كُله بتمنه.. وهم الأمان المجاني للنساء في مصر

 

“تركت منزل عائلتي وأنا في التاسعة عشرة من عمري هربًا من أبي. لشعوري الدائم أنني سأموت من القهر بسببه. ومن هنا بدأت رحلة اكتشاف أن نجاتنا بصحتنا النفسية والعقلية ليس سهلًا مع الثمن الذي علينا دفعه لتأمين أنفسنا”. تقول إنجي، 24 عاما، من محافظة الإسكندرية، لمنصة “فكّر تاني“.

مأساة البيت الآمن في مصر

رحلة حصول النساء على الأمان في مصر ليست سهلة أو مجانية. قد يدفعن الثمن باهظًا. إما لتوفير مسكن آمن دون أي مشكلات أو وسيلة مواصلات آمنة دون الاضطرار إلى ركوب سيارات أجرة عامة مليئة بالتحرش أو دفع مئات الجنيهات في سيارات خاصة بأمان نسبي.

تستكمل إنجي، خريجة كلية الألسن بجامعة عين شمس :”دخلت الكلية. وحاولت إقناع نفسي أن دراسة الترجمة هو رغبتي الحقيقية، ليوافق أهلي على تركي للإسكندرية والسفر إلى القاهرة. اضطرت بعد وصولها للعمل في وظيفة خدمة العملاء بجانب الدراسة لأستطيع تحصيل مصاريف العيش”. 

في ذلك الوقت كانت تسكن في منطقة العباسية بجوار جامعتها وتدفع إيجارا رمزيا مع شريكة واحدة في السكن. لكن؛ في ذلك الوقت كان أصحاب الشقق يشترطون أن يكون معهم نسخة من مفتاح الشقة بحجة حدوث أي ظرف طارئ. ووافقت إنجي مضطرة.

لا توجد أي بيانات رسمية واضحة عن عدد الفتيات المغتربات في جامعة عين شمس أو القاهرة. لكن يمكن تقديرهن بالآلاف، واللاتي يلجأن للسكن في بيوت لا تديرها الجامعة وتكون أحيانا بأسعار زهيدة وبمستوى أمان منخفض.

وتستكمل ابنة الإسكندرية، أنها لم تشعر بالأمان خاصة عندما لاحظت اختفاء بعض الأشياء من البيت. تشككت أنه بسبب دخول صاحبه خلسة، ما جعلها لا تنام بأمان وتبقى مستيقظة طوال الليل قلقة أن يكون الباب مفتوحًا. حتى تأكدت من دخوله البيت وواجهته وزميلتها في السكن واضطرتا للرحيل.

وصاية بلا رقابة

رحلة بحث الطلاب الجامعيين عن سكن، لا يتبع الجامعة، أمرًا مرهقًا. فجامعة عين شمس، استقبلت العام الماضي، 220 ألف طالب، كانوا يؤدون الامتحانات الدراسية بها. بينما تستقبل المدينة الجامعية للطالبات 3500 طالبة فقط سنويا.

بعد اضطرارها للرحيل، لجأت إنجي للبحث عن مسكن آخر، فاستأجرت “ستوديو” في منطقة بعيدة عن الجامعة. كانت تدفع ضعف ما كانت تدفعه في الشقة التي سكنت فيها سابقا. كل ذلك لتسكن في مكان هاديء نسبيا وغير مستباح من صاحب الشقة. لكن؛ كانت القيمة الإيجارية تمثل ثلثي راتبها. إضافة إلى الفواتير واضطرارها لإنفاق بقية راتبها على سيارات النقل الخاصة -أوبر- للذهاب إلى الجامعة.

قد تتعرض الفتيات اللاتي يسكن -بمفردهن- إلى تحكم أصحاب الشقق فيهم بطرق عديدة. كذلك فرض وصاية عليهن. وربما يصل الأمر إلى مطاردتهن أو إخراجهن عنوة من الشقة إذا قمن بشيء لم يعجب المالك أو الجيران. وأحيانًا الاعتداء عليهن في سكنهن.

اقرأ أيضا: نشرة “هي تفكر” الأسبوعية: مطالب بوقف “أوبر” في مصر.. ومعرض فني للنساء يتحول إلى “مرحاض” إذا اقترب منه رجل

لا مواصلات آمنة ولا رخيصة

الأمان مكلف، ليس فقط الحصول على بيت آمن -دون إزعاج- أو تدخل، بل أيضا ركوب وسيلة مواصلات آمنة. لكن؛ ذلك أيضا مكلف للنساء في مصر.

سلام طالبة تدرس في كلية الهندسة، جامعة حلوان، وتقطن في مجمع سكني متوسط. لجأت لاستخدام شركات النقل الذكي، لتفادي مضايقات المواصلات العامة، سواء من السائق أو الركاب. مثلما حدث معها سابقا، من تحرشات جسدية عديدة.

على الرغم من أن المواصلة العامة تكلفها 20 جنيها في المتوسط، يوميا، مقابل 100 جنيه لـ”أوبر“؛ لكنها اتجهت إلى الأخيرة. وترى أن شركة أوبر آمنة نسبيًا بسبب التشديد في إجراءات تعيين السائقين مقابل التساهل من الشركات الأخرى، وفقا لسلام.

لى الرغم من أن الشركة لا تلقي بالًا للشكاوى التي تقدم ضد السائقين ولا تحقق بها رغم علمهم بالمضايقات التي تحدث للنساء والفتيات في مصر.

كانت شركتي “أوبر” و”كريم” التي استحوذت عليها الأولى فيما بعد، هما من أوائل شركات النقل الذكي في مصر. وبدء عملهما في عام 2014. لكن؛ رغم مرور عشر سنوات على عملهما، إلا أنه في الآونة الأخيرة أصبحت سيارات الشركة غير آمنة تمامًا للنساء. وحدثت العديد من حالات الاعتداء ومحاولات السرقة لراكبات “أوبر” خلال تلك السنوات.

المئات من حبيبة الشماع

وربما نتذكر هنا قضية حبيبة الشماع المعروفة إعلاميًا بـ “فتاة الشروق” التي توفيت بعد 21 يوما من دخولها في غيبوبة إثر إلقاء نفسها من سيارة تابعة لشركة النقل “أوبر” بعد سلوك مريب من السائق جعلها تخاف وتجازف بحياتها.

وتكررت بعدها حوادث اعتداء عديدة من سائقين تابعين لاوبر، مع غياب تحقيق جاد من الشركة في تلك الحوادث والشكاوى المقدمة ضد السائقين. يتزامن ذلك مع حملة المقاطعة لشركات النقل الذكي بسبب سياساتها غير المكترثة لأمان النساء مثل حملة “قاطعوا أوبر في مصر” و Stopusinguber.

كذلك ظهور مبادرات لنساء يعرضن خدمة التوصيل بسياراتهن الخاصة لنساء أخريات، ولكن حتى الآن لا نستطيع قياس مدى نجاح المبادرة.

في تقرير عن شركة أوبر نشره موقع بي بي سي أنه في 2022 رفعت أكثر من 550 سيدة من أمريكا دعاوى قضائية ضد الشركة بتهم الاعتداء الجنسي عليهن وتعرضهن لـ “الاختطاف، الاعتداء الجنسي، التعنيف الجنسي، الاغتصاب، الاحتجاز، المضايقات، والتحرش، أو الاعتداء” من السائقين.

وفي دراسة صادرة عن مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، صدرت عام 2021، كشفت أن 96% من النساء والفتيات تعرضن لاعتداءات جنسية في وسائل النقل العام و58% تعرضن للاعتداءات في أماكن عامة.

اقرأ أيضا: النساء المستقلات.. وحيدات في مواجهة الإيجار والأجر والتعنيف

لا عمل آمن للنساء بلا تكلفة

ومن انعدام الأمان للنساء في الطريق إلى انعدام سياسات الحماية داخل منشآت العمل. أحيانا لا يكلف النساء اختيار بيئة عمل آمنة المال فقط، بل أجسادهن أيضا. العاملات مثلا قد يكلفهن الأمر الانتقال من وظيفة لأخرى بسبب بعض الممارسات ضدهن.

ويعتبر العنف الجنسي أكثر ما يهدد النساء داخل بيئة العمل ويدفعهن إلى تركه. بجانب معوقات أخرى مثل تدني الأجور وساعات عمل إضافية تؤثر على صحتهن بخلاف التمييز ضدهن.

“كان عمري وقتها ١٧ سنة، في السنة الثانية من الجامعة كلية الآداب، عملت في مكتب عقارات، لمدة تلات اسابيع. كان المدير بيعاملني بطريقة لطيفة بشكل مريب وأزيد من اللازم” تقول ترتيل لمنصة “فكر تاني“. وأضافت أنها كانت الفتاة الوحيدة في العمل وقتها.
وتابعت :”في يوم لم يكن هناك سوانا في المكتب أمسك يدي وبدأ يتحدث عن العمل. أبعدت يدي فبدأ بقول إنه يعتبرني مثل ابنته، ثم وضع بعدها يده على ظهري وسحبني بقوة ناحيته”. للأسف؛ على الرغم من حاجتها المادية للعمل اضطرت ترتيل لتركه بعد تلك الواقعة.

نسبة النساء في تراجع

خلال العقود الماضية تراجعت نسبة مشاركة النساء في سوق العمل. في مصر وصلت إلى 17% بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2022. ووفقا لتقرير صادر عن الاتحاد الدولي للنقابات تعاني ما بين %40 إلى %50 من النساء من تلميحات جنسية غير مرغوب فيها أو ملامسة جنسية أو غيرها من أشكال التحرش الجنسي في أماكن العمل.

وتُشير نتائج مسح “التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي بمصر”، الذي شمل 3161 امرأة عاملة، إلى أن حوالي 4% منهن تعرضن لأنواع مختلفة من العنف في مكان العمل خلال 12 شهرًا سابقًا على إجراء المسح (تشمل هذه الأنواع: التحرش الجنسي، والعنف البدني أو النفسي). وبلغت نسبة المديرين والمشرفين بين مرتكبي هذه الوقائع 68.2%، بينما وقعت 28% من تلك الجرائم على يد زميل في العمل في نفس المستوى الوظيفي. إلى جانب ذلك تتعرض النساء لأشكال مختلفة من العنف والتحرش أثناء ذهابهن لمكان العمل، في الشوارع أو في وسائل المواصلات العامة.

وفي ختام أبريل الماضي أطلقت حملة باسم “شغلي الآمن أولوية” شاركت فيها عدة مبادرات ومنظمات نسوية، منها منظمة جهود لدعم المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان ومبادرة سوبروومن ومؤسسة مصريين بلا حدود للتنمية، للضغط للتصديق على اتفاقية 190 وإلزام الجهات المختصة بتفعيلها.

وتغطي الاتفاقية جميع أشكال العنف والتحرش، سواء شفهيًا أو جسديًا أو اجتماعيًا أو جنسيًا أو نفسيًا، والذي يحدث في أي وقت وفي أي مكان في جميع الظروف المتعلقة بالعمل، بغض النظر عن موقع أو حجم أو قطاع أو نوع المؤسسة، وهذا يتناسب مع التطور التكنولوجي والرقمنة في عالم الأعمال الذي يخلق أشكال ومجالات عمل جديدة ومختلفة بشكل دوري.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة