حسام بهجت: السجن والتخويف منه ليسا أداة حكم آمنة.. والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان "ولدت ميتة" (حوار)

سنكشف "العقد الأخير" أمام "مراجعة الأمم المتحدة".. والسلطة تتلقى معاملة "استثنائية" لهذه الأسباب

"المراجعة الدورية الشاملة" هي لحظة محاسبة دولية لن نتركها لدعاية الحكومة ومنظماتها

أعددنا خمسة تقارير حقوقية عن أوضاع مصر، أحدها عما جرى في السنوات العشر الأخيرة

المؤسسات الحقوقية انتقلت تحت الاستهداف من مسار "التأثير" إلى مرحلة "البقاء" فقط

الإسراع بتعديل قانون الحبس الاحتياطي غرضه تعهدات الحكومة الدولية في الأمم المتحدة

الحوار الوطني لم يُنتِج بعد.. وجميع جهات الدولة في انتظار إشارة تغيير من الرئيس

"القومي لحقوق الإنسان" تصنيفه الأممي مهدد، ولجنة حقوق الإنسان بالبرلمان جزء من المشكلة

الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان "جنين وُلد ميتًا".. بعيدة عن الواقع وفضفاضة وبلا إجراءات

الاستقواء بالخارج اتهام قديم، والتغيير لن يحدث في مصر إلا على أيدي المصريين

النظام يصنع خصومة تتجاوز أحزاب المعارضة المنظمة إلى قطاعات أوسع في المجتمع

مبادرة زياد بهاء الدين لاستعادة المسار الديمقراطي مهمة، ونحتاج إلى مزيد من المبادرات الشبيهة

كيف نمارس العمل الحقوقي في بلد أممت الصحافة؟

قصور السلطة المصرية في حقوق الإنسان لا يخدمه إلا مصلحة الغرب في الدور المصري إقليميًا

الحكومة تحاول تأجيل الانفجار المجتمعي، ولكن لن تستطيع منعه طالما استمر الوضع هكذا

نواجه سياسات إفقار تبحث عن استقرار مالي مؤقت وزائف على حساب الحاضر والمستقبل

حرب غزة نقطة فاصلة، ما بعدها ليس كما قبلها، والمنظومة الأممية ستشهد تغييرًا حتميًا

تصوير - محمد الراعي

لعل أبرز ما يميز حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنه حقوقي عمل في مجال الصحافة الاستقصائية، فجمع بين مجالين كلاهما منشغل بقضايا الوطن والمواطن، اعتمادًا على وسائل التحقق والتثبت لإلقاء الضوء على نقاط القصور وأدوات معالجتها.

ومن هنا كان من الأهمية بمكان أن تلتقيه منصة "فكر تاني"، في محاولة لاستقراء الواقع الراهن من وجهة نظر أحد أهم الفاعلين في المشهد الحقوقي المصري، والذي كشف عن رؤيته للعديد من الملفات الحقوقية والإشكاليات المتزايدة في هذا الملف، خاصة في العقد الأخير، محذرًا من أن الاعتماد على المعاملة الاستثنائية لمصر من الأمم المتحدة في ظل ظروف الإقليم المعقدة، وإن يبدو مطمئنًا للجهات الرسمية في مصر، فإنه لا يُمكن الاعتماد عليه على المدى البعيد دون حلول جذرية تنقذ البلاد من أزمتها السياسية ومن ثم الاقتصادية.

حسام بهجت - تصوير محمد الراعي
حسام بهجت - تصوير محمد الراعي

إلى نص الحوار

مصر الآن في قائمة الدول الأسوأ حقوقيًا

في 15 مارس 2023، حمّلتْ مجلس حقوق الإنسان مسؤولية التصدي للوضع في مصر التي تمر بأسوأ أزمة حقوقية في تاريخها"؟.. هل سمع أحد النداء؟ وهل تغير شيئًا؟

لا لم يسمع أحد النداء بعد، ويرجع ذلك في رأيي إلى طبيعة الأزمة الحقوقية في مصر، وطبيعة مجلس حقوق الإنسان الدولي وهيئات الأمم المتحدة، والوضع الإقليمي الجيوسياسي الذي تمر به المنطقة.

منظمتنا بدأت نشاطها قبل 22 عامًا، وأنا موجود فيها منذ البداية، وتابعت عن قرب الأزمات الحقوقية بمصر.

أستطيع أن أؤكد أن الأزمة الحقوقية التي تشهدها مصر حاليًا هي الأسوأ على الإطلاق من عدة نواحي.

مصر قبل عقد من الزمان، كانت دولة ضمن أخريات تعاني عدة إشكاليات في مجال حقوق الإنسان، في ظل نظام سلطوي وقوانين قمعية وانتهاكات البعض منها ذو طبيعة منهجية، مع غياب كامل للمحاسبة. ولكن ما حدث في السنوات العشر التالية، وبالتحديد في السبع الأخيرة منها، جعلنا ننتقل من قائمة الدول ذات المشكلات الحقوقية إلى القائمة القصيرة جدًا للدول الأسوأ في مجال حقوق الإنسان، وهذا ليس حديثًا عاطفيًا أو مبالغ فيه، بل يستند إلى تصنيفات ودراسات حقوقية دقيقة دولية ومحلية.

ولننظر إلى أعداد الصحفيين والسياسيين المحبوسين، والمواقع المحجوبة، وأحكام الإعدام الصادرة والمنفذة سنويًا، ولنقرأ تصنيف سيادة القانون أو تصنيف الفساد في العالم.

لقد انتقلت مصر من نظام سلطوي يمارس انتهاكات لحقوق الإنسان، إلى واحدة من الدول صاحبة الأنظمة الأسوأ عالميًا لممارسة تلك الانتهاكات. وقد تزامن ذلك مع ما يمكن وصفه بالتدمير المنهجي لكل المؤسسات والآليات المنوط بها التصدي لهذه الانتهاكات.

في بلد أممَّ الصحافة

كيف تتُرجم هذا التراجع الحقوقي في مصر خلال السنوات الماضية؟

عملت لـ 10 سنوات في المجال الحقوقي، قبل أن أنتقل في 2013 إلى العمل الصحفي لمدة 8 سنوات كاملة، ثم أعود إلى نشاطي الحقوقي في 2021.

عمليًا وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، وجدت نفسي في "شغلانة جديدة" في "منظمة جديدة" في "دولة لا أعرفها".

كان من طبيعة عمل المنظمة الحقوقية نشر نتائج تحقيقاتها في وسائل إعلام مستقلة، وتقديم الدعاوى القضائية، والانخراط في الدعاوى أمام المحاكم، والتعاون مع نواب المعارضة في استخدام أدوات الرقابة البرلمانية للمحاسبة على الانتهاكات التي كشفت عنها. ذلك، فضلًا عن السعي إلى تقديم التوصيات إلى مسؤولين في الحكومة، لصياغة تشريعات جديدة، وفي بعض الأوقات العمل ميدانيًا لدعم الحركات والتنظيمات المجتمعية، وقدرات التوثيق وتقصي الحقائق. ولكن، بعد عودتي في 2021، لم أجد أيًا من هذه النوافذ أو الآليات موجودة للعمل الحقوقي في مصر.

يراودني سؤال دائم: "كيف نمارس العمل الحقوقي في بلد أممت الصحافة بالكامل، مع 90% من وسائل إعلام مملوكة لأجهزة الأمن، و10% باقية تعاني بين الحجب والمنع والتضييق؟".

أمامي 600 برلماني بمجلس النواب، لا أكاد أسمع بينهم معارضة إلا قليل يكافحون بين أغلبية تدافع عن النظام الحالي وسياساته. والمسؤولون في الدولة يرفضون التعامل معنا أو مقابلتنا. حتى من تعامل منهم معنا سابقًا هو الآن خائف من استقبالنا أو تلقي مكالماتنا.

منظومة العدالة بمصر أيضًا في أزمة كبيرة، والعمل الميداني الحقوقي بات مستحيلًا، ليس لأنه فقط يشكل خطورة على القائمين عليه، ولكن لأنه بات يشكل خطرًا على المجتمعات المحلية التي نحاول دعمها، لدرجة أن بعض المجتمعات التي عملنا معها لسنوات، طلبوا منا عدم زيارتهم خوفًا من التنكيل والعقاب.

لا توجد في مصر الآن حركات عمالية أو طلابية أو نسوية، وبالطبع ليس هناك تنظيمات شبابية، رغم وجودها في عهود أخرى كانت تعاني من قيود على الفضاء المدني. كل هذا تعرض إما للتدمير أو التأميم، فأصبح المجال الحيوي لعمل منظمة حقوقية بشكل جاد شبه معدوم.

بهجت حذر من استمرار السياسات الحالية على مستقبل مصر - تصوير محمد الراعي
بهجت حذر من استمرار السياسات الحالية على مستقبل مصر - تصوير محمد الراعي

أشرت إلى أن الوضع الإقليمي يخدم السلطة السياسية في مصر حاليًا.. فماذا تقصد؟

دور مصر الإقليمي على الحدود مع "إسرائيل" وضعها كبوابة للهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وكونها دولة يزيد عدد سكانها عن 100 مليون، فإن التعامل الدولي معها لابد وأن يكون استثنائيًا، ومن هنا، لا تفضل المؤسسات الدولية الضغط أكثر على السلطة فيما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان، خوفًا من تأثر دورها في أزمة منع موجات الهجرة الكبيرة إلى أوروبا، أو حدوث إشكاليات على الحدود مع "إسرائيل".

مصر مطلوبة للتعاون دوليًا في عدد من الملفات. ولذا، فإن التعاطي مع سلطتها ولو على حساب ملف حقوق الإنسان هو أمر ذو أهمية غربيًا.

اقرأ أيضاً: نجاد البرعي في حـوار مع “فكر تاني”: مصر “أون هولد”.. والمعارضة طفولية.. والثورة مستـحيلة  

5 تقارير مستقلة للوضع

أوشكت مصر على المراجعة الدورية لملف حقوق الإنسان الخاص بها أمام الأمم المتحدة.. كيف استعدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية للاشتباك مع هذا الحدث؟ وكيف تراه هذه المرة بعد جولات 2010 و2014 و2019؟

حسام بهجت يلقي بيانًا مارس 2023 أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة حول الوضع في مصر- خاص المبادرة الشخصية
حسام بهجت يلقي بيانًا مارس 2023 أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة حول الوضع في مصر- خاص المبادرة الشخصية

شاركنا في المرات الثلاث الماضية للمراجعة الدولية الشاملة، وفي هذه المرة، كان الموعد النهائي لتقديم تقارير منظمات المجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة، 16 يوليو الماضي، وقدمنا بالفعل 5 تقارير.

أحد هذه التقارير منفرد باسم "المبادرة"، لا ينظر فقط إلى السنوات الأربع الخاصة بالمراجعة الدورية، ولكن ينظر إلى ما حدث في مصر بعد مرور 10 سنوات، ننظر فيه لأوضاع البلد خلال العقد الأخير منذ مجيء النظام الحالي (2014 – 2024).

التقارير الأربعة الأخرى، متخصصة جماعية، بالاشتراك مع منظمات حقوقية أخرى، تنظر في أوضاع العدالة الجنائية ومؤسسات إنفاذ القانون والمجتمع المدني وأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات الرقمية وحرية التعبير وحقوق النساء وقضايا المرأة.

من المفترض أن تقدم الحكومة ما يسمى بالتقرير الوطني في 1 أكتوبر المقبل، لشرح ما نفذته خلال السنوات الأربع الماضية، ثم تُجرى المراجعة نفسها، بمشاركتنا والمنظمات الحقوقية الأخرى، في شهر يناير المقبل.

التواجد المؤثر في كل المساحات

في ظل السياق الدولي والمحلي الراهن، هل تتوقعون في "المبادرة" أن تحدث تقاريركم تغييرًا؟

نحن نؤمن بأهمية التواجد واحتلال كل المساحات المتاحة.

منذ سنوات، ظهرت في الولايات المتحدة حركة تسمي "Occupy"  أو "احتلوا" ضد السياسات الأمريكية الرأسمالية وهيمنة الشركات. نحن نؤمن بفلسفتهم في التواجد المؤثر في كل مساحة، ولا نملك إلا حقيبة أدوات، مدركين تمامًا محدوديتها والقيود المفروضة عليها، وفرص نجاحها أو فشلها، واشتراكنا في المراجعة الدورية يأتي في هذا الإطار.

لم نترك مساحة إلا وتواجدنا فيها، ولن نترك مساحة المراجعة الدورية للحكومة فقط كي تقدم صورتها الوردية عن الأوضاع والانفراجات المزعومة، ولا للمدافعين عنها الذين يقدمون أنفسهم بصفتهم حقوقيين في منظمات حقوقية، رغم تقليلهم من شأن الانتهاكات التي جرت وتُجرى.

يجب أن نعي جيدًا أن المراجعة الدورية الشاملة هي أداة تخضع لها كل دول العالم، وبالتالي لا مجال لادعاء الحكومة أنها تستهدف مصر أو أنها جزء من ضغوط سياسية غير قائمة؛ فالجميع يخضع للمراجعة.

يأتي ذلك رغم علمنا أن بعض التوصيات الأخيرة كانت تأتي في إطار المجاملات المتبادلة مع دول صديقة لمصر، فمثلًا البحرين تضع توصية دبلوماسية نظرية لمصر، في مراجعتها، تشكرها على ما تم في ملف ما وتتمنى منها بذل المزيد في ملف آخر، والقاهرة ترد لها بنفس الطريقة توصية في وقت مراجعتها الدولية وهكذا.

نحن نشارك بوضوح لتقديم صوتنا وتقديم الحقيقة، وتوفير الرد على الدعاية المضادة والصورة غير الحقيقة التي تقدمها الحكومة. هذه لحظة للمحاسبة الدولية مهمة.

لا نتوقع أن تتعامل الحكومة المصرية مع هذه الفرصة بجدية، فهي بالأساس لم تلتزم بتطبيق الدستور المصري نفسه أو حتى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.

حسن القباني
حسن القباني

لكن، أليس من مصلحة مؤسسات الدولة اتخاذ إجراءات تصحيحية سريعة في هذا الشأن حتى وإن كان بغرض تحسين الصورة قبل المراجعة الدورية الشاملة؟

بالطبع، من مصلحة أي دولة معالجة المظالم اليومية، خاصة إذا كانت على نطاق واسع كما يحدث في مصر، ويتضرر منها عشرات الآلاف من الأسر على الأقل، إن لم يكن أكثر.

مصر لا تعاني فقط من انعدام الحقوق الدستورية كالحريات العامة وحرية التعبير، وتزايد القمع وارتفاع أعداد المحبوسين في قضايا سياسية، ولكن تواجه أيضًا أزمة اقتصادية غير مسبوقة ومعدلات إفقار لم تطل فقط فئات واسعة من المجتمع، بل هي معدلات متزايدة تبعها سخط شعبي غير مسبوق، وبالتالي أي عاقل، يعلم أن ذلك الوضع غير قابل للاستمرار، وأن كل فرص الانفجار واردة، وأنه لابد من وجود نوافذ ومنافذ للتعبير عن هذا الغضب بشكل سلمي وقانوني.

ما يحدث في مصر الآن شديد الخطورة، فلا توجد وسيلة للتعبير السلمي وبشكل قانوني عن الغضب والاعتراض، وذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مفيدًا لأي نظام.

مثلًا، الشباب الذي حاول إصدار توكيلات لصالح المرشح الشاب أحمد الطنطاوي، كان من المفترض أن تسعد بهم مؤسسات الدولة، وتشجعهم على خوض التجربة، لا أن تحبسهم عقابًا على إيمانهم بالعمل السياسي والانخراط فيه بشكل شرعي وسلمي وقانوني، خاصة وأن هذه المساحة التي كانت ستترك لهم لم تكن لتغير شيئًا في واقع ومصير الانتخابات ونتائجها في مصر.

كذلك تم قمع الشباب المتضامنين مع غزة والقضية الفلسطينية اعتراضًا على الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل بحق أصحاب الأرض هناك، أو حتى للاختلاف مع طريقة إدارة الحكومة للأزمة.

لنتخيل ما الذي سيحدث إذا وجد هؤلاء استحالة التعبير عن آرائهم في ظل القانون والدستور، وتمت مواجهة تعبيرهم السلمي هذا بالقمع والتنكيل، أليس هذا معناه أن هناك من يرغب في الدولة إلى دفع الشباب إلى الاختلاف بطريقة غير قانونية وغير سلمية.

لقد وصل الأمر إلى العقاب على أمور هي في الأساس محمية بمظلة القانون والدستور المصري. الناس يتعرضون للمسائلة القانونية على رفع لافتة وكتابة شعار على حائط وحتى مجرد التفكير في فعالية تضامنية كما حدث مع مجموعة طلاب من أجل فلسطين الذين ألقي القبض عليهم لمجرد التفكير في النشاط قبل ممارسته أو الانخراط في فعل ميداني واحد.

بعض المدرسات المستبعدات من التعيين في وزارة التعليم بسبب اللياقة والرشاقة والوزن، محبوسات في قضايا أمن دولة، وكذلك الموظفون الذين يعترضون على فصلهم بإجراءات غير قانونية في حملات تحليل المخدرات تحت الاستهداف والملاحقة.

القيادات العمالية التي لديها قانون عمل يسمح بالاضرابات، بمجرد الانتهاء منه، تتم ملاحقتهم والقبض عليهم من البيوت بتهم الإرهاب.

ما معنى أن تلاحق كل هؤلاء بقانون الإرهاب؟ أنت بذلك تجعل قوانين الإرهاب محل تندر وسخرية، وتبعث برسالة سلبية للناس بغياب أي فرصة للتعبير السلمي القانوني عن الآراء أو الاختلافات أو الحقوق. النظام يصنع خصومة تتجاوز أحزاب المعارضة المنظمة إلى قطاعات أوسع في المجتمع، حيث لن تفلح أي قبضة أمنية حتى ولو كانت مشددة.

يحيي حسين عبد الهادي المتحدث الرسمي السابق باسم الحركة المدنية أثناء انعقاد جلسة سابقة لمحاكمته - حسابه الرسمي على موقع "فيس بوك"
يحيي حسين عبد الهادي المتحدث الرسمي السابق باسم الحركة المدنية أثناء انعقاد جلسة سابقة لمحاكمته - حسابه الرسمي على موقع "فيس بوك"

ألا تُدرك الحكومة هذه المخاطر؟

الإشكالية أن القائمين على استراتيجية الحكم في الفترة الحالية يرون أنهم في نجاح، وهم في الترويج لذلك يمنعون أصوات المعارضة والحركة السياسية والمجتمعية والتظاهرات في الشارع وحتى المتابعة الخبرية الحقيقية لأوضاع مجتمع يشاهد وزيرًا للتعليم يتصدر المشهد بشهادات مضروبة، بينما المجتمع يعاني في تعليم أولاده ولا يجد المستحقين مكانًا.

هذا مجرد تأجيل للانفجار المجتمعي، لا يمنعه.

ومع ذلك، أتمنى أن يعي أحد قيمة حتى إصدار قرارات تصحيحية سريعة قبل المراجعة الدورية الشاملة، فكل عفو رئاسي هو مكسب حقوقي ومجتمعي، وكل شخص يخرج من السجن إلى بيته هو مكسب ولم شمل صحيح رغم انخفاض الأعداد والوضع الراهن.

هل تتذكر متى كان آخر عفو رئاسي؟ كان هذا منذ عام، في أغسطس 2023، أما الآن فاللجنة غير مفعلة، وأعضاؤها يتحدثون علنًا أن أعمالهم متوقفة. لا يمكن الاستمرار في استراتيجية "إفراغ البحر بملعقة"، في ظل تكرار الحبس للمفرج عنهم كالمهندس يحيي حسين عبد الهادي وشريف الروبي.

نحن منخرطون في كل خطوة وكل مشروع قانون في صالح إعادة الحقوق الدستورية، سواء السياسية أو الاقتصادية، ولن نرفض أي إجراء في صالح احترام الدستور وحقوق الإنسان، حتى لو كان محدودًا، وغرضه بعيد عن معالجة جذور المشكلات، انتظارًا للحل الجذري لمعالجة كل الأزمات.

اقرأ أيضاً: حسام بدراوي في حوار خاص: هل تريدون دولة ديمقراطية.. إذن أين البرلمان والصحافة؟.. وأحذر من تعديل الدستور مجددًا

3 مستويات لحل أزمة مصر

ما هو الحل الجذري من وجهة نظرك؟

الحل الجذري برأيي يمس 3 مستويات.

المستوى الأول: وقف "الاعتقال" السياسي بالأساس، وليس حل مشكلة المعتقلين السياسيين فقط. فلا يمكن أن يكون السجن أو الخوف والتخويف منه هو أداة الحكم.

المستوى الثاني: إعادة الاعتبار للفضاء المدني حتى يستطيع الناس التعبير عن مواقفهم واعتراضاتهم بشكل قانوني وسلمي، دون خوف من الملاحقة على الأراء التي وصلت إلى العقاب على مجرد كتابة "بوست" بمواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: الحوار الوطني يبدأ “اختبار” الحبس الاحتياطي.. ودعوة لتفعيل مبادرة أسر السجناء

نريد فضاءً مدنيًا يسمح للصحافة أن تتكلم، وللطلاب أن ينظموا أنفسهم، وللعمال أن يتحركوا للمطالبة بحقوقهم، وللأحزاب أن تعمل، وللحقوقيين أن يمارسوا مهامهم.

المستوى الثالث: وضع العدالة الاجتماعية في المقدمة، ووقف سياسيات الإفقار. فنحن أمام سياسات ترى الحصول على استقرار مالي مؤقت وزائف مقدم على حقوق الناس في الحاضر والأجيال في المستقبل.

أي إجراءات قد تقدمها الحكومة للحل لا تمس تلك المستويات، هي مكسب جزئي، لن تعالج جذور الأزمة التي يمر بها البلد.

والسؤال الآن: النظام جرب كل الطرق القديمة ولم تصلح، فلماذا يستمر فيها؟

حسام بهجت يؤكد أنه لا يمكن أن يكون السجن أو الخوف والتخويف منه هو أداة الحكم - تصوير محمد الراعي
حسام بهجت يؤكد أنه لا يمكن أن يكون السجن أو الخوف والتخويف منه هو أداة الحكم - تصوير محمد الراعي

أنتم في مقابل الحكومة

في مقابل تقييم "المبادرة" وشركائها عن عقد هو الأسوأ حقوقيًا، يتحدث النظام وأنصاره عن "أفضل عقد حقوقي".. شعبيًا، كيف نقتنع بوجهة نظر أحدكما؟

التوصيف لا يبنى على انطباعات. معايير حقوق الإنسان مستقرة دوليًا، ونحن نتمسك بوصفنا لأنه مبني على حقائق كاملة.

الأرقام تتحدث عن الوضع، وأوضاع السجون وأعداد الصحفيين/ات المحبوسين وسجناء الرأي، وأحكام الإعدام، والمواقع المحجوبة تكشف الحقيقة المجردة.

إذا نظرنا إلى مستوى الإنفاق على التعليم والصحة، سنجدها لا تتوافق مع نصوص الدستور، ودراسات الباحثين في "المبادرة" توثق انخفاض القيمة الحقيقة للإنفاق في ظل التغير في سعر الصرف والتضخم والأزمة الاقتصادية ككل.

آخر معدلات رسمية للفقر تم السماح بإعلانها كانت في عام 2020. لك أن تتخيل أن في عام 2024 لا تزال إحصائيات العام 2019 هي المتاحة فقط للحديث رسميًا عن الفقر، وهذا مفهوم لأن الإعلان الرسمي عن الأرقام الحالية سيكشف عن معدلات أكبر بكثير وستتوارى خجلًا أمامها كل الأرقام السابقة.

في "المبادرة المصرية" نتحدث دائمًا عن "الإفقار" ونعتمده كمصطلح يعبر عن واقع ما يحدث في مصر، ولا نلجأ لاستخدام كلمة "الفقر"، لأننا أمام سياسات ممنهجة تؤدي إلى إفقار المجتمع.

في أواخر يوليو الماضي، أصدرنا تقريرًا حذرنا فيه من أن صندوق النقد الدولي هو بمثابة وصفة مكررة لم تنجح يدفع المصريون ثمنًا باهظًا بسببها.

خلط السياسي بالحقوقي

أنتم متهمون بخلط العمل السياسي بالحقوقي؟

لا يوجد عمل سياسي في مصر حتى يتهمنا البعض بممارسته. معايير حقوق الإنسان هي الفيصل في تقييم عمل أي منظمة تنسب نفسها للوسط الحقوقي.

أما المؤسسات الحقوقية الصديقة للسلطة فهي ليست بنت النظام الحالي، وهي موجودة منذ عهود، وقد ظهرت بوضوح في عهد مبارك الذي سعى إلى خلق منظمات حقوقية صديقة للنظام. وإن كان في ظل تردي الأوضاع وحجم الأزمة العامة والسياسية خاصة، أصبح من الصعب أن تدعي منظمة ما أنها مؤسسة حقوقية ثم تدافع عن النظام الحالي، وتنكر كم الانتهاكات الكبير. هذا خطاب فج وأكثر لفتًا للانتباه.

مجلس قومي بلا جهود ولا نتائج

"المجلس القومي لحقوق الإنسان -طبقًا لقانونه- مستقل، لكن، فعليًا عليه قيود، ولقد أرسلت بالفعل استقالتي إلى المجلس، ولم أنتظر حتى 2025".. هكذا قال السياسي محمد أنور السادات في حوار سابق مع "فكر تاني".. برأيك، هل يمكن اعتبار المجلس إضافة لحقوق الإنسان أم خَصمًا وخِصمًا؟

المجلس القومي لحقوق الإنسان جزء من المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، طبقًا لمبادئ باريس التي تنص على استقلالية هذه المؤسسات في الأداء والتشكيل واستجابة الحكومة لتوصياتها. وهو من هذه الوجهة يخضع كغيره من المجالس الوطنية في العالم إلى مراجعة دورية أممية، وله تصنيف بناءً على هذه المراجعة.

المجلس رغم عيوب تأسيسه أو القيود على اختصاصاته، وطبيعية تشكيله، دائمًا ما كان يحصل على تصنيف "A"، ولكن بعد 20 سنة من إنشائه، خضع لمراجعة دورية لتقييم مدى التزامه بمبادئ باريس العام الماضي، وهو الآن مهدد بشكل حقيقي أن يفقد تصنيفه من الأمم المتحدة، ولديه سنة مهلة لتصحيح مساره تنتهي في الخريف القادم.

المسألة كما قلت ليست انطباعات بل أرقام. ودعونا ننظر إلى سجل أعمال هذا المجلس، الذي نشط لمدة 3 أشهر فقط بعد إعادة تشكيله، وأصدر عددًا من البيانات وأعلن عددًا من المواقف ثم عاد إلى سيرته الأولى، بلا عمل ولا أنشطة ولا مواقف.

أذكر تدخل رئيسة المجلس في أزمة سجن الناشط علاء عبد الفتاح، ومطالبتها العلنية بنقله من سجن العقرب شديد الحراسة 2 إلى سجن وادي النطرون، ثم انتقادها لمسألة عجز البهائيين عن الحصول على أرض مقابر لدفن الموتى، بالإضافة إلى اجتماع المجلس مع المنظمات الحقوقية المستقلة، المتهمين في القضية 173، واجتماعه مع الصحفيين بالمواقع المحجوبة.

كان هذا جيدًا حتى توقف كل شيء فجأة. وخرج عدد من أقليته المستقلة، منهم الراحل جورج إسحق، وتحدثوا عن تعليمات بمنع مواصلة هذا النشاط، بما في ذلك الزيارات التي كان يجريها المجلس بالسجون، رغم أنها زيارات مرتبة مسبقًا ولا تؤدي إلى التحقق من الانتهاكات، بسبب منع السلطات من تحركها في غير مسار محدد سلفًا؛ يشمل فقط الملاعب والمطاعم بعيدًا عن مقرات الاحتجاز.

للأسف، المجلس القومي لحقوق الإنسان يقدم للأمم المتحدة مراجعات تخجل منها المجالس القومية السابقة لحقوق الإنسان.

لا نحكم على المجلس بالنتائج كونه ابن الأزمة الحالية، ولكن نطالب بمحاكمته على الجهود لا النتائج، وهو في هذه الحالة بلا جهد يُذكر.

المجلس القومي لحقوق الإنسان (مصدر الصورة حساب المجلس)
المجلس القومي لحقوق الإنسان (مصدر الصورة حساب المجلس)

جزء من المشكلة

نذهب إلى لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب في دورتي 2015 و2020.. هل كانت شريكة في الدفع بالأوضاع الحقوقية للأسوأ كما ترون أم جزءًا من حل؟

هذه اللجنة جزء من المشكلة بالتأكيد.

وهنا لدي سؤال بسيط جدًا: هل استخدمت هذه اللجنة، منذ عام 2015 وإلى الآن، أي من الأدوات البرلمانية، المنصوص عليها في لائحة مجلس النواب، في مساءلة الحكومة على أي سياسة أو انتهاك لحقوق الإنسان؟ الإجابة: لا.

لن تجد في اللجنة الحالية، أي موقف مناهض لانتهاكات حقوق الإنسان ضد أي مواطن. هي فقط تهتم بالهجوم على الغرب، تحت شعارات "ازدواجية معاييره في حقوق الإنسان"، أو الهجوم على منتقدي انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

في عام 2015، كانت الصدمة كبيرة، فاللجنة تولى رئاستها ضابط سابق، وكان هذا أمرًا ملفتاً ومثار حديث واسع.

ولكن من كثرة تدهور الأوضاع الحقوقية في المرحلة الحالية، يمكن القول إن لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب في دورة 2015، عندما كان يرأسها ضابط أمن دولة سابق، كانت أكثر حيوية ونشاطًا، وذلك إذا وضعناها في مقارنة مع اللجنة الحالية، مع الإقرار بأن اللجنتين لم يؤديا المنوط بهما دستوريًا وبرلمانيًا.

أحد اجتماعات لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب - موقع المجلس القومي لحقوق الإنسان
أحد اجتماعات لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب - موقع المجلس القومي لحقوق الإنسان

الاستراتيجية الوطنية "جنين ولد ميتًا"

الدولة أعلنت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 2021.. كيف تراها بعد مرور 3 سنوات؟

الاستراتيجية لها مدة مقررة بخمس سنوات (2021-2026)، وبحلول الشهر المقبل، يكون قد مر عليها أكثر من نصف المدة، مما يمكننا من تقييمها.

هذه استراتيجية ضعيفة بالأساس، ومع ذلك لم تُنفذ، باعتراف القائمين على تنفيذها، الذين لا يحبذون التصريح بذلك علنًا.

نحن نعتبر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان "جنينًا وُلد ميتًا"، للأسف، لم نمنح فرصة للحكم عليه عندما يكبر، رغم أننا من أنصار استخدام كل ما هو ممكن والتعامل مع كل ما هو متاح، واحتلال كل المساحات الممكنة، وكنا مستعدين للتفاعل مع هذه الاستراتيجية، بهذا المنطق، عبر المشاركة والنقد.

ولعل أهم سبب من أسباب فشل الاستراتيجية، هو أنها تخلو من الإجراءات والخطط التنفيذية، وتعتمد على تقييم للوضع منفصل عن الواقع مع إعلان للنتائج المطلوبة فقط.

تخيل أنها تخلو من أي كلمة عن سجناء الرأي والمعتقلين أو الحبس الاحتياطي، لدرجة أن إجراءات مثل الدعوة للحوار الوطني أو إلغاء حالة الطوارئ أو إنشاء لجنة العفو الرئاسي، غير موجودة نصًا في الاستراتيجية من الأصل.

اقرأ أيضًا:  أكرم إسماعيل في حوار خاص: على النظام أن يسمح للمعارضة بالمنافسة على 30% من مقاعد برلمان 2025.. و“الضباع” تريد أن تحافظ على مصالحها ولو على جثة البلد

صياغة الاستراتيجية كذلك تحمل عبارات فضفاضة للغاية، من عينة "مواصلة العمل على التعبير عن الآراء التعددية في وسائل الإعلام" لدرجة تجعل من المستحيل تقييم تلك النتائج المطلوبة، فلا أحد يعلم المدخل، ولا أحد سيستطيع تقييم النتيجة.

وفي الواقع، لم تفلح الاستراتيجية بعد صدورها في تغيير شيء في المشهد الحقوقي، فالحبس الاحتياطي مستمر، وحجب المواقع لم يتوقف، والتوسع في المحاكمات الاستثنائية يزداد، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية في نزيف.

وفي هذا الإطار، فإن الحكومة في ورطة قبل المراجعة الدورية الشاملة، ولن يكفيها ترديد جملة "أصدرنا الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان منذ 3 سنوات"، ومن هنا نفهم سر الإسراع بتعديل قانون الحبس الاحتياطي على سبيل المثال.

جانب من مؤتمر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر - وكالات
جانب من مؤتمر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر - وكالات

لجنة سد فراغ

6 سنوات مرت على تدشين اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، بمشاركة 12 وزارة وجهة رسمية.. ما تأثيرها وجدواها في رأيك؟

نحن لا ننظر إلى هذه اللجنة كآلية حقوقية أو كيان إداري منفصل يعمل على حقوق الإنسان، بل هي آلية حكومية للتنسيق التشاوري بين جهات الدولة للتعامل مع انتقادات حقوق الإنسان القادمة من الخارج.

وبالتالي، لا ننتظر أن تقوم بدور مختلف يعمل على تحسين جهود حقوق الإنسان على الأرض في مصر.

هذه اللجنة في واقع الأمر بلا صلاحيات تنفيذية ولا قانونية تتجاوز التنسيق فقط، وهي تأتي لسد فراغ في الجهاز الإداري للدولة في جانب حقوق الإنسان، بعد انتقال الملف إليها من "وزارة الشئون البرلمانية والقانونية" سابقًا.

ومن اللحظة الأولى، وُلدت هذه اللجنة بـ"عيب خلقي" أمام العالم، وهو أن مقرها وزارة الخارجية، ورئيسها وزير الخارجية.

وطالما لم تتغير السياسة العامة للدولة إزاء ملفات حقوق الإنسان، فلا يُنتظر من هذه اللجنة واجتماعاتها التي تشارك فيها كل الجهات المعنية أي شيء.

جانب من اجتماع اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان - وكالات
جانب من اجتماع اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان - وكالات

استهداف الحركة الحقوقية

تعرضت الحركة الحقوقية لضربتين موجعتين خلال السنوات العشر الماضية، وبالتحديد بعد المراجعة الدورية الشاملة في عامي 2016 و2019.. كيف أثر ذلك على الحقوقيين؟

شهدت الحركة الحقوقية في مصر ضربات عديدة، كان إحداها في عام 2016، مع تصعيد التحقيقات في القضية 173 ضد معظم المنظمات الحقوقية تقريبًا، وملاحقتنا بمواد قانون الإرهاب التي تصل فيها الأحكام إلى المؤبد، بالتزامن مع حملة التشويه والاغتيال المعنوي التي تعرض لها الحقوقيون.

وجاءت الضربة الثانية بعد مراجعة عام 2019، وخاصة لنا في المبادرة المصرية، ففي عام 2020، تم القبض على جاسر عبد الرازق المدير التنفيذي، ومحمد بشير المدير الإداري، وكريم عنارة مدير العدالة الجنائية، الذين ما زالوا متهمين على ذمة إحدى القضايا، ولا يزالون ممنوعين من السفر، فضلًا عن تجميد أرصدتهم الشخصية. وقبلها بقليل تم القبض على زميلنا باتريك زكي الباحث في المبادرة، كما تم القبض على المحامين محمد الباقر وماهينور المصري من النيابة والمحكمة.

وقد شهدت الفترات البينية بين هذين التاريخين ضربات مستمرة للحركة الحقوقية، نتج عنها العديد من القرارات بالمنع من السفر والتحفظ على الأموال والتضييقات المستمرة، ما دفع البعض إلى السفر والعمل من الخارج، أو وقف النشاط وتخفيضه بشكل كبير، وهو ما أدى إلى انكماش حجم الحركة، حتى أنني عندما عدت إلى العمل الحقوقي في عام 2021، وجدت بالكاد 5 منظمات تعمل من داخل المكاتب وفي مسارات محددة كالمساعدة القانونية والتوثيق، من إجمالي 30 منظمة كانت تعمل في كل المسارات.

كل ذلك وغيره دفع الحركة الحقوقية في مصر إلى الانتقال من مرحلة "التأثير" إلى مرحلة "البقاء"، نظرًا لمحدودية فرص التأثير في ضوء الوضع السياسي الراهن، وجسامة الانتهاكات، وغياب النوافذ والآليات المؤسسية للمحاسبة والتصدي.

اختلاف صحي

البعض يتحدث عن وجود صراعات بين المنظمات الحقوقية المستقلة عرقلت المأمول منها.. هل تتفق مع ذلك؟

هناك اختلاف صحي بين المنظمات المستقلة، لكنه لا يصل أبدًا إلى صراع.

منظمات التنمية العاملة في مجال مكافحة الفقر تستخدم أدوات مختلفة للوصول إلى نتائجها التي لا تختلف في أهدافها عن باقي المنظمات الأخرى.

البعض يرى أهمية في المدفوعات النقدية وتوسيع مشروعات التكافل والكرامة، والبعض الآخر ينخرط بنفسه في تقديم المساعدات التنموية بشكل مباشر، وآخرون يعملون على مستوى السياسات المؤدية إلى الفقر وخلافه.

هناك منظمات مؤمنة بدور هيئات الأمم المتحدة، وبالتالي تستثمر جهدًا أكبر وموارد أكثر في استخدام آليات الأمم المتحدة، بينما ترى منظمات أخرى أن الاحتياج الأساسي هو تقديم الدعم القانوني للمحبوسين وسجناء الرأي، فتستثمر مواردها في هذا المجال.

أعتبر أن منظمات حقوق الإنسان المستقلة تجمعها مستهدفات واحدة، قد تكون مختلفة في بعض الأدوات والتكتيكات، وهذا شيء طبيعي وصحي في رأيي، لكنه لا يصل أبدًا إلى الصراع.

الاستقواء بالخارج

كثيرًا ما تتهم الموالاة المنظمات الحقوقية بالاستقواء بالخارج.. ألا يزعجك ذلك؟

اتهام الاستقواء بالخارج عمره من عمر الحركة الحقوقية المصرية، وحركتنا جزء من الحركة العالمية لحقوق الإنسان.

التزامات الحقوقيين بمصر هي التزامات نص عليها الدستور، واتفاقيات دولية، تقوم على تنفيذها هيئات أممية، ومن الطبيعي والمنطقي استخدام آلياتها المتاحة للانتصاف والإنصاف.

أنا من أشد المؤمنين بأن التغيير لن يحدث في مصر، إلا على أيدي المصريين.

ولما حدث في عام 2011 تغييرًا مع ثورة 25 يناير، كان بقرار المصريين عندما قرروا خوض معركة العيش والحرية والكرامة الإنسانية، في وقت كان النظام المصري يتمتع بتأييد خارجي أكثر من النظام الحالي.

منظمات الخارج

البعض يتهم المنظمات المصرية الحقوقية بالخارج بأن سقفها المرتفع هو سبب عناد النظام وعدم سعيه لحلحلة الأزمة الحقوقية داخليًا.. كيف تعلق؟

حلحلة الأزمة الحقوقية واجب على النظام الحاكم، ولا يعطله ضغط الحقوقيين سواء في الداخل أو الخارج. هذا فضلًا عن أن وجود منظمات حقوقية مصرية في الخارج مهم، في رأيي الشخصي، وأهميته الأساسية تنبع من أهمية العمل مع الجاليات المصرية في الخارج، من أجل رفع الوعي الحقوقي وتحفيز المصريين في الخارج على المشاركة.

وفي هذا الإطار، من المهم تحويل المصريين بالخارج إلى كتلة ضاغطة لتحسين الأحوال في بلادهم، حتى ولو لم يعيشوا بها، باعتبارهم كتلة تصويتية يسمح لها القانون بالمشاركة في الانتخابات، وحتى تكون اختياراتهم منحازة لمرشحين يقدرون حقوق الإنسان.

وأنا لا أتفق مع سردية أن خطاب منظمات الخارج أعلى من سقف المنظمات في الداخل.

تقييمي الشخصي أننا نعمل في ظروف أمنية أكثر خطورة، وعرضة لضربات أكثر مباشرة، ممن هم بالخارج. ومع ذلك، فإننا -في حالتنا مثلًا- لم نترجم تلك الخطورة إلى تخفيض سقف أو مستوى خطابنا، ولم تكن هناك قضايا حقوقية لم نتعامل معها بسبب وجودنا داخل مصر.

من ناحية أخرى، لا أرى أن استهداف الحركة الحقوقية يقتصر على حقوقي الداخل فقط، فقد طال من هم بالخارج أيضًا؛ القضية 173 بها ضمت منظمات من الداخل والخارج، وكان ملفتًا أن القضية أغلقت لحقوقييّ الخارج دون حتى التحقيق معهم، بسبب وجودهم خارج البلاد.

جلسة الحوار حول الحبس الاحتياطي

شاركت المبادرة المصرية في الحوار الوطني.. كيف كانت هذه المشاركة؟

شاركنا في الحوار الوطني في مناقشة 5 موضوعات إلى الآن، هي: قانون مناهضة التمييز، وإنشاء مفوضية لذلك، وسياسات الاستدانة والدين العام، وقانون التأمين الصحي، وجلسة حرية التعبير والصحافة، ومؤخرًا شاركنا في جلسة تعديل قوانين الحبس الاحتياطي.

المشاركة الأخيرة كانت مختلفة قليلًا، حيث دعينا للمشاركة في جلسات خبراء مغلقة، على عكس المرات السابقة التي كانت عبارة عن جلسات استماع عامة، فيها قائمة متحدثين لا نهائية ووقت لا يتخطى الدقائق الثلاثة، وبدون وجود ممثلين للحكومة.

هذه المشاركة برأيي كانت الأكثر جدية وتخصصًا، لوجود عدد متحدثين أقل، في ظل وجود خبرات متخصصة وسجناء رأي سابقين، وممثلين للحكومة ومجلس النواب، مع وجود موضوع محدد للحديث.

كنا نطالب بجلسة استماع برلمانية، قبيل تعديل قانون الإجراءات الجنائية، لاستماع لآراء منظمات حقوق الإنسان ونقابة المحامين وأسر السجناء وسجناء الرأي السابقيين في ملف الحبس الاحتياطي، وجاءت جلسة الحوار الوطني كإطار قريب الشبه من مطالبنا وإن لم تف بها كلها.

نحن كمنظمة حقوقية نتعامل مع حضور جلسة للنقاش حول انتهاك أو إبداء الرأي في حلول له، كما نتعامل مع حضور محامي لجلسة مرافعة في قضيته، فلا يعد حضوره لجلسة المحاكمة مكافأة لهيئة المحكمة أو شهادة استقلال أو ضمانة لكسبه القضية.

عدم ذهاب المحامي لجلسته يعد إهمالًا مهنيًا جسيمًا، في قضيته، ولا يصح في رأينا، أن يقول المحامي إنه كسب دعوى قضائية والخصم لم يمكنه من تنفيذها، وبالتالي لن يذهب للمحاكم، أو أن يقول إن هذا القاضي حضرت أمامه من قبل وحكم ضدي، وبالتالي لن أذهب مرة أخرى، أو أن يقول إنه لن يحضر جلسات مرافعة لأن القضاء غير مستقل مثلًا.

المحامي يحضر الجلسة لأن هذا دوره، ونحن نتعامل مع المشاركة في الحوار الوطني بالمنطق نفسه.

لا يمنح حضورنا للحوار الوطني شهادة جودة عن الأوضاع الحقوقية، ولا يوجد معنا ضمانة لتحقيق ما نرجو في حال حضورنا.

نحن نحضر، كما المحامي، لإبداء دفوعنا وتقديم أدلة، والرد على دفوع الخصم، ودحض أدلته، وتقديم أفضل دفاع ممكن عن قضيتنا وموكلينا، ومن باب "عملنا اللي علينا" لتحقيق أي مكسب.

هذا ينطبق تمامًا على حضورنا في المراجعة الدورية الشاملة للأمم المتحدة، والذي جرى لثلاث مرات سابقة، ولم يتم تنفيذ معظم التوصيات، ونستعد للمرة الرابعة، ونعتقد أنه من غير المنطقي مقاطعة المراجعة الدورية الشاملة،تحت مبررات أن الحكومة لم تلتزم أو أن التوصيات لم تنفذ.

نقدم أكبر عدد ممكن من التقارير التي تعكس أقرب صورة للحقيقة، ومعنى غيابنا هو انفراد الحكومة ومنظماتها الصديقة بتصدير صورة غير حقيقية عما يدور في مصر.

منصة جلسة مناقشة أزمة الحبس الاحتياطي في الحوار الوطني
منصة جلسة مناقشة أزمة الحبس الاحتياطي في الحوار الوطني

الحوار لم يُنتِج بعد

ما تقييمك للحوار الوطني منذ انطلاقه حتى اليوم؟

إجمالًا، الحوار الوطني لم ُينتِج. وأنا دقيق في استخدام اللفظ، فهو لم ينتج بالأساس، وليس لم ينتج بما يكفي، كما يقول البعض.

آلية إدارة الحوار الوطني نفسه تحتاج إلى مراجعة، فلا أجندة حوار، ولا ورقة عمل، ما يجعله يتحول إلى منصة وميكرفون يُمنح إلى أعداد من 50 -70 شخصًا، لمدة معينة للحديث.

لا أحد لديه فرصة لطرح سؤال وينتظر إجابة، ولا يوجد معلومات متاحة توفرها أجهزة الدولة المعنية القائمة على الحوار، فضلا عن عدم حضور ممثل للحكومة، وهو ما تم تجنبه بوضوح في جلسة مناقشة أزمة الحبس الاحتياطي.

انتظار إشارة تغيير رئاسية

ما سبب عدم فاعلية الحوار كما ترى؟

السبب في رأيي أن الحوار الوطني لم يرتبط بقرار متزامن من رئيس الجمهورية بتدشين مرحلة جديدة.

رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي تنتظر منه كل جهات الدولة، سواء الداعمة للحوار أو المعارضة له، إشارة لتحديد مواقفها. وبالتالي، تلك الجهات ستظل تعمل وفق تصوراتها القديمة في انتظار إشارة تغيير رئاسية جديدة.

وأعتقد أن الحوار الوطني كان سينجح لو رافقه إشارة لبدء مرحلة جديدة، ولكن الأوضاع القديمة استمرت والممارسات بقيت كما هي، والسياسات لم تتغير، فاستمر الحوار دون جديد.

تتحدث عن جهات من الدولة داعمة للحوار الوطني وأخرى معارضة.. هل هي معلومات أم مسألة تقديرية؟

بالطبع ليست مسألة تقديرية، هذا أمر معلن ومرصود.

في صبيحة انطلاق الحوار الوطني، تم القبض على بعض المشاركين، ثم الإفراج عنهم في نفس اليوم. وفي يونيو 2023، وقبيل جلسة لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة في الحوار الوطني، التي كانت مخصصة لمناقشة قانون حرية تداول المعلومات، فوجئنا بحجب موقعين هما "السلطة الرابعة" و"مصر 360"، وهو ما انتقده نقيب الصحفيين خالد البلشي حينها.

كما أُلقي القبض على النقابي محمد زهران بعد مشاركته في أخر جلسة من المرحلة الأولى للحوار الوطني، وأُفرج عنه بعد 48 ساعة عقب تعليقنا للمشاركة.

وقبيل جلسة الحوار الوطني المخصصة لمناقشة الحبس الاحتياطي، أُلقي القبض على الصحفي ورسام الكاريكاتير أشرف عمر، وبعده المهندس يحيى حسين عبد الهادي.

هذا الأمر أعلنه بوضوح المنسق العام للحوار، ضياء رشوان، في الميكروفون أثناء الحوار، وقال بوضوح: "إن هناك جهات داخل الدولة ضد الحوار والإصلاح، وتسعى للدفاع عن هذا الموقف، كما أن هناك جهات في المعارضة ضد الحوار كذلك".

وفي رأيي، دلالة تلك المواقف أن هناك جهة في الدولة مقتنعة تمامًا أن القرار الفوقي لم يتغير بعد، وأن سياسة الدولة ما زالت كما هي، ومنها استمرار مسلسل القبض على السياسيين والمواطنين.

وبالتالي، هذه الجهة تحتاج بوضوح إلى قرار آخر يقول إن هناك سياسة جديدة لحل ملف الاعتقال السياسي، ووقف أي عمليات للقبض، وعدم تدوير أي مفرج عنه، وتعديل القوانين.

أنا هنا لا أشكك إطلاقًا في أن القائمين على الحوار الوطني ليس لديهم رغبة في إنجاحه، بل أرى أنهم يريدون إنجاحه بالفعل، ولو حتى لصالح حساباتهم الشخصية من حيث النجاح الذاتي في إدارة الأمر.

 صورة لبعض السجناء - وكالات
صورة لبعض السجناء - وكالات

أوضاع السجون

بمناسبة جلسة العدالة الجنائية، تحدثت المبادرة مؤخرًا عن "أوضاع مؤسفة في السجون". والعادة أن مؤسسات الدولة تنفي ذلك وتتحدث عن ظروف مثالية. كيف نواجه تلك الجدلية؟

الرقابة والمحاسبة هما الجناحان لحل تلك الأزمة.

القائمون على السجون، ثبت بالتجربة، لا يمكن أن يتغيروا من تلقاء نفسهم، سواء على مستوى معاملة المسجونين أو الرعاية الطبية المقدمة لهم.

وفي المنظمة لدينا تقارير لم تنشر بعد عن ارتفاع أسعار الغذاء في الكانتين وأن وجبة المحبوس احتياطيا أو السجين، في السجن أو مراكز الاحتجاز في أقسام الشرطة تتعرض للانتقاص بسبب ارتفاع أسعار الغذاء مثل اللحوم والبيض، وبالبلدي :" :" كل حاجة بتغلى بتتشال من الوجبة".

الخبز والجبن والفول، باتوا هم الغذاء المتاح للسجين، رغم حقه في اللحوم والبيض والفاكهة وخلافه.

السؤال هو: أين الجهات التي منحها القانون المراقبة على تلك الأوضاع وغيرها من وفيات وانتهاكات داخل السجون؟ أين الزيارات المفاجئة للنيابة العامة، وتفتيشها؟

أين المجلس القومي لحقوق الإنسان وزياراته غير المعلنة مسبقًا، وإمكانية إجراء مقابلات مع السجناء على انفراد؟ وأين السماح للصليب الأحمر بزيارات السجون، رغم علم الجميع أن تقاريره تسلم فقط لأجهزة الدولة وقيامه بتلك الزيارات في معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية؟

هنا أريد أن ألفت الانتباه إلى أننا في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، كمنظمة تعمل في هذا المجال منذ 22 عامًا، لم نتعامل من قبل مع هذا العدد من الوفيات المتزايدة التي تحدث في السجون في السنين الأخيرة.

لابد من إجراء تحقيق منفصل في كل حالة وفاة داخل السجون، لا يمكن أن تكون تلك الوفيات ظاهرة طبيعية، يموت فيها كل هذه الأعداد في مكان واحد.

ولا يمكن أن يتوفى من هم في أواخر الثلاثينات من العمر بلا أسباب خاصة لو كانوا بدون تاريخ طبي ، وليس ممكنا ألا يكون هناك حالة واحدة بها شبهة إهمال، أو تأجيل رعاية أو حرمان من الرعاية أو سوء معاملة.

اقرأ أيضاً: حسام مؤنس في حوار خاص: مشكلة مصر انحياز السلطة للأكثر ولاءً.. والأخطر هو تغييب الشارع السياسي

مساعي الإفراج عن الحقوقيين

ما تحركات المنظمات الحقوقية حاليًا للإفراج عن الحقوقيين/ات في السجون؟

كان هناك أكثر من مجموعة من الحقوقيين/ات في الحبس الاحتياطي، منذ 2014 إلى اليوم.

وكل محاولة ممكنة تم بذلها في سبيل الحل، من أول الدفاع عنهم في المحكمة والنيابة، حتى استصدار قرارات ومطالبات من الأمم المتحدة بالإفراج عنهم، مرورًا بتقديم أسمائهم في لجنة العفو وإثارة قضاياهم في كل فرصة ممكنة.

الغالبية من المحامين أو الممارسين للعمل الحقوقي الذين أُلقي القبض عليهم بسبب نشاطهم في الدفاع عن المتهمين أو نشاطهم الحقوقي، تم الإفراج عنهم، ومنهم المحامين: هيثم محمدين، ماهينور المصري، وعمرو إمام. لكن ما زال هناك حقوقيون يتم التعامل معهم باعتبارهم من قضايا الإسلاميين، وتعد هذه واحدة من الكوارث المرتبطة بالملف، وهذا ظلم فادح وغير مقبول.

أقدم حالات المحبوسين احتياطيًا من الحقوقيين بدون أحكام هو المحامي إبراهيم متولي، الذي تجاوزت مدة حبسه احتياطيًا الخمس سنوات. وقد تم إلقاء القبض عليه بسبب تدشينه رابطة أهالي المختفين قسريًا، على خلفية اختفاء ابنه، حيث أُلقي القبض عليه وهو في المطار متجهًا إلى جنيف للمشاركة في اجتماعات فريق عمل الأمم المتحدة الذي يعمل على ملف المختفين قسريًا.

وأقسى الأحكام حتى الآن بحق الحقوقيين هي الأحكام غير المسبوقة الصادرة بحق أعضاء "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات"، حيث تم الحكم عليهم العام الماضي بمدد تتراوح من 5 سنوات إلى 15 سنة، ومن بينهم المحاميان عزت غنيم مدير المنظمة، والمحامية هدى عبد المنعم العضوة السابقة في المجلس القومي لحقوق الإنسان، التي هي في حالة صحية سيئة جدًا، بالإضافة إلى عائشة الشاطر، ومحمد أبو هريرة المحامي.

الأحكام عليهم ليست فقط مشددة، لكن الأزمة التي أصدرت المبادرة تقريرًا بشأنها هي أن التهمة الموجهة لهم هي "تأسيس وإدارة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، ونشر معلومات كاذبة عن انتهاكات حقوق الإنسان". بالإضافة إلى أن الحكم صدر من محكمة أمن الدولة طوارئ، وبالتالي فإنهم لا يملكون حق الاستئناف.

الأزمة الأخيرة تتمثل في أنه بعد أن قضت المحامية هدى عبد المنعم حكمها بالسجن لمدة خمس سنوات فقط، تم إعادة حبسها على ذمة قضية أخرى في يوم الإفراج عنها، رغم وجود حكم بالمراقبة الشرطية بحقها.

الحقوقي محمد الباقر قدم 11 توصية لحل أزمة الحبس الاحتياطي
الحقوقي محمد الباقر قدم 11 توصية لحل أزمة الحبس الاحتياطي

ملفات عالقة

هناك ملفات عالقة في سجلات بعض الحقوقيين مثل المنع من السفر، وتجميد الأموال، وقوائم الإرهاب. ما تحديثات هذا الملف؟

في قضية المبادرة المصرية، منذ ديسمبر 2020، لم تتمكن المحكمة بعد من السماح لنا بالطعن على قرار المنع من السفر أو الحجز على الأموال، ولم نحصل بالأساس على حكم المحكمة.

المحامية هدى عبدالوهاب - مواقع الكترونية
المحامية هدى عبدالوهاب - مواقع الكترونية

المحاميان ناصر أمين وهدى عبد الوهاب، مازالا ممنوعين من السفر حتى الآن، رغم خروجهم من القضية 173، و لازال لديهم قضية أخرى.

لدينا حقوقيون على قوائم الإرهاب مثل محمد الباقر وهيثم محمدين، بجانب ملف قضية "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات".

وبناء على خبرتي التي مررت فيها أثناء قضيتي والمنع من السفر طوال 8 سنوات، فإن أمر غلق تلك الملفات وإنهاء تلك المعاناة لا يحكمهما مؤشرات.

لقد قدمنا الطلبات القانونية والعديد من الطعون في المحاكم ولم يتم تحديد جلسات حتى الآن للنظر فيها.

ننتظر إغلاق تلك الملفات في أقرب فرصة ممكنة.

استحقاق مستحيل

البعض يراهن على أن قانون العدالة الانتقالية كاستحقاق دستوري مفيد لحل كل تلك الإشكاليات.. ما رأيك؟

نعم، هو استحقاق دستوري ولكن "في المشمش".

القضية الآن في إيجاد عدالة في البدء، قبل أن نبحث عن إيجاد عدالة انتقالية لن تتحقق في ظل مناخ لا يوفر لها أي فرص.

المطلب الحالي هو استعادة العدالة، وإصلاح المنظومة ككل.

مبادرات مهمة


في هذا السياق.. ماذا حققت مبادرتكم "أول 7 خطوات"؟  

في ربيع 2021، أعلنا في المبادرة المصرية وشركاء من منظمات حقوق الإنسان تصورنا لأول 7 خطوات مطلوبة في أي انفراجة حقوقية، بالتزامن مع حديث عن إقرارها في هذا التوقيت.

كان من مطالبنا إلغاء حالة الطورايء، وإغلاق القضية 173، وسحب قانون الأحوال الشخصية، وتم التعامل معه باستجابات متباينة، فالطورايء تم تضمين بعض قيودها في القوانين، والقضية 173 لها بقايا، وقانون الأحوال الشخصية تم تجميده حتى الآن.

لازال من مطالبنا التي لم تنفذ بعد، رفع الحجب عن المواقع، وإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي و"التدوير"، والإفراج عن سجناء الرأي، والتوسع في أحكام الإعدام.

برأيك .. هل تلقى مبادرة أسر سجناء مصر السياسيين قبولاً في السياق العام الحالي؟

أتمنى أن تلقى قبولًا.

أزمة سجناء الرأي وذويهم هي تهديد للاستقرار بالمعنى الأمني، ولا يمكن تعريض هذا الكم من المواطنين لهذا الكم من الظلم، في كل محافظات مصر، باستمرار للأبد، دون تصحيح للأوضاع.

في حواره معنا في يوليو الماضي.. طرح د.زياد بهاء الدين دعوة لتحديث مبادرته الخاصة باستعادة المسار الديمقراطي.. هل هذا مناسب الآن؟

زياد بهاء الدين في حواره مع منصة فكر تاني
زياد بهاء الدين في حواره مع منصة فكر تاني

أنا أرى أهمية لهذه المبادرة وحاجتنا لمبادرات شبيهة على مستوى قوى المعارضة والتغيير والإصلاح بغض النظر عن فرص النجاح.

مطلوب من قوى التغيير والإصلاح جهد في تصور سيناريو المستقبل، واستعدادات البناء في اليوم التالي، لأن البلد تعرضت للهدم وكأننا كنا في حرب.

جزء من ذلك السيناريو والاستعدادات تفكيك البنية السلطوية الرهيبة التي بنيت في السنوات الأخيرة، وجزء منها إعادة بناء منظومة العدالة التي تم تدميرها، وجزء منها التعامل مع تركة التشريعات القمعية.

لابد من وجود مبادرات متعددة للوصول إلى الحل.

اقرأ أيضاً : محذرًا من حافة الهاوية الاقتصادية مجددًا.. زياد بهاء الدين يعيد طرح مبادرته لإحياء المسار الديمقراطي (حوار)

عدم تطبيق الدستور

كيف ترى تأخير إصدار القوانين المكملة للدستور والدعوة لتعديله لاستهداف مواد الرئاسة مجددًا؟

السلطة القائمة لا تطبق الدستور، وهذا أمر لم يعد يخجل أعضاء لجنة الخمسين من التصريح به، والمتحدث باسم لجنة الخمسين، محمد سلماوي، ، يقول ذلك علنا ويكتبه في مقالاته.

وإذا كان النظام لا يهتم بتطبيق مواد الدستور، بالضرورة لن يهتم بوضع القوانين المكملة للدستور.

وواقع الأمر يقول إن المجال السياسي لا يتم رسمه استنادا للدستور، ولكن الدستور يتم تعديله للتخديم على  على المسار السياسي بعد رسمه.

البلشي والنقابة والصحافة

كيف ترى أداء نقيب الصحفيين خالد البلشي؟

لقد شكل انتخابه فارقًا ملحوظًا في نقابة الصحفيين، وأول الملاحظات هو أنه فتح باب النقابة بالمعنى الحرفي للكلمة، فالمبني كان مغلقًا.

خالد البلشي
خالد البلشي

كما أن حضور النقابة منذ انتخابه في قضايا الصحفيين بات أمر لافتا وملحوظًا بجانب وقوف النقابة في وجه حالات ملاحقة الصحفيين، وغير المعلن في هذا المسار أكثر بكثير من المعلن.

من المؤكد أن هناك عودة للنقابة في ظل المجلس الحالي بقيادة البلشي، ومن المؤكد أن قائمة المطالب أكبر من قائمة الانجازات، ولذلك نحن في الإنتظار.

محاولات المنصات الإخبارية المستقلة.. ما مستقبلها برأيك في ظل الأوضاع الراهنة؟

العمل الصحفي ما يزال موجودًا في مصر بفضل المنصات الصحفية المستقلة، بجانب دور منصات تدقيق الحقائق.

أنا أتخيل أنه في حال اختفاء هذين العنصرين رغم قلة عددهم، في بلد بحجم مصر، وبالمقارنة بتاريخ الصحافة لدينا، كان سينتهي فعلاً العمل الصحفي في مصر.

ويحسب لهما الاستمرار رغم الملاحقة والحجب، ومن المهم أن يستمرا من أجل استمرار تدفق المعلومات وإقرار حرية الصحافة.

أزمة ألمانيا

هل أثرت أزمة ألمانيا مع أحد المنظمات الحقوقية المصرية على تعاملكم مع القضية الفلسطينية بعد العدوان على غزة؟

حرب غزة هي نقطة فاصلة، ما بعدها ليس كما قبلها، عمومًا، وبخاصة ما يتعلق بقواعد العدالة الدولية ومنظومة الأمم المتحدة.

حاليًا، لأن الإبادة الجماعية مستمرة، فالنتائج لم تظهر بعد.

المراجعات بدأت وما تزال تطرح، حول معنى القانون الدولي ومعنى الأمم المتحدة ومعنى الآليات الأممية والقضائية التي بنيت بعد الحرب العالمية الثانية.

الأمم المتحدة
الأمم المتحدة

كل شيء مطروح، وأعتقد أن الهزة التي تعرضت لها هذه المنظومة الدولية هي هزة تاريخية، نتائجها ستظهر في وقت لاحق.

الأولوية حاليًا هي إعادة امتلاك تلك الآليات وتفعيلها، وهو ما تفعله جنوب إفريقيا والدول المؤيدة لها، حيث تنتزع القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية من سياقات تجميدهما، وترفض التسليم للمصالح الغربية، وهي أولوية اللحظة.

نحن في مراجعات حقوقية ومناقشات لا تنتهي تحدث في العالم كله، وليس في منطقتنا فقط، حول تصحيح المسار الدولي وإعادة بناء المنظومة الدولية.

بعد الحرب لن ترجع الأمور كما كانت من قبل على مستوى حقوق الإنسان.

بالنسبة لنا، كان لدينا قرارات سريعة وسهلة بوقف التعامل مع الحكومتين الألمانية والأمريكية، بسبب دورهما في الحرب، ولكن تبقى القرارات الصعبة التي تتوقف على تخيل مستقبل العمل الحقوقي بعد الحرب.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة