوالي 75 كيلو عن ساحل حيفا.
اكتشف هذا الحقل في يوليو 2013، وتُقدر احتياطات الغاز المؤكدة فيه بنحو 1.3 تريليون قدم مكعب.
وبوجه عام، بلغ إنتاج “إنرجين” العالمي بنهاية 2023 نحو 123 ألف برميل يوميًا، 83% منها غاز طبيعي، بينها 87 ألف برميل تضخ يوميًا في إسرائيل وحدها، يأتي معظمها من حقل “كاريش”.
تمتلك “إنرجين” في مصر امتيازات التنقيب التي تتركز على الغاز الطبيعي في حقول أبو قير وشمال العامرية وشمال إدكو بنسبة 100%، وفي نهاية 2023، بلغ إنتاج “إنرجين” في مصر 25 ألف برميل من النفط المكافئ يوميًا، 86% منها غاز طبيعي.
“إنرجين”.. رهان على الحقول المسروقة
يقول ماثيوس ريجاس، الرئيس التنفيذي لشركة إنرجين، إن الصفقة ستطلق العنان للقدرات الإدارية والمرونة المالية لدفع النمو المستقبلي، وخلق قيمة معززة من أصولها بإسرائيل.
أصول الشركة التنموية الرئيسية هي حقول غاز كاريش وكاريش الشمالي وتانين قبالة سواحل الأراضي المحتلة.
اقرأ أيضًا: كيف فصلت إسرائيل “سكينة الكهرباء” عن المصريين؟
“تانين” أيضًا من الحقول المتنازع عليها مع لبنان، وينضم ليفياثان ودولفين وداليت وتمار وتانين. ووفق التقديرات الأمريكية فإن حوض شرق البحر المتوسط، يحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل احتياطي من النفط.
وقد استحوذت شركة “إنرجين” للنفط والغاز على حقلي كاريش و”تانين” أغسطس 2016، وبعد 4 أشهر فقط، حصلت على موافقة من الحكومة الإسرائيلية لنقل عقدي إيجار كاريش وتانين إلى شركة “إنيرجين إسرائيل”، الشركة الفرعية للمجموعة، بحيث تنتهي هذه التراخيص عام 2044، مع خيار تمديدها لمدة 10 سنوات.
إسرائيل تلتهم غاز السكان الأصليين
منذ عقود، تستغل إسرائيل موقعها الاحتلالي للأراضي الفلسطينية في السيطرة على مواردها وعلى رأسها احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، بما يخدم مسعى رئيسي طويل المدى، يعكس رغبة إسرائيل في أن تصبح مركزًا للطاقة ورابطة اتصال إقليمية لتصدير الغاز.

25 عامًا من التخطيط للاستيلاء على غاز غزة مارين
برزت قضية موارد الغاز الطبيعي في فلسطين إلى الواجهة لأول مرة في عام 1999، عندما بدأت مجموعة الغاز البريطانية (بي جي) التنقيب في منطقة حقل غاز واسعة تقع على بعد 17 إلى 21 ميلًا بحريًا قبالة ساحل غزة.
يقع الحقل المعروف باسم “غزة مارين” ضمن حدود السيطرة البالغة 20 ميلًا الممنوحة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995. وقد وقع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات عقد رخصة استكشاف لمدة 25 عامًا مع كونسورتيوم (تجمع اتفاقي اتحادي بين عدة مستثمرين بهدف المساهمة في تنفيذ عمل مشترك لصالح جهة إدارية يتم التعاقد معها)، يتكون من شركة اتحاد المقاولين المحدودة (سي سي سي)، ومجموعة الغاز البريطانية (بي جي)، وصندوق الاستثمار الفلسطيني (آر اي إف). وبعد ذلك بعام، في عام 2000، اكتشفت شركة “بي جي” حقلين يبلغ احتياطيهما الإجمالي 1.4 تريليون قدم مكعب في بحر غزة.
وفي عام 2001، كان انتخاب آرييل شارون رئيسًا للوزراء بمثابة إشارة إلى موقف أكثر تشددًا تجاه فلسطين، مما أدى إلى فترة مضطربة. وكانت قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية تتحدى بشكل منهجي السيادة الفلسطينية فيما يتعلق بحقوق السيطرة والربح على هذه الحقول، وتم إيقاف الاتفاقيات المقترحة بشكل عام.
ومع بداية الانتفاضة الثانية، اتبعت إسرائيل سياسة قمعية ممنهجة تحرم التوزيع العادل لاحتياطيات الغاز الطبيعي في المنطقة. وبددت هذه البيئة السياسية الآمال في أي صفقة مربحة للطرفين، ويرجع ذلك أساسًا إلى الموقف الراديكالي لحكومة شارون.
وفي وقت لاحق، عارضت السلطات الإسرائيلية أي تمويل منتظم للسلطة الفلسطينية، متذرعة بخطر تمويل حماس في غزة. وتمحورت الاستراتيجية الشاملة لإسرائيل منذ ذلك الحين وحتى الآن بشكل أساسي حول احتكار السيطرة على احتياطيات الغاز الطبيعي في بحر غزة واحتياطيات النفط على طول الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل، مع حرمان الفلسطينيين في الوقت نفسه من حصة عادلة من الإيرادات الناتجة عن هذه الموارد.
وتسبب هذا النهج في انتكاسات مالية كبيرة للاقتصاد الفلسطيني وأعاق طريقه نحو إقامة الدولة. ولتحقيق هذه الغايات، تتخذ إسرائيل موقفًا عدائيًا في المفاوضات، وغالبًا ما تستشهد بحماس كسبب لانعدام الثقة وانعدام الأمن. علاوة على ذلك، تم تصميم مقترحات الاتفاقيات لتجاوز السلطة الفلسطينية، مما يمنع فعليًا أي فرصة للتوزيع العادل للموارد والإيرادات.

أحداث 7 أكتوبر.. الفرصة الذهبية للسطو على الغاز
اغتنمت إسرائيل أحداث 7 أكتوبر 2023 كفرصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. ففي المراحل الأولى من الهجوم على غزة، ظهرت مناقشات حول سيناريوهات بديلة، بما في ذلك اقتراح من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية يقترح نقل سكان غزة إلى مكان بديل، وشارك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بنشاط في الضغط على الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مصر للموافقة على تدفق أعداد كبيرة من سكان غزة إلى الصحراء.
علاوة على ذلك، بعد مرور ثلاثة أسابيع على الحرب، منحت إسرائيل تراخيص تنقيب جديدة لست شركات، بما في ذلك شركة “بي بي” و”إيني” للتنقيب عن احتياطيات الغاز الطبيعي في المنطقة “ج”، وهي منطقة متاخمة لساحل غزة، و62% منها ضمن الحدود البحرية التي أعلنتها فلسطين عام 2019 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي وقعت عليها فلسطين.



التعليقات