الحزب الوطني الديمقراطي هو الحل

بالتأكيد يبدو عنوان المقال صادماً ولكن لا تجعله خادعاً كذلك عزيزي القارئ، فكاتب هذه السطور عرف بعدائه الشديد للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قبل ثورة يناير وانتقاده الدائم له؛ بل وكانت قضية التوريث أحد أهم الملفات التي ناضل من أجل مقاومتها حتى قيام ثورة يناير.. فما الذي تغير الآن؟

دعني أوضح موقفي وأقرأ بعناية – من فضلك – حتى نهاية المقال، فالحزب الوطني الديمقراطي الذي أتحدث عنه، ليس هو الحزب الذي أسسه الرئيس السادات ليكون أداته السياسية للحكم وتوزيع الثروات من خلاله ليؤسس لإمبراطورية فساد تخللت كل مؤسسات الدولة في شمال مصر وجنوبها بعد ذلك.

ولكن قبل أن أستفيض في ما أقصده دعني أذكر بعض القواعد التي أراها أساسية لفهم المشهد السياسي، فالتاريخ – حسب علمي المتواضع – لا يذكر نموذج لنهضة دولة في العصر الحديث دون نشأة نخبة حاكمة ذات مصداقية تقود الرأي العام وتحوز على ثقته، وتتمثل هذه الثقة بشكل عملي في حزب (أو أكثر طبعا) يعبر عن هذه النخبة ويحول طموحاتها إلى برامج وسياسات عملية، بالطبع بعض الدول التي نهضت قادتها أحزاب ديكتاتورية، ولكن أن تتحقق النهضة دون وجود حزب سياسي تجتمع خلفه إرادة الأمة، فهذا أمر لم أسمع به من قبل، وأرجو إن كان لديك بعض الاستثناءات التي لا علم لي بها أن تذكرها في تعليقك على المقال لعلنا جميعا نستفيد.

وبناء على ما سبق أستنتج أنه لا يمكن أن تحدث نهضة في مصر أو أي بلد متعثر قبل أن يكون هناك حزب سياسي له برنامج واضح تجاه التحديث والتطوير وقبل أن يحوز ذلك الحزب على ثقة الجماهير ودعمها لتنفيذ ذلك البرنامج عن طريق الوصول للسلطة.

ولا تجعل كلماتي تخدعك عزيزي القارئ، فأنا لا أدعي أن مجرد وجود حزب يحوز على ثقة الناس ويصل للسلطة كافي للوصول إلى النهضة والتطوير، فالتاريخ يخبرنا عن الكثير من الأحزاب التي حازت على ثقة الجماهير أو حتى وصلت للسلطة بالقوة ثم فشلت وفسدت، ولكن الأمر يشبه أن نقول إننا نحتاج لمركب (سفينة او طائرة) لعبور المحيط، بدون مركب يستحيل عبور المحيط ولكن وجود المركب ليس ضمانة نهائية لعبوره.

ولكى يكون لدينا حزب ناجح (ثم حاكم) على المستوى القومي – وهذه قناعة راسخة لدي قد تختلف معي فيها – يجب بالتعريف أن يكون حزبا وطنيا، أي يعترف بسيادة الدولة المصرية على حدودها واستقلاليتها في قراراتها، حيث لا أتصور أن يتمكن حزب من الوصول للجماهير ثم الوصول للسلطة، بعد ذلك إذا لم تكن “الوطنية” أحد الأسس التي ينبني عليها.

ولكى يمكن تكوين حزب حاكم في يوم ما في بلد مثل مصر، فلا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك أساس لجمع الجزء الأكبر من النخب السياسية الوطنية عليه أفضل من “الديمقراطية”، فالديمقراطية هي أولا أساس عادل وسليم للعمل الجماعي يقر به حتى أعدائها أنفسهم بإقرارهم بأن أقوى دول العالم وأكثر مجتمعاته رفاهية وتنظيما هي المجتمعات الديمقراطية، كما أنها تتسع كمظلة للمختلفين من اليمين واليسار إذا اتفقوا على قواعد للعمل وآليات محددة لحسم الخلافات والصراعات الداخلية، بل أنه لا يمكن لأى كيان يسعى للحكم عن طريق حيازة ثقة الجماهير الاستغناء عن مظلة الديمقراطية بكل ما تعنيه من الامتثال لحكم القانون واحترام مبادئ حقوق الإنسان حتى لو لم يكن يؤمن بها بشكل حقيقي.

ولكن الأمر يظل أكبر من ذلك، فأنا لا أتصور أن مجرد اتصاف حزب بأنه حزب وطني وديمقراطي يعني أن هذا الحزب مؤهل للوصول للسلطة وإقامة نهضة، وفي الواقع فإن أغلب الأحزاب الموجودة على الساحة منذ ظهور فكرة الأحزاب في مصر هي أحزاب وطنية أو تدعي أنها وطنية، بل وليس من المستغرب أن أول حزب نشأ في مصر كان هو الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل رسميا عام 1907.

وأيضا كون أن يصف حزبا نفسه بأنه ديمقراطي يكاد يكون أمرا مبتذلا نظرا لما عشناه جميعا من لا ديمقراطية الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم لمصر حتى ثورة يناير، فما أسهل ادعاء أمر على عكس الحقيقة، بل أن حتى وجود حزب يتبع الديمقراطية داخليا لا يعني أنه بالضرورة قادر على الحكم وإحداث التغيير المطلوب.

وإنما المطلوب – في تصوري – أن يكون الحزب ديمقراطي بمعنى أن يكون هدفه الأساسي هو إقامة الديمقراطية عن طريق تبني الآليات الديمقراطية داخله ورفع لواء التحول الديمقراطي، ويجتمع تحت مظلته كل المؤمنين بالديمقراطية على اختلاف مشاربهم وتطلعاتهم ليصيغوا جماعيا برنامج للتحول الديمقراطي، ومن ثم يحصل على دعم وتأييد المصريين داخل وخارج مصر من أجل تنفيذ ذلك البرنامج خلال فترة انتقالية يتم خلالها فتح المجال العام للعمل السياسي والحزبي المنظم، لتخرج من عباءة ذلك الحزب أحزاب جديدة أكثر وضوحا في ايديولوجيتها.

لذلك ولكل ما سبق عزيزي القارئ، أرى الحل في الحزب الوطني الديمقراطي (بجد). فهل تعتقد أن قيام مثل ذلك الحزب أمر ممكن في يوم من الأيام؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك؟

اقرأ أيضاً: هل ينتصر الرئيس على الفساد؟

2 تعليقات

  1. حقيقي بات طرحا محبطا للاسف ا. احمد
    لا ضمانه لاى تشكيل الآن.الا بعد الاتفاق علي الحدود الدنيا للأهداف الوطنيه…لابد من حراك غير ايدلوجى..
    حراك يضع الحدود التى يقبلها التاس من اى فيصل خاكم . إقتصاديا ومحدد بزمن..احتماعيا ومحدد بزمن.قانونيا ومحدد بزمن..ويتولى من يستطيع الإلتزام بالمسؤلية امام الجميع عن تحقيق هذا الحد الادنى ..فلسنا في موقف للمنافسه بل نحن في موقف الانقاذ

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة