“تباهي”.. أيقونة نسوية لعوب وجريئة

 

قبل عدة سنوات، ظهرت ناشطة نسوية مشهورة، في فيديو لها ترقص وهي بملابس منزلية، ويبدو أن الفيديو لم يكن مُصورًا خصيصًا للنشر على فيسبوك وإنما كان مُرسلًا لشخص بعينه. ما فعلته تلك الناشطة كان رد قوي على فكرة تهديدها وابتزازها من شخص كانت تربطها به علاقة وقتها.

أرسلت له الفيديو وحينما هددها به قامت بنشره، وسواء اتفقنا أو اختلفنا في طريقة ردها، إلا أنها كانت مثالا للعديد من الفتيات لرفض الابتزاز والتهديد الذي يطالهن من شركاء سابقين أو حاليين، عملا بمبدأ “الصوباع اللي يوجعك إقطعه”.

تهديد النساء بتشويه سمعتهن بأفعال يعترض عليها المجتمع، يمكن أن يؤدي في النهاية إلى قتلهن من عائلاتهن، لذلك تخضع المئات للتهديد؛ لكن كان لابد في وقت ما أن تنقلب الآية وهو ما حدث مع تلك الناشطة ومن تبعها بنفس الفكرة.

 

 

لماذا علينا أن نحب تباهي؟

 

الشخصية التي قدمتها الفنانة نسرين أمين في فيلم “حملة فريزر” مع الثنائي شيكو وهشام ماجد، جاءت باسم “تباهي”، تلك الفتاة اللعوب “فتاة جامعة طنطا” لها “فيديوهات على النت” وتتباهى بفضائحها، ولا تعتبر أن في ذلك عيب، أن تظهر في فيديو فاضح لها، لم تختبئ في بيتها، ولم تدفن رأسها في وسادتها تبكي آناء الليل وأطراف النهار، ولم تزيف حقيقتها وتخلق حساب فيسبوكي باسم “ملكة بحجابي” أو “أميرة بعفافي”، وإنما دعت حبيبها للفرجة أيضا على الفيديوهات التي تسربت لها من داخل جامعة طنطا وأنها بجودة عالية رغم كونها في وضع “مُخل”.

تباهي هي مثال للفتاة المتوسطة المصرية، جمال متوسط ليس صارخًا أو لافتًا وطبقة اجتماعية متوسطة وتعليم متوسط، حتى حينما اتبعت شغفها بالفن، لم تر أن استغلالها فنيا أمر مُخجل، بل تماهت معه وراحت تنوع الأدوار في نفس المنطقة.

خلال أحداث فيلم “حملة فريزر”، تم تقديم شخصية الفتاة اللعوب -لأول مرة- على شاشة السينما في شكل كوميدي غير مبتذل أو اصطناعي أو ادعاء، تمتلك صاحبته، تباهي، حسًا كوميديًا يجعل من يشاهدها ويسمعها يقع في حبها فورا ولا يعتبر أن علاقتها مع 5 شباب في نفس الوقت أمر معيب تستحق القتل عليه، أو حينما طلبت مقابلًا ماليًا من “مديح” من أجل الإمساك بيدها، أنها فتاة متطلبة وطماعة.

ولم تخش على “سمعتها تنجرح” من باب مُغلق عليها مع رجل في غرفة فندقية، حتى لا يتم تهديدها وابتزازها فيما بعد بهذا الأمر.

اقرأ أيضا: الدَّم والقهوة والفيلم… ومحاولات الانتحار الفاشلة

لم تأخذ تباهي -فتاة جامعة طنطا- شخصيتها الهشة والمهزوزة وإمكانياتها الضعيفة، تعليميا، وثقافيا، واجتماعيا، كأداة لذرف الدموع والنواح ودر الصعبانيات، واستعطاف الجمهور، لم تدع أنها تعمل ريكلام أو فتاة بار أو عاملة في الجنس التجاري لأنها تنفق على 7 أخوات أو أن زوج والدتها اغتصبها وهي صغيرة.

ومع ذلك، لم يكن الحب بعيدًا عنها، ولم تضع حواجز نفسية أمامها لتحب وتعبر عن ذلك.

على الرغم من أنها لم تقصد ذلك، لكن ما فعلته “تباهي” هو مثال شعبي من قلب البيئة المصرية بمصطلحاتها وتصرفاتها وأفكارها وهي أيضا نموذج حي وواقعي عما ينبغي أن تكون عليه النسوية، بعيدا عن التنظير والتقعر في اللغة التي تُخاطب بها أغلب النسويات، النساء، والرجال على حد سواء، في مصر، لكن تباهي عبرت بأسلوب بسيط عن حال أغلب الرجال ويأس النساء منهم “زيك زي كل الرجالة غيرة وشك”.

كنسوية، أرى أن تباهي، لم ترضخ لمحاولات ابتزازها، ولم تُخف حقيقتها أو تزيفها، ولم تخش التعبير عن نفسها بحرية، ولم تصمت أمام ظلم رأته بعينها، وفعلت ما أرادته في كل مشوار حياتها، حتى حينما مارست فعلا فاضحا في جامعة طنطا -من وجهة نظر المجتمع- لكنها اعتبرته أمرا عاديا أن يشاهده أي أحد، حتى لو حبيبها الجديد.

 

اقرأ أيضا: “الزواج العرفي” بديلًا كي لا تخسر “حواء” صغارها

نسرين أمين هي تباهي الحقيقية

 

كنت أتصور أن تلك الشخصية، تباهي، هي فقط شخصية غير حقيقية، من وحي خيال المؤلف، ظهرت وانتهت فنيا، لكن يبدو أن نسرين أمين، تشربت نفس الشخصية، أو ربما أنها كانت كذلك من الأساس، ليتضح أن ما ظهرت عليه “تباهي” في صفاتها وليس تصرفاتها، هي جزء من شخصية نسرين أمين.

لا تخجل أمين من الرد على بعض المسيئين لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حينما تتلقى تعليقات سخيفة من متابعين/ات يسخرون من شكلها أو ستايلها أو جمالها أو أسلوبها في الحديث، فترد بأسلوب لطيف “على أدنا بقى يا حنون”، لا تهاجم ولا تتحدث بفوقية مثل الغالبية خاصة من أبناء التيار المحافظ والديني المتشدد.

أما عن بقية تصريحاتها التلفزيونية، فتجربة الزواج القصيرة نسبيا في سن مبكرة، 17 عاما، أنجبت خلالها ابنة وحيدة، جعلتها تنضج قبل أوانها ولم تندم على تلك التجربة، وقالت في أحد البرامج، إنها فخورة بكونها امرأة لأنها حققت نجاحات كثيرة، كما أنها من المؤيدات لأن تتواجد المرأة في مناصب قيادية تستحقها أسوة بالرجال.

وإذ يبدو أن نسرين أمين لها رؤية مختلفة عن السائدة في أمر الزواج والعلاقات، فلن تكون الفتاة المنكسرة التي ترضى بأي معاملة، فهي ترى أنه إذا عنفها رجل ما ستعنفه وإذا ضربها ستضربه، بخلاف أنها وضعت شروط قوية للزواج بأحدهم، الأول أن تنبهر به وبشخصيته، الثاني أن يكون مقتدرا ماديا، وهذا أيضا عكس النظرة التي يحاول الأغلبية دفع النساء إليها دفعا، أن يقبلن بحالة الزوج المادية المتواضعة ليتم الزواج وأن تكون “بنت أصول” ترضى بذلك حتى لا يُنظر إليها أنها مُتطلبة أو طماعة.

اقرأ أيضا: “أشغال شقة” في عش الزوجية

نسرين أمين كفنانة موهوبة

أغلب من لمست شخصياتهم عن قرب، خاصة المؤمنات بالمبادئ الحقوقية، كُنْ هادئات ومبتسمات وقويات عند عرض أفكارهن، لم يكن صاحبات صوتٍ عالٍ أو صخبٍ في الحديث أو استعلاءٍ أو مصادرةٍ لحقوق الآخرين في الحديث. وإذ يبدو أن “تباهي” أو نسرين أمين كذلك.

ولا تشعر أمين -بشخصيتها الحقيقية- أنها أقل من الآخرين، وكانت جريئة حينما اتهمتها الإعلامية بسمة وهبة أنها أصبحت مغرورة بعد عرض الفيلم، فردت:”أنا مغرورة من البداية”.

وفي الوقت نفسه في ليست فنانة ذات موهبة ضعيفة تعتمد على كونها أنثى فقط للنجاح، فالمتتبع لمراحل تطورها، سيجد أعمالا فنية ذات قيمة عالية، مثل دورها في مسلسل “سجن النساء”، وظهرت بدون تكلف ولا مكياج “أوفر” ولا حتى بسيط “نوميكب ميكب” مثلما تفعل أغلب الفنانات؛ لكنها ظهرت بدون مكياج نهائيا، بخلاف أدائها القوي.

لترد بذلك على الاتهامات التي تطال معظم النساء الناجحات، أنهن ينجحن إما لأنهن فقط نساء أو لأنهن جميلات وغير موهوبات؛ لكن أمين، كسرت تلك القاعدة، كما أنها لم تغازل المتدينين والمحافظين كما تفعل الباقيات، لكسب رضا الأغلبية من الجمهور، الذين قد يرون أن أداءها الفني ضعيف.

باختصار، نسرين أمين أو تباهي، ينبغي أن تكون الأيقونة التي ينظر إليها النسويات خاصة الشابات الجدد، ليتعلمن كيف يعبرن عن حقوقهن وآرائهن وينلن الاحترام في الوقت نفسه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة