قبل خمسين عامًا، لم يتخيل أحد أن يتحكم الهنود في صناعة تكنولوجيا المعلومات والبرمجة، وأن تخترق الشركات التقنية الهندية السوق الأمريكية، وتصبح مصدر توظيف للأوروبيين أنفسهم الذين يشاهدون حاليًا كيف يزحف أبناء نيودلهي للمناصب العليا بأفضل شركات تكنولوجيا المعلومات على مستوى العالم وبوتيرة تضاهي تطور الذكاء الاصطناعي في واقع هذا التقدم.
تستحق التجربة الهندية الدراسة المتأنية للدول التي لا تزال في مرحلة ما قبل الحبو في هذا المجال، ومنها مصر، بعدما ارتفعت نسبة مساهمة هذا القطاع بالناتج المحلي الهندي من 0.4% عام 1991 إلى 8% حاليًا، فضلًا عن استئثار الهنود بـ12% من حجم جميع الشركات الناشئة المعترف بها في جميع أنحاء العالم، ومرتبة متقدمة بين الدول الكبرى في صناعة البرمجة والتقنية وتصديرها.

دور الدولة.. الإنفاق والدعم

يقول المهندس مؤمن موسى، خبير تقنية المعلومات، إن السياسات التعليمية الهندية لعبت دورًا حاسمًا في بناء قاعدة مهنية للشباب الهندي في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ حيث تمتلك الهند نظامًا تعليميًا قويًا يركز على مواكبة أحدث التقنيات وتطورات علم الحوسبة.
وتقدم الجامعات والمعاهد التقنية فى الهند تقدم برامجًا تعليمية عالية الجودة في مجالات مثل علوم الحاسوب وهندسة البرمجيات، ما يمكن الطلبة من اكتساب المهارات اللازمة للدخول في صناعة تكنولوجيا المعلومات.
ويضيف موسى أن حكومة الهند دعمت 23 معهدًا متخصصًا في تدريس تكنولوجيا المعلومات بما يوازي 880 مليون دولار في العام الدراسي 2016/ 2017، بحيث استفاد من هذا الدعم نحو 11 مليون طالب وطالبة.
ويتعلم الأطفال البرمجة في الهند من سن مبكرة حتى أن بعض المحترفين بها حاليًا لا يتجاوز عمرهم 9 سنوات، ما دفع العديد من عمالة التقنية العالمية لدعم الشركات الناشئية الهندية في ذلك المجال، مثل بيل جيتس الذي يرى أن المبرمج ذي السنوات السبع قد يكون المدير التنفيذي القادم لشركة مايكروسوفت في سن الـ21، وكذلك مارك زوكربيرغ الذي يعتبر "البرمجة صناعة التاريخ".
وساهم في الإقبال على صناعة البرمجة وتكنلوجيا المعلومات الراتب الجيد للعالمين بها، إذ يبلغ راتب المبرمج الهندي في بلاده 5 ملايين روبية (الدولار بـ 82.5 روبية)، لكن القطاع الأكبر من المبرمجين يفضل الخارج سعيًا وراء راتب أكبر؛ ففي الولايات المتحدة يبلغ راتب المبرج بين 124,847 دولارًا و149,037 دولارًا.
ما وصلت إليه البرمجة في الهند
ارتفعت صادرات برامج وخدمات الكمبيوتر، والتي تشمل تكنولوجيا المعلومات، وخدمات تكنولوجيا المعلومات "أي تي" والاستعانة بمصادر خارجية للعمليات التجارية "بي بي أو" بنسبة 12.2% في الفترة 2022-2023 مقارنة بالعام السابق، وفقًا لتقديرات مجلس ترويج صادرات الإلكترونيات وبرامج الكمبيوتر.
وقال رئيس مجلس إدارة شركة "إي إس سي"، سانديب نارولا، إن البرمجيات وخدمات تكنولوجيا المعلومات استحوذت على الحصة الأكبر من الصادرات، حيث ساهمت بمبلغ 126 مليار دولار، تليها خدمات تعهيد العمليات الخارجية (BPO) التي ساهمت بـ 52 مليار دولار، وتطوير منتجات البرمجيات بمساهمة 5.1 مليار دولار، والخدمات الهندسية بـ 9 مليارات دولار.
كما ارتفعت صادرات خدمات تعهيد العمليات التجارية نمت بنسبة 14.63% ومنتجات تكنولوجيا المعلومات بنسبة 13.33%، وهي إشارات إيجابية للمستقبل، خاصة أن السوق العالمية لتكنولوجيا المعلومات وخدمات تكنولوجيا المعلومات، باستثناء الأجهزة، تقدر بنحو 1.11 تريليون دولار عام 2023.

وادي السيليكون بالهند
تمثل بنجالور، عاصمة ولاية كارناتاكا (على الساحل الغربي في الجزء الجنوبي للبلاد)، النسخة الهندية من وادي السيليكون، بعدما أصبحت وجهة مفضلة للمستثمرين الأجانب والشركات المتعددة الجنسيات بسبب مزايا البنية التحتية والتخفيضات الضريبية، حيث افتتح 80% من عمالقة تكنولوجيا المعلومات العالميين مكاتبهم في المدينة.
مساهمة بنجالور الاقتصادية تزيد على 87% من إجمالي الناتج المحلي لولاية كارناتاكا، ويساهم مركز تكنولوجيا المعلومات بها بما يتراوح بين 34% و40% من إجمالي صادرات تكنولوجيا المعلومات من الهند، كما تم إعلانها كواحدة من أذكى المدن (وأكثرها تقدمًا) في العالم من قبل العديد من المنظمات.
تضم المدينة 15 ألف متخصص ماهر في مجال تكنولوجيا المعلومات، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 80 ألفًا قريبًا، وهذا قدر هائل من الأصول البشرية التي يمكن للشركات توظيفها ودمجها في مشاريعها، كما تتوفر بها المعاهد الأكاديمية وكليات الهندسة، كما تسمح السياسات الحكومية للشركات بالعمل بفعالية دون دفع ضرائب باهظة بجانب تسهيلات جمركية عند استيراد الأجهزة اللازمة للعمل.
لماذا الهنود؟
طبقا لموقع "ستاتيستا" الإحصائي، من المتوقع أن يصل حجم الإنفاق على التعليم التكنولوجى فى الهند إلى ما يقارب 10 مليارات دولار بحلول عام 2025، كما تبنت الحكومة سلسلة مبادرات لدعم الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا المعلومات، بتبسيط إجراءات التأسيس والتشغيل للشركات الناشئة، والدعم المالي عبر المؤسسات المالية وبرامج الدعم الحكومية، وتقديم برامج التدريب والتأهيل.
اقرأ أيضًا: التعليم “لمن استطاع إليه سبيلًا”
أدى تركيز التعليم الهندي على الرياضيات والعلوم إلى ازدهار صناعة البرمجيات، وتدريب الخريجين على المهارات المناسبة، التي تُدعم بشكل أكبر في أفضل كليات الهندسة أو الإدارة في الولايات المتحدة، فضلاً عن تعليم اللغة الإنجليزية جعل من اندماج الهنود في مجال التكنولوجيا الأمريكية أمرا هينًا بالنسبة لهم.
تُعد الهند جميع الطلاب لمواجهة تحديات الحوسبة الحديثة، وتخصص فصول معملية أسبوعية ونصف أسبوعية للتدريب وتطلب من الطلاب كتابة تعليمات برمجية بلغة BASIC الشهيرة وVisual Basic من سن مبكرة، كما ترعى العديد من مسابقات البرمجة مثل مسابقة البرمجة الجماعية الدولية ACM ومسابقة Google Code-in.
يلعب المجلس الوطني لتعليم الكمبيوتر (NCC.E) دورًا كبيرًا في تعليم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، ويزود الطلاب بمهارات تمنحهم الثقة لمواجهة تحدي تكنولوجيا المعلومات العالمية، ويوفر هيئة تدريس متخصصة لطرق أبواب المناطق الريفية النائية من أجل ضمان إلمام جميع العقول الشابة بالتقنية التي تؤهلهم لسوق العمل.
بحسب "الرابطة الوطنية لشركات البرمجيات والخدمات" فإن هوامش التشغيل لشركات البرمجيات الهندية ارتفعت إلى أعلى مستوى في سبع سنوات بنسبة 25% في المتوسط العام الماضي، وقد تمكنت هذه الشركات من خفض التكاليف مع عمل الموظفين من المنزل، وتقلص الأعمال التي يقوم بها الموظفون في مقر الشركة وتراجع نسبة ترك العاملين لوظائفهم في الشركات.
ما تحتاجه مصر لتبدأ

يقول محمد النجار، الخبير الاقتصادي، إن مصر لو أرادات فعلاً تصدير برمجيات بمليارات الدولارات سنويا مثل الهند وأن يعمل بها 10 ملايين شاب، فعليها البدء في التعليم، وأن يكون لدى كل طالب من الابتدائي لديه حاسب آلي وإنترنت سريع، وتعليم فني متخصص، وجامعات في متناول الناس متخصصة في البرمجيات بعشر أضعاف الحالي.
يعود ارتفاع صادرات الخدمات في الهند إلى قطاع الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذي يمثل قرابة النصف بقيمة 125 مليار دولار أمريكي من إجمالي صادرات الخدمات، ومن بين تلك الخدمات يشكل خدمات الكمبيوتر حصة الأسد بمقدار الثلثين.
يضيف النجار أن التقدم في التكنولوجيا ليس بسرعة الانترنت أو عدد شركات المحمول والانترنت أو عدد المشتركين فيها مثلما يتحدث وزير الاتصالات دائمًا، فتقدم الأمم يحدث بالاهتمام بالتعليم والصحة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا.
يوجد أكثر من 900 مليون مستخدم إنترنت في الهند، مما يجعلها ثاني أكبر دولة من حيث عدد المستخدمين بعد الصين. كان إطلاق مشروع “الهند الرقمية” في عام 2015 أحد الأسباب الرئيسية لاعتماد الإنترنت السريع في البلاد. واستهدف هذا المشروع جعل الخدمات الحكومية متاحة رقميًا للمواطنين، وإنشاء البنية التحتية اللازمة مع توافر شبكة الجيل الرابع بتكلفة منخفضة، ثم الجيل الخامس لاحقًا، وقد أسهم هذا التطوير في خلق بيئة مناسبة لتنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات.
بحسب وزارة التعليم العالي، فإن مصر قطعت شوطًا في مجال الاهتمام بالتقنية المعلوماتية فهناك ازدياد ملحوظ في عدد كليات الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي إلى 91 كلية ومعهدًا خلال العام الدراسي الجاري، مع نمو ملحوظ في أعداد الطلاب المُلتحقين بتخصصات الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي في مصر.
لكن توجد تحديات كبيرة بمصر تحد من انتشار التعليم التقني والبحوث العلمية التي تعتمد على الجانب التكنولوجي مثل بطء سرعة الإنترنت وتكلفته التي ربما لا يستطيع البعض تحملها، وعدم تمويل المشاريع التعليمية التكنولوجية، وتركيز التمويل على الاستثمارات ذات العائد السريع مثل تقنيات وتطبيقات الدفع الإلكتروني.

ويقول مصطفى أبو زيد، مدير مركز مصر للدراسات الاستراتيجية، إن صادرات صناعة البرمجيات الهندية وصلت إلى 150 مليار دولار، وعدد العاملين فيها 4.5 مليون مهندس، وُيمكن لمصر الاستفادة من تجربتها الرائدة.
وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2021 إلى انخفاض صادرات مصر في السلع عالية التقنية كنسبة من الصادرات الصناعية إلى 3%، ما يدل على عدم توافر قدر مناسب من الصناعات التكنولوجية للسوق المحلية.
وتؤكد دراسة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزارء، انخفاض وتدني في مؤشرات البنية التحتية التكنولوجية والتقنية لمصر مقارنة مع باقي الدول؛ فالإنفاق على البحث والتطوير العلمي كنسبة من الناتج المحلي منخفض جدًّا وبعيد عن المعدل العالمي حين مقارنتها بدول مثل إسرائيل أوكوريا الجنوبية.
لكن مصطفى أبو زيد يقول إن مصر مهتمة بتطوير قطاع تكنولوجيا الاتصالات، وهو أحد المحاور الثلاثة من ضمن الإصلاح الهيكلى الذي يستهدف زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 8% في غضون 3 سنوات.
