الأحد, يناير 18, 2026
spot_img

في شوارع القاهرة.. المستحيل مش بنت

“لولا عم وسيم مكنتش عرفت اتصرف ازاي.. أيوة أنا كنت مقررة وبدور على أي قشة اتعلق بيها ومكنتش هيأس، بس الراجل ده ساعدني في وقت كنت تايهة مش عارفة أبدأ ازاي”.

كانت بدايات “دينا صلاح” شاقة؛ فهي امرأة مطلقة تحاول وحيدة البحث عن مصدر رزق تعول به ابنتها الصغيرة، في وقت لا تملك إلا القليل الذي لا يمكنها من إدارة أكثر من “عربة بيع مشروبات ساخنة”، لم تكن تملك من مكوناتها إلا غلاية وموقد صغيري الحجم.

“لفيت شوارع الحيّ العاشر لحد ما ولاد الحلال دلوني على عم وسيم”؛ تقول “دينا” لمنصة “فكر تاني” التي التقتها في مقر عملها الحالي بأحد شوارع مدينة نصر (أحد أكبر أحياء شرق القاهرة).

“عم وسيم” هذا الذي تنسب إليه “دينا” الفضل في بداياتها يملك محلًا لبيع منتجات القهوة والشاي والينسون. وكان أول من التقته في رحلة بحثها عن رزق حلال.

تضيف “دينا”: “عم وسيم نصحني في البداية إني اشتري من كل نوع قهوة 1/8 كيلو بس لأني لسة مُبتدئة.. قال لي جربي الأول في حبة بُن صغيرة وشوفي الزبون هيتعود على ايه وبعدين زودي براحتك حسب الطلب”.

لم يكتف “عم وسيم” بإرشادها فقط -كما تقول “دينا”- بل حاول مساعدتها في توفير منتجات من البن أرخص نسبيًا من مثيلاتها وبجودة معقولة. “كانتْ الأسعار بتبدأ من 300 جنيه للكيلو.. اشتريت 1/8 كيلو بس من كل نوع وبدأت واهو ربنا بيوفقني”.

اقرأ أيضًا: “الأسقف الزجاجية” وما تعانيه النساء في أماكن العمل

عربة مشروبات ساخنة تعمل عليها "دينا"
عربة مشروبات ساخنة تعمل عليها “دينا”

اعتمدت “دينا” في بداياتها على سياسة “ما يمكن توفيره بأفضل سعر ممكن” من عبوات لحفظ البن وصولًا إلى العربة التي ستعمل عليها. تقول: “كانت فلوسي كلها محدودة جدًا. أجّرت العربية من واحد بـ 60 جنيه في اليوم. كانت عربية غَزل بنات بسيطة بتتعمل عند الحدادين في شارع أربعة ونص، وجبت كاتل صغيرة كانت عندي، وبوتاجاز نور أنبوبة صغير أوي، ما كانش معايا فلوس لمكنة القهوة.. كُلّ واحد بيشتغل على قده.. وربنا مش سَايبني، بِيبْعتلي رزقي أنا وبنتي”.

متوسط يومية “دينا” في اليوم يتراوح بين 70 و100 جنيه، ترضيها، وإن كانت تحلم باستخراج تصاريح لعربتها لم تتمكن من تكلفتها إلى الآن. ومع ذلك، تقول: “لحد دلوقتي ما قابلتنيش مشاكل مع البلدية.. بصراحة الناس سايبني أشتغل براحتي وأحاول أكسب رزقي.. أعتقد إن أهم حاجة عندهم إن الشارع يفضل نضيف. مش هتبقي واقف جنب عامود نور حكومة وبتسترزق، وتسبيلهم الشارع مش نضيف كمان”.

سجلت حالات الطلاق في مصر 269.8 ألف حالة في العام 2022، مقابل 254.8 ألف حالة طلاق عام 2021، بنسبة ارتفاع قدرها 5.9%، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي وثق تسجيل حالة زواج كل 34 ثانية، ومولودًا كل 14 ثانية، وحالة طلاق كل 117 ثانية عام 2022.

مين قال إنها بالسن.. المستحيل مش بنت

في الشارع الجديد بمدينة نصر تصطفّ العديد من مشروعات سيارات القهوة الأخرى التي تُديرها فتيات ونساء، اختبرتهن الحياة أشد اختباراتها، فقررن أن يصمدن في وجهها، يتحايلن على قسوتها بنحت الصخر بحثًا عن أرزاقهن.

“عندي مشاكل كتيرة في البيت، معرفتش أدخل الجامعة وأكمل تعليمي، وفي نفس الوقت لازم أساعد أهلي بأي قرش حلال.. سألت على الشغلانة دي.. في الأول وقفت على عربية قهوة مش بتاعتي، وبعدين حوشت من يوميتي وفتحت المشروع ده لوحدي استرزق منه”.

لم تجد “منة”، البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا، سوى تلك الحرفة البسيطة في ظل أزمة الفقر التي تعاني منها مصر منذ فترةٍ طويلة وما زالت. تقول في حديثها لـ”فكر تاني”: “عرفت من يوميتي أجيب العربية دي بالأجرة، وجبت بضاعة على قد الايد.. وبدأت في الأول بكميات بسيطة.. أختي ساعدتني شوية.. ودلوقتي بعرف أكسب حوالي 100 جنيه في اليوم وأهو كله حسب تساهيل ربنا.. العربية دي رجعت لي الأمل اللي كنت فقدته في البحث عن شغل”.

حسب بيانات الجهاز المركزيّ للتعبئة العامة و الإحصاء، وصلتْ نسبة الواقعين تحت خط الفقر إلى حوالي 32.5% في عام 2020، وارتفعت خلال هذا العام 2023 إلى حوالي 33.3%، بينما من المُتوقّع أن تصل هذه النسبة إلى حوالي 36% في العام 2025. ذلك، في وقت أشارت البيانات إلى انخفاض عدد الفتيات المُلتحقات بالتعليم الثانويّ من الأسر الفقيرة نتيجة ارتفاع معدلات الفقر؛ وهي الفئة الأكثر معاناةً نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار المتزايدة وتيرتها.

من عربية القهوة دي.. أنا بنت مصرة تحقق حلمها

“بقالي سنتين بصرف على نفسي وكتبي وتعليمي.. بابا مندوب في شركة بسيطة.. اشتغلت في كذا مكان قبل كده. ابن عمي أجّر لي أنا وأختي عربية القهوة دي، بقف أنا وهي عليها بالتبادل، ورديتين واحدة من الصبح لحد المغرب والتانية من المغرب لحد الفجر.. المشروع حلو وأنا بحب أعمل القهوة قوي، بحس إني بكون مبسوطة وسعيدة وأنا بعمل حاجة بعشقها وفي نفس الوقت بساعد بيها نفسي.. هو مشروع مربح، ممكن أكسب في اليوم الواحد 100 أو 150 جنيه.. ولما بنداوم أنا وأختي على الورديتين، الحمد لله بنكسب أكتر”.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

وجدت “أميرة” -طالبة الثانوية العامة- في مشروع عربة القهوة الصغيرة وسيلةً للتخلص من ظروفها الاقتصاديّة والغلاء المتزايد في الآونة الأخيرة. تقول في حديثها لـ”فكر تاني”: “مكنتش هقدر اتفرج على أهلي يتحملوا مصاريف دروسي لوحدهم، خصوصًا إني بحب اعتمد على نفسي.. المشروع ده حقق لي جزء من حلمي.. هكمل دراستي وهوصل الجامعة وهقدر أكمل اللي الناس شايفينه مستحيل”.

“أميرة” أيضًا لا تشتكي المضايقات الأمنية لمصدر رزقها، رغم أنها لا تملك تصريحًا. تقول: “بصراحة ما فيش مضايقات من الشرطة، وكأنهم عارفين إننا على باب الله.. احنا ما بنعملش حاجة غلط.. بنحاول نقاوم ظروفنا الصعبة من غير ما نكلف الدولة”.

هذه المهنة تندرج تحت فئة العمالة غير الرسمية، والتي نمت في مصر حلال السنوات الأخيرة بشكل كبير وصل إلى 62.5%، وفق أحدث تقرير للبنك الدولي، الذي أرجع نموها إلى مشكلات قانونية وتنظيمية ومؤسسية، تتمثل في طريقة تصميم التأمين الاجتماعي، والأنظمة والأعباء القانونية والضريبية، وتطبيق القوانين واللوائح، وإجراءات تسجيل الشركات، وتسوية النزاعات التجارية، والحصول على الائتمان، والفساد، والمنافسة غير العادلة.

ايد على ايد بتساعد.. المرأة كعائل لأسرتها

“جوزي سوّاق على باب الله، مريض سكر، بيشتغل يوم اه ويوم لا. الأسعار والعيشة بقت صعبة وغالية قوي، فتحت المشروع ده من ساعة ما اتجدد الشارع ده، ايد على ايد بتساعد والدنيا بتمشي”.

“جيهان”، سيدة مُتزوّجة وأم لأربعة أطفال، أصغرهم يبلغ من العمر ثلاث سنوات، تروي لـ”فكّر تاني”، كيف بدأت مشروعها الصغير دعمًا وإعالة لأسرتها: “بدأت برّمالة لصنع القهوة وبعد شوية عرفت أجيب ماكينة قهوة عشان فيه زباين ما بتحبش القهوة ع الرمالة.. شكلها كمان بيفرق في نظرة الزبون لصاحب الشغل”.

يومية “جيهان” تصل إلى 150 جنيهًا، صافي ربح بعد تسديد أجرة عربة القهوة التي تعمل عليها ومصروفات الخامات التي تُعد منها منتجاتها.

لا تشتكي “جيهان” مضايقات بعض المارة. تقول: “أنا عن نفسي بلاقي حماية من الشرطة في وقت شغلي بالليل”. لكنها هنا على عكس “منة”، التي لم تسلم من التحرش وما زالت، خاصة التحرش اللفظيّ منه أثناء عملها ليلًا. تقول: “بنتعامل مع التحرش بخشونة وبنعرف نوقف البعض عند حدهم، والأهم إننا ما بنتعرضش لتنمر.. كتير بنلاقي ناس بيشكروا في إننا بنات مصرين على إنهم يحققوا ذاتهم ويقاوموا ظروفهم ويكسبوا بالحلال، وإن كان البعض بيبص لينا بنظرة: يا حرام بنت ولوحدها.. خلي بالك من نفسك”.

اقرأ أيضًا: عذرًا سيدتي.. سوق العمل لا يبصر

البنت محتاجة تقدير للذات 

يرى جمال فرويز، استشاري الطب النفسيّ، أنّ الإحساس بالذات والشعور بالثقة بالنفس أصبحا جانبيْن أساسيّيْن لإمتهان الحرف البسيطة؛ فعندما يمتهن الشخص سواء كان رجلًا أو امرأةً، ولو حتى حرفة بسيطة بدخلٍ ضئيلٍ، يشعُر بذاته وقيمته/ا في المجتمع وأنه/ا عضوٌ عامل/ة وليس عالةً على أسرته/ا وعلى المجتمع بأسره.

كما أنّ الأوضاع الاقتصادية الراهنة التي يعيشها المجتمع المصري من غلاء الأسعار المبالغ فيه أصبحت مُحرّكًا أساسيًّا لامتهان تلك المهن؛ مُعلّلًا ذلك، في تصريحاته لـ”فكر تاني”، بأنه أحيانًا تكون مهنة هذه الفتاة أو السيدة، النّواة الداعمة لنفقات البيت رُغم كونها بسيطةً؛ لأنّ دخل عائل البيت والزوج يكون غيرَ كافٍ.

وعن نظرة المجتمع التنمُريّة أو الدونيّة تجاه تلك المهن، يقول “فرويز” إن هذه النظرة قد تغيّرتْ وتبدّلت كليًّا مع الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعيّ. “الناس اتعودت على شغل البنات.. الموضوع بقى أمر واقع، وبالعكس بيلقى استحسان كبير”.

وإن كان “فرويز” يفرق بين ثقافات وأخرى داخل المجتمع المصري، انتقالًا بين الحضر والريف، الذي لا يزال يحتفظ بنظرة رجعية إلى حد ما تجاه المرأة.

عمل المرأة ضرورة قصوى

يُفسّر استشاري الطب النفسيّ أيضًا نسبة المطلقات بين العاملين في هذه المهن البسيطة، فيقول: “من الضروريّ لكل فتاة أن تعمل قبل الزواج حتى تستطيع الاعتماد على ذاتها إذا وقعت أية ظروف خارجة عن إرادتها؛ كوفاة الفرد المعيل في أسرتها، أو إذا أصبحت الحياة مستحيلة بينها وبين زوجها”.

وهو يرى أن العديد من التجارب أثبتت أن المرأة دون مهنة ثابتة قبل الزواج تتعرض للكثير من الضغط النفسي بعد الزواج في شكل إهانات وضرب من قِبَل الزوج، خاصةً إذا كان شخصًا مُضطربًا لا يرى قيمتها الذاتية. هذا النوع يرى في زوجته القيمة فقط إذا كانت قادرة على الاعتماد على نفسها، لأنه في أغلب الأحوال يعتمد على حقيقة أنه هو السند والمعيل الوحيد، وزوجته لا تستطيع الاستغناء عنه ومن ثم يفرض عليها مزيدًأ من الوصاية والتحكم والسيطرة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة