هل استنفدت الحركة المدنية وظيفتها التاريخية؟

الزلزال لا يبدأ حين تنشق الأرض (1)

حين أصدرت الحركة المدنية الديمقراطية بيانها دفاعًا عن أكمل قرطام، اعتقد كثيرون أن الأزمة قد بدأت في تلك اللحظة، خصوصًا بعد سحب البيان والاعتذار عنه. ومنذ ذلك الحين، تصاعد الجدل حول مجلس الأمناء، وآليات اتخاذ القرار، واللجنة التي يُفترض أن تعيد صياغة الرؤية السياسية والتنظيمية للحركة. غير أن كل ذلك انشغل بما ظهر على السطح، بينما ظل السؤال الأهم معلقًا، لماذا أصبح بيان واحد قادرًا على أن يهز تحالفًا بقي صامدًا لسنوات أمام أزمات أكبر؟

فالزلازل لا تبدأ حين تنشق الأرض، وإنما حين تتحرك طبقاتها في صمت. وما يظهر فجأة لا يكون سوى اللحظة التي يصبح فيها ما تراكم طوال سنوات مرئيًا للجميع.

وبهذا المعنى، لا يمكن اعتبار بيان قرطام بداية الأزمة، كما لا يمكن اعتبار الاعتذار محاولة حقيقية لإنهائها. فكلاهما كان أشبه بآخر حجر يسقط من بناء بدأت شقوقه تتسع منذ سنوات. لذلك فإن تفسير الأزمة بالعودة إلى البيان وحده يشبه تفسير انهيار مبنى بالتركيز على الطابق الأخير، بينما تكون الأساسات قد بدأت تتآكل منذ زمن بعيد.

وليس المقصود هنا تاريخ الحركة المدنية بوصفه تاريخ تنظيم سياسي، بقدر ما هو تاريخ العلاقة التي نشأت بينها وبين مجتمع كان يتغير بوتيرة مختلفة، ودولة كانت تعيد، في الوقت نفسه، تشكيل المجال السياسي والاقتصادي معًا.

فمنذ لحظة التأسيس، لم تكن الأزمة تتحرك في مسار واحد، وإنما في ثلاثة مسارات متوازية، إذ كانت السياسة يُعاد هندستها من أعلى، والاقتصاد يُعاد هيكلته وفق منطق جديد، بينما كانت البنية الاجتماعية تتغير بصمت تحت ضغط هذه التحولات. وكان كل مسار يدفع الآخر إلى الأمام، حتى التقت جميعها في اللحظة التي بدا فيها بيان عابر وكأنه فجّر كل شيء.

ولدت في لحظة دفاعية (2)

حين أُعلنت الحركة المدنية في ديسمبر 2017، كانت معركة تيران وصنافير قد انكسرت قبل ذلك بعام. ولم تكن أهميتها في الجدل القانوني حول الجزيرتين بقدر ما كشفت عن حدود الفعل السياسي الممكن بعد 2013، إذ خرجت احتجاجات واسعة، وخاضت قوى مدنية معركة قضائية وسياسية طويلة، ثم انتهى المسار إلى واقع جديد بدا فيه ميزان القوى أكثر ميلًا لمصلحة الدولة، بينما خرجت المعارضة بخبرة مختلفة عما دخلت به.

وبينما كانت آثار تلك المواجهة لا تزال حاضرة، جاء اقتحام نقابة الصحفيين في مايو 2016 للمرة الأولى في تاريخها. ولم يكن المشهد مجرد تنفيذ لأمر ضبط داخل مبنى نقابي، وإنما كان رسالة شديدة العنف، مفادها أن المؤسسات التي كانت تاريخيًا جزءًا مهمًا من المجال العام لم تعد بمنأى عن إعادة ترتيب العلاقة بينها وبين السلطة. وما بدا، في حينه، رسالة تخص الصحفيين، سرعان ما تحول إلى رسالة تلقفتها الأحزاب، والنقابات، والمنظمات الحقوقية، والجامعات، وكل من يعمل داخل الفضاء العام.

وفي الوقت نفسه، كانت وسائل الإعلام يُعاد هيكلتها بصورة كاملة، والمؤسسات الحقوقية تواجه تضييقًا متزايدًا، والجامعات تشهد اقتحامات متكررة وملاحقة القيادات الطلابية بالاعتقال والسجن، بينما أخذت قدرة الأحزاب على العمل المنفرد تتآكل تدريجيًا، ليس نتيجة ترهل تنظيمي، وإنما لأن البيئة التي كانت تسمح بنشاطها أخذت تضيق عامًا بعد آخر.

ومن قلب ذلك السياق وُلدت الحركة المدنية. لم تولد فوق موجة اجتماعية صاعدة تبحث عن قيادة، كما كان الحال في مطلع الألفية مع الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، ولم تنشأ بحثًا عن منافسة السلطة أو حصد أغلبية سياسية، وإنما لأنها اصطدمت بسؤال أكثر تواضعًا، وأكثر إلحاحًا في الوقت نفسه، كيف يمكن الحفاظ على وجود سياسة مستقلة بعدما أصبح وجودها ذاته موضع تهديد؟

كانت، بهذا المعنى، مشروعًا دفاعيًا لإبطاء الهزيمة أكثر منها مشروعًا يستهدف تغيير ميزان القوى.

وهنا يكمن سر قدرتها على جمع تيارات يصعب، في الظروف العادية، أن تشكل معًا جبهة واحدة. فلم تكن الوحدة ثمرة توافق مشترك على جميع الملفات، بقدر ما كانت ثمرة خطر مشترك يحدق بالجميع.

لكن بينما كانت الحركة تتشكل حول هذا السؤال، كانت الدولة قد بدأت بالفعل في طرح سؤال مختلف تمامًا.

حين أُعيد تشكيل السياسة من أعلى (3)

كان العام التالي لتأسيس الحركة المدنية بداية مرحلة أكثر تماسكًا في إعادة هندسة المجال السياسي، وليس مجرد امتداد زمني لما سبقه. إذ جاءت الانتخابات الرئاسية في 2018 لتكون أول اختبار عملي للحركة، لكنها كشفت، في الوقت نفسه، أن قواعد اللعبة نفسها كانت تتغير قبل أن يبدأ الاقتراع.

فقد أُوقف العقيد أحمد قنصوة بعد إعلانه الترشح، وأُلقي القبض على الفريق سامي عنان بعد دخوله السباق، ثم تعرض مدير حملته، المستشار هشام جنينة، للملاحقة والحبس. أما الفريق أحمد شفيق، الذي بدا في لحظة ما منافسًا محتملًا، فقد انتهى به الأمر خارج المشهد كله.

وفي مجملها، كانت تلك الوقائع ترسم حدود المجال الذي يمكن أن تُمارَس داخله السياسة، حيث أصبح السؤال الأهم حينها، من يستطيع الوصول إلى صندوق الاقتراع من الأساس؟ وليس، من يفوز بالانتخابات؟

وبعد أشهر قليلة من تأسيسها، وجدت الحركة نفسها أمام معركة لم تنجح في توحيد صفوفها بالدرجة التي تسمح لها بخوض الانتخابات خلف مرشح واحد، والأهم أنها فشلت في انتزاع ضمانات تتيح منافسة حقيقية، في انعكاس واضح لاختلال ميزان القوى.

وللمرة الأولى بدأت تتكشف حدود الوظيفة الدفاعية بوضوح. فالدفاع عن المجال العام يفترض أن هذا المجال، مهما ضاق، ما زال يسمح بدرجة من الاشتباك. أما عندما تصبح قواعد المجال نفسها محل إعادة صياغة، فإن أدوات الدفاع التي نجحت بالأمس تبدأ في فقدان فعاليتها.

كانت الانتخابات الرئاسية، بهذا الشكل، إحدى حلقات مسار أوسع. فبين 2018 و2022 أخذت الوقائع كلها تنتظم داخل اتجاه واحد.

ففي تلك السنوات أُعيد تشكيل المجال العام عبر عملية متصلة تقاطعت فيها التشريعات مع الممارسات، فيما يمكن وصفه بسنوات إعادة إحكام المجال السياسي. إذ لم يكن تمديد حالة الطوارئ عامًا بعد آخر حدثًا منفصلًا عن قوانين مكافحة الإرهاب، كما لم تكن تشريعات الكيانات الإرهابية، أو تنظيم الإعلام، أو مكافحة جرائم تقنية المعلومات حلقات مستقلة، وإنما كانت جميعها أجزاءً من عملية واحدة أعادت رسم العلاقة بين الدولة والمجال العام، بحيث أصبح النشاط السياسي يتحرك داخل حدود أكثر ضيقًا، بينما تراجعت تدريجيًا إمكانات التنظيم والتعبير والمنافسة.

ثم جاءت تعديلات 2019 الدستورية لتمنح هذا المسار عمقًا مؤسسيًا أكبر. فإلى جانب فتح الطريق أمام بقاء الرئيس لفترة أطول، أعادت التعديلات تنظيم العلاقة بين السلطات، ووسعت من نفوذ السلطة التنفيذية في بنية الدولة، بما جعل إعادة هندسة المجال السياسي تبدو أقل ارتباطًا بالقرارات اليومية، وأكثر ارتباطًا بإعادة بناء قواعد النظام نفسه.

وهكذا، كانت السياسة يُعاد تشكيلها من أعلى، خطوة بعد أخرى. لكن في اللحظة نفسها، كان مسار آخر يتشكل في العمق، بعيدًا عن نصوص القوانين والانتخابات والبيانات. فبينما كانت الدولة تعيد رسم حدود السياسة، كانت السياسات الاقتصادية التي بدأت مع تعويم الجنيه في نهاية 2016 تعيد، هي الأخرى، رسم حدود المجتمع نفسه.

حين بدأت الأرض تتحرك من أسفل (4)

بينما كانت سنوات إعادة إحكام المجال السياسي تتوالى، كانت طبقة أخرى من الواقع تتغير في اتجاه مختلف، لكنها لم تكن أقل عمقًا.

ففي نوفمبر 2016، لم يكن قرار تعويم الجنيه مجرد إجراء نقدي يتعلق بسعر الصرف، وإنما كان بداية دورة كاملة لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري وفق منطق جديد.

إذ تعاقبت بعدها اتفاقيات صندوق النقد الدولي، واتسعت وتيرة الاقتراض، وتكررت تخفيضات قيمة العملة مرة بعد أخرى، بينما مضت الدولة في برامج إعادة الهيكلة وبيع أجزاء متزايدة من أصولها. وفي الوقت نفسه، واصلت الاستثمار في مشروعات قومية كان الرهان عليها أن تصبح محركًا للنمو.

لكن الاقتصاد لا يغير الأرقام فقط، بقدر ما يعيد تشكيل المجتمع. فكل موجة تضخم كانت تعيد توزيع الدخول، وكل انخفاض جديد في قيمة الجنيه كان ينقل قطاعات كاملة من الطبقة الوسطى إلى مواقع أكثر هشاشة، حتى أصبح الحفاظ على مستوى المعيشة نفسه يحتاج إلى جهد أكبر عامًا بعد عام، بينما أخذت تكاليف السكن، والتعليم، والعلاج، والضرائب، والرسوم، تتراكم فوق بعضها بصورة لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة.

ولم يكن المجتمع يقرأ تلك التحولات من خلال بيانات البنك المركزي أو تقارير صندوق النقد، وإنما كان يقرأها في حياته اليومية.

وهنا بدأ المساران اللذان بديا منفصلين في البداية يلتقيان. فكلما ضاق المجال السياسي من أعلى، كانت آثار التحولات الاقتصادية تدفع السياسة إلى الظهور من أسفل.

لذلك لم تكن احتجاجات سبتمبر 2019 مجرد لحظة سياسية عابرة، بقدر ما كانت أول لحظة ظهر فيها، بصورة واضحة، التقاء المسارين.

سبتمبر 2019.. السؤال الذي أخفى سؤالًا آخر (5)

عندما دعا المقاول محمد علي إلى التظاهر، انصرف جزء معتبر من النقاش العام داخل المعارضة إلى الرجل نفسه، من يكون؟ ومن يقف وراءه؟ ولماذا أطلق دعوته في ذلك التوقيت تحديدًا؟ وكانت جميعها أسئلة مفهومة في سياق سياسي اعتاد البحث عن الفاعل المباشر قبل أن يبحث في الظروف التي جعلت فعله ممكنًا.

غير أن الوقائع التي رافقت الدعوة كانت تطرح سؤالًا مختلفًا. فما منح الدعوة أهميتها وأثرها لم يكن صاحبها، وإنما الأرض التي سقطت عليها.

ولهذا لم تنته القصة بانتهاء سبتمبر. فعلى الرغم من حملات القبض الواسعة، والملاحقات الأمنية، والانتشار الكثيف للأجهزة الأمنية، تكررت محاولات الاحتجاج في 2020، ثم مرة أخرى في 2021، وإن كانت بزخم أقل. فالقمع كان قادرًا على تقليص الحركة، لكنه لم يكن قادرًا، في الوقت نفسه، على إزالة الأسباب التي جعلت قطاعات من الناس تستجيب لها من الأساس.

وهنا ظهر، للمرة الأولى وبشكل جلي، التفاوت بين إيقاع المجتمع وإيقاع الحركة المدنية. فبينما ظل اهتمام قطاع مهم من قياداتها منصبًا على تقييم مصدر الدعوة وموقعها السياسي، كان المجتمع يعبر عن نفسه بطريقة مختلفة تمامًا. فلم يكن يبحث عن قيادة جديدة بقدر ما كان يعبر عن أثر سنوات من التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياته اليومية.

ولذلك كانت احتجاجات سبتمبر، بهذا المعنى، هي النقطة التي التقت فيها التحولات الاقتصادية بإغلاق المجال السياسي، فأنتجتا معًا أول حراك اجتماعي واسع منذ سنوات. ومنذ تلك اللحظة بدأ المجتمع ينتج السياسة بطريقته الخاصة، بدلًا من انتظار قوى المعارضة التقليدية لكي تمثل مصالحه.

المجتمع يسبق السياسة (6)

لم يكن سبتمبر سوى الإشارة الأولى. فبعده بدأت تظهر تحركات عمالية متفرقة، واعتراضات لموظفين، واحتجاجات مهنية، بالإضافة إلى نزاعات مرتبطة بالأجور، أو ظروف العمل، أو السياسات الضريبية.

وكان كثير منها يُحتوى سريعًا، أو يُقمع، أو تُلبى بعض مطالبه المحدودة، مع استهداف القيادات الطبيعية التي نظمته، بحيث يُحل النزاع، بينما تبقى إمكانات التنظيم نفسها مستحيلة.

غير أن ما يستحق الانتباه لم يكن نجاح هذه التحركات أو فشلها، بقدر ما كانت تكشف أن السياسة لم تعد حكرًا على المجال السياسي. لقد أصبحت تخرج من المصنع، ومن المكتب، ومن النقابة، ومن العلاقة اليومية بين الدولة والمواطنين.

وهكذا لم تكن التحولات الاقتصادية بمعزل عن إعادة تشكيل المجال السياسي، فقد كان كل منهما يعيد تشكيل الآخر. فكل خطوة في إعادة هندسة المجال السياسي كانت تخنق إمكانات التعبير عن الآثار الاجتماعية للأزمة، بينما كانت كل خطوة في إعادة هيكلة الاقتصاد تنتج مصالح جديدة تبحث عن تمثيل سياسي لم يعد قائمًا.

ومن قلب هذا التناقض جاء أول اختبار حقيقي للحركة المدنية نفسها.

انتخابات 2020.. لحظة ظهور التناقض (7)

بدت انتخابات مجلس النواب، في ظاهرها، خلافًا قديمًا بين المشاركة والمقاطعة، لكنها كانت، في الحقيقة، اللحظة التي ظهر فيها إلى السطح تناقض كان يعيش داخل الحركة منذ تأسيسها.

فالأحزاب التي شاركت ضمن ما عُرف بسياسة "الحيز المتاح" لم تكن تكتشف طريقًا جديدًا، بقدر ما كانت تعيد إنتاج الخيار الذي تبنته منذ انتخابات 2015، حين شاركت ضمن القوائم المدعومة، بشكل أو بآخر، من الدولة، باعتبار أن الوجود المحدود داخل المؤسسات المنتخبة أفضل من الغياب الكامل.

في المقابل، كانت قوى وأحزاب أخرى قد وصلت إلى نتيجة مختلفة. فإذا كانت المشاركة لا توسع المجال العام، ولا تغير قواعد اللعبة، ولا تمنح المعارضة قدرة حقيقية على التأثير، فهل تصبح مجرد وسيلة لإدارة الإغلاق بدلًا من مقاومته؟

وهكذا، فالحركة التي استطاعت لسنوات أن تتحدث بصوت واحد عندما كان موضوع الخلاف هو الحريات العامة، اكتشفت أنها لا تملك اللغة المشتركة نفسها عندما أصبح السؤال متعلقًا بطبيعة العلاقة مع الدولة.

ويمكن ربط هذا الخلاف بتحول أقدم. فالتحالف المدني الواسع الذي تشكل بعد 30 يونيو، وشارك بدرجات مختلفة في إسناد الدولة في مواجهة حكم جماعة الإخوان المسلمين، أخذ يتفكك تدريجيًا كلما استقرت موازين القوى.

ومع انحسار الحاجة إلى هذا التحالف، لم تعد جميع مكوناته ترى العلاقة مع السلطة بالطريقة نفسها. فبعضها ظل يعتبر أن الحفاظ على قنوات التواصل، مهما ضاقت، يظل المدخل الوحيد الممكن للعمل السياسي، بينما انتهى بعضها الآخر إلى أن هذه القنوات نفسها أصبحت جزءًا من آلية إدارة المجال السياسي.

وعليه، لم يكن تجميد عضوية بعض الأحزاب سوى التعبير التنظيمي عن انقسام سياسي كان موجودًا قبل ذلك بسنوات، وربما سبق تأسيس الحركة نفسها. إذ لم يكن الخلاف حول الانتخابات، وإنما حول معنى السياسة نفسها.

الحوار الوطني.. حين استعادت الأداة أنفاسها للمرة الأخيرة (8)

عندما دعت السلطة إلى الحوار الوطني في ربيع 2022، بدا المشهد، لأول مرة منذ سنوات، وكأنه يتحرك في الاتجاه المعاكس. لكن هذه الدعوة لم تأت من فراغ، كما لم تكن نتيجة مراجعة داخلية مجردة. فخلال العام السابق على الحوار كانت الضغوط الدولية قد بلغت مستوى غير مسبوق، بدايةً من البيان المشترك الذي أصدرته 31 دولة عضوًا في مجلس حقوق الإنسان، في مارس 2021، منتقدًا حالة حقوق الإنسان والإصلاح السياسي في مصر، مرورًا بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في سبتمبر من العام نفسه، ثم إنهاء العمل بحالة الطوارئ للمرة الأولى منذ عام 2017، في لحظة كانت الدولة تبحث فيها عن تحسين صورتها الخارجية، وتستعد لجولات جديدة من التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية في ظل أزمة اقتصادية آخذة في التفاقم.

وبهذا المعنى، بدأ الحوار الوطني حلقةً في إعادة ترتيب المشهد السياسي، كما كان جزءًا من إعادة ترتيب شروط إدارة الأزمة الاقتصادية. وحين دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي عددًا من رموز الحركة المدنية إلى إفطار الأسرة المصرية، ثم صدر في اليوم التالي قرار العفو عن حسام مؤنس، أحد أبرز وجوه تحالف الأمل، بدا وكأن سنوات الإغلاق الكامل توشك أن تنتهي.

وبالنسبة إلى الحركة المدنية، فقد عادت إليها الروح مع دعوة الحوار، وبدا وكأن الظروف التي وُلدت فيها تعود من جديد. فإذا كانت قد تأسست على فرضية أن توسيع المجال العام عملية تراكمية، وأن انتزاع هوامش صغيرة قد يفتح الطريق إلى هوامش أكبر، فإن الحوار بدا وكأنه يؤكد هذه الفرضية.

وبالفعل استعادت الحركة شيئًا من تماسكها، حيث عادت الأحزاب التي جمدت عضويتها بعد انتخابات 2020 إلى ممارسة نشاطها داخل الإطار المشترك، فيما تراجعت، مؤقتًا، الخلافات التي بدت حادة قبل عامين.

لكن، في حقيقة الأمر، ما عاد لم يكن الوحدة بقدر ما كان الأمل. فالوحدة كانت قد تصدعت بالفعل، أما الأمل فقد أخفى هذا التصدع لبعض الوقت. وعليه، يمكن القول إن فشل الحوار في الخروج بنتائج ملموسة كان استنفادًا لآخر رهان استندت إليه الحركة منذ تأسيسها، وليس مجرد إخفاق لمبادرة سياسية.

فلم يعد السؤال، هل ينجح الحوار أم يفشل؟ وإنما أصبح، هل ما زالت الأداة نفسها قادرة على إنتاج أثر ملموس؟

وعندما انتهى المسار دون تحول حقيقي في طبيعة المجال السياسي، لم تخسر الحركة جولة تفاوضية فحسب، وإنما فقدت الثقة في الوسيلة التي بنت عليها وجودها طوال سنوات.

حرب غزة وعودة الأولويات القديمة (9)

ثم جاءت حرب الإبادة الجماعية ضد أهلنا في قطاع غزة في أكتوبر 2023 لتغير المشهد كله. فمع عودة المنطقة إلى مركز الاهتمام الدولي، تراجعت ملفات الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان أمام أولويات الأمن القومي والهجرة والاستقرار. وبالقدر نفسه الذي فتحت فيه الضغوط الدولية نافذة للحوار، أدت تغيرات البيئة الدولية إلى إغلاقها مرة أخرى. ولهذا جاءت الانتخابات الرئاسية في نهاية عام 2023 مختلفة تمامًا عن الأجواء التي صاحبت انطلاق الحوار.

وللمرة الثانية منذ تأسيسها، فشلت الحركة في الاتفاق على مرشح واحد. حتى إن المجال السياسي شهد ثلاثة مرشحين ينتمون، بدرجات مختلفة، إلى الحيز السياسي الذي تشغله الحركة، أحمد الطنطاوي، وجميلة إسماعيل، وفريد زهران. لكن هذا التعدد لم يكن علامة على الحيوية بقدر ما كان علامة على غياب المركز الذي يستطيع أن يجمعهم.

إذ خرجت جميلة إسماعيل من السباق مبكرًا، وأُقصي أحمد الطنطاوي فعليًا عبر سلسلة من الانتهاكات التي حالت دون استكمال شروط ترشحه، ولم يبق سوى فريد زهران في انتخابات افتقدت، مرة أخرى، إلى شروط المنافسة الحقيقية. وكأن المشهد يعيد تجربة عام 2018، ولكن بعد خمس سنوات من الخبرة، وبعد تجربة الحوار الوطني، وبعد أن أصبحت حدود الأداة أوضح من أي وقت مضى.

ثم جاءت انتخابات مجلس الشيوخ لتكشف أن التناقض لم يُحل. فالأحزاب التي جمدت عضويتها قبل سنوات، ثم عادت إلى النشاط مع دعوة الحوار الوطني، عادت من جديد إلى القوائم المدعومة من الدولة، بينما خاضت أحزاب أخرى الانتخابات بصورة منفردة، من دون أن تتمكن الحركة من إنتاج قائمة مستقلة أو استراتيجية مشتركة.

غير أن المفارقة الأهم جاءت من خارج الحركة، لا من داخلها. ففي دوائر متعددة استطاع مرشحون مستقلون، أو مرشحون ينتمون إلى أحزاب بعينها، بناء حملات ارتبطت مباشرة بقضايا الناس اليومية، وحققت حضورًا سياسيًا واجتماعيًا لافتًا، حتى وإن لم ينعكس ذلك في عدد كبير من المقاعد. فقد كان المجتمع يفتح مسارات جديدة للعمل السياسي، بينما ظل الإطار الجامع للحركة يبحث عن استعادة الصيغة التي نجحت عام 2017.

حين أصبح المجتمع يفرض جدول الأعمال (10)

في هذه اللحظة، لم تعد القضايا الكبرى تُطرح من داخل الأحزاب وأروقة المعارضة السياسية، بقدر ما أصبحت تنتج من قلب الحركة الاجتماعية. فالاعتراض الواسع على منظومة الفاتورة الإلكترونية لا يمكن حصره في مجرد خلاف فني بين مصلحة الضرائب والمحامين، وإنما كان يعكس انتقال عبء الأزمة الاقتصادية إلى قطاعات مهنية كانت، حتى وقت قريب، تنتمي إلى قلب الطبقة الوسطى، في تعبير عن شكل العلاقة الجديدة التي بدأت تتشكل بين الدولة وتلك الفئات، وعن كيفية توزيع كلفة الأزمة الاقتصادية.

وبالطريقة نفسها جاءت معركة الإيجار القديم، حيث لم يعد ممكنًا الاحتماء بالشعارات العامة، لأن الحق في السكن يصطدم بالحق في الملكية، والعدالة الاجتماعية لا يمكن اختبارها في المبادئ المجردة، وإنما في كيفية توزيع الأعباء بين مصالح اجتماعية متعارضة.

ثم جاءت نقاشات قانون الأحوال الشخصية، والاعتراضات المهنية، والتحركات العمالية، واحتجاجات الموظفين، لتشير جميعها إلى الاتجاه نفسه. فلم يعد المجتمع ينتظر من السياسة أن تمنحه جدول أعماله، وإنما صار هو الذي يفرضه عليها.

وهنا ظهرت الحدود التاريخية للحركة المدنية في أوضح صورها. فهي نجحت، خلال سنوات، في أن تكون صوتًا للديمقراطية، لكن الديمقراطية ليست مجرد صوت، إنها علاقة اجتماعية أيضًا. ولا تتحول إلى قوة مادية لأنها ترفع شعارًا، وإنما لأنها تصبح الشكل السياسي الذي تدافع من خلاله الفئات الاجتماعية عن مصالحها اليومية.

وعندما أصبحت هذه المصالح هي التي تحدد جدول الأعمال، لم يعد الحد الأدنى الذي جمع الليبراليين واليساريين حول الدفاع عن المجال العام كافيًا لإنتاج مواقف مشتركة. إذ لم يعد الخلاف هذه المرة حول حرية الصحافة، أو استقلال القضاء، أو الحق في التنظيم، وإنما أصبح حول الضرائب، والسكن، والأجور، وإعادة توزيع الأعباء، ودور الدولة في الاقتصاد. بمعنى آخر، أصبح حول الأسئلة التي أُجِّل الخلاف بشأنها منذ لحظة تأسيس التحالف.

ولذلك، حين صدر بيان أكمل قرطام، لم يكن الناس يقرأون البيان وحده، وإنما كانوا يقرأون المسار كله. كانوا يقرؤون حركة بدأت بالدفاع عن المجال العام، ثم واجهت إعادة إحكام المجال السياسي، قبل أن تجد نفسها أمام مجتمع تغير بفعل تحولات اقتصادية عميقة، بينما بقيت هي تتحرك بالأداة نفسها التي صنعتها لحظة 2017. ولهذا لم يكن البيان بداية الأزمة، بقدر ما كان اللحظة التي أصبحت فيها الأزمة مرئية للجميع.

ولا يعني استنفاد الوظيفة التاريخية للحركة المدنية أن الحاجة إلى الديمقراطية قد انتهت، وإنما لعل العكس هو الصحيح. فالسنوات الماضية أظهرت أن الدفاع عن المجال العام يظل شرطًا لا غنى عنه لأي سياسة ديمقراطية، لكنها أظهرت أيضًا أن هذا الشرط لا يكفي وحده إذا انفصل عن المصالح الاجتماعية التي تتحرك داخل المجتمع.

فما استنفدته الحركة، في نهاية الأمر، ليس فكرة الديمقراطية، وإنما الصيغة التاريخية التي حملتها منذ عام 2017، الصيغة التي افترضت أن الدفاع عن المجال العام يمكن أن يبقى وحده القاسم المشترك الدائم لقوى تختلف جذريًا حول الاقتصاد والمجتمع والدولة.

وكان ذلك ممكنًا في لحظة التأسيس، حين كان الخطر الأكبر يهدد وجود السياسة نفسها. أما اليوم، فإن المجتمع لا يطلب الحق في أن يتكلم فحسب، وإنما يطلب أيضًا من يتكلم بلغته، ويعبر عن مصالحه، ويحولها إلى مشروع سياسي.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي يبدأ منه تاريخ جديد للمعارضة المدنية في مصر، بعد أن انتهى التاريخ الذي بدأت به الحركة المدنية قبل ثماني سنوات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة