على مدار سنوات الثانوية العامة، بذل يوسف محمود جهدًا كبيرًا في المذاكرة، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: الالتحاق بكلية الطب البشري. كان يرى في الكلية الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمه، لذلك أمضى عامًا دراسيًا طويلًا بين الكتب والمراجعة والامتحانات، على أمل أن يحصل على المجموع الذي يمكنه من دخول الكلية التي طالما حلم بها.
لكن النتيجة لم تأتِ كما كان يتمنى. ورغم المجهود الذي بذله طوال العام، لم يحقق يوسف الدرجة المطلوبة للالتحاق بكلية الطب في الجامعات الحكومية، ليجد نفسه أمام خيار صعب: التخلي عن حلمه أو البحث عن فرصة أخرى لتحقيقه.
" عايز احقق حلمي ومافيش حل غير الكيلة الخاصة " هكذا اختصر يوسف مشكلته وحلها في حديثه لـ"فكر تاني"، لذلك اتجه يوسف إلى الجامعات الخاصة، حيث يمكنه الالتحاق بكلية الطب رغم عدم حصوله على المجموع الذي يؤهله لذلك في التنسيق الحكومي. إلا أن تحقيق الحلم جاء بتكلفة مرتفعة، فالمصروفات الدراسية للجامعة الخاصة تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على أسرته، لا يقتصر على قيمة الرسوم السنوية، وإنما يمتد إلى المواصلات والكتب والأدوات الدراسية والمصروفات اليومية طوال العام.
وبالنسبة لأسرة يوسف، لم يعد السؤال فقط كيف يحقق ابنهم حلمه في دراسة الطب؟، وإنما كيف تستطيع الأسرة تحمل تكلفة هذا الحلم لسنوات الدراسة المقبلة؟. فقرار الالتحاق بالجامعة الخاصة يعني التزامًا ماليًا كبيرًا ومستمرًا، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتزداد الأعباء اليومية على الأسر.
وبين المجموع الذي لم يحقق حلمه والقدرة المالية التي قد تحققه، تبدأ رحلة يوسف الجامعية بسؤال أكبر من مجرد اختيار كلية: إلى أي مدى تستطيع الأسرة أن تدفع ثمن حلم ابنها؟، أو التخلي عن الحلم والبحث عن بديل داخل حدود إمكاناتها.
وبين رغبة الشباب في اختيار مستقبلهم، وقدرة الأسر على تمويل سنوات الدراسة الجامعية، أصبحت تكلفة التعليم الجامعي تحدد اختيارات الطلاب ومستقبلهم، وهو ما حول التعليم إلى عبء اقتصادي يهدد أحلام الشباب ويستنزف دخل الأسر في كثير من الأحيان.
ارتفاع أسعار الجامعات الحكومية
تكشف مقارنة الرسوم الدراسية خلال السنوات الأخيرة عن فجوة كبيرة بين تكلفة الدراسة في الجامعات الحكومية وتلك الخاصة، لكن المقارنة لا تسير بالطريقة نفسها في القطاعين.فالكليات في الجامعات الحكومية تمثل الخيار الأول لمعظم الطلاب نظرًا لانخفاض تكلفتها مقارنة بالجامعات الخاصة، إلى جانب جودة التعليم، وبالرغم من أنه لا توجد مصروفات موحدة يمكن استخدامها باعتبارها سعرًا ثابتًا لكل كلية؛ إذ تختلف الرسوم وفق الجامعة ونظام الدراسة والبرنامج، كما تميز الجامعات بين البرامج العامة والبرامج الخاصة أو بنظام الساعات المعتمدة. فجامعة القاهرة، على سبيل المثال، أن لديها برامج «مميزة وخاصة» بمصروفات مستقلة عن النظام العادي. أما الجامعات الخاصة، فتحدد كل جامعة مصروفاتها السنوية، ما يجعل تتبع تطورها الزمني أكثر وضوحًا.
وتختلف قيمة المصروفات بحسب الكلية والتخصص والتوزيع الجغرافي، فضلًا عن نظام الدراسة، سواء كان برنامجًا عامًا أو لغات أو بنظام الساعات المعتمدة. لذلك، تم الاعتماد على متوسط مصروفات الكليات التي تم الإفصاح عنها، للوقوف على نسب الارتفاع التي شهدتها مقارنة بالعام الدراسي السابق.
وأظهرت البيانات أن الكليات الطبية سجلت أعلى نسبة ارتفاع في الرسوم، بلغت نحو 208%، وجاءت كلية الهندسة في المرتبة الثانية من حيث نسبة الارتفاع، التي بلغت نحو 159%، تلتها كليات العلوم والتربية بزيادة بلغت نحو 150%، بما يشير إلى تصدر التخصصات العلمية قائمة الكليات من حيث نسب ارتفاع المصروفات.
أما كلية الحاسبات والمعلومات، فقد ارتفعت رسومها بنحو 131% مقارنة بالعام الماضي،في المقابل، جاءت الزيادة في رسوم كليات التجارة والآداب والحقوق أقل نسبيًا، إذ بلغ متوسط ارتفاعها نحو 25% مقارنة بالعام الماضي.
ارتفاع أسعار الجامعات الخاصة
توضح بيانات إحدى الجامعات الخاصة، أن مصروفات الطب البشري ارتفعت من 125 ألف جنيه في العام الدراسي 2021/2022 إلى 176 ألف جنيه في 2025/2026، بزيادة قدرها 51 ألف جنيه، أي نحو 40.8%. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت مصروفات الهندسة من 60 ألفًا إلى 71 ألف جنيه، بزيادة تبلغ نحو 18.3%. أما نظم المعلومات وعلوم الحاسب، فقفزت مصروفاتها من 35 ألف جنيه إلى 66 ألفًا، أي بزيادة تقارب 88.6%، وهي من أكبر الزيادات النسبية بين الكليات.
وتظهر الزيادة تدريجيًا في أغلب السنوات. ففي 2023/2024، ، وصلت مصروفات الطب إلى 140 ألف جنيه، والهندسة إلى 55 ألفًا، والحاسبات إلى 40 ألفًا، واللغات والترجمة الإنجليزية إلى 35 ألفًا، والتربية إلى 30 ألفًا.
وفي 2025/2026، واصلت الرسوم ارتفاعها؛ فوصلت إلى 176 ألف جنيه للطب، و71 ألفًا للهندسة، و66 ألفًا للحاسبات، و60 ألفًا للاقتصاد باللغة الإنجليزية، و 55 ألفًا للغات والترجمة، و38.5 ألفًا للتربية.
ولا تعني أعلى زيادة في الرسوم بالضرورة أن الكلية أصبحت الأغلى. فالطب ما زال الأعلى تكلفة في الجامعات الخاصة، لكن الحاسبات وعلوم المعلومات سجلت زيادة نسبية أكبر بكثير. فمصروفات الحاسبات ارتفعت من 35 ألف جنيه إلى 66 ألفًا، أي أنها اقتربت من الضعف خلال أربع سنوات دراسية. كما ارتفعت مصروفات اللغات والترجمة الإنجليزية من 30 ألفًا إلى 55 ألف جنيه، بزيادة تتجاوز 83%.
وفي المقابل، كانت الزيادة في الهندسة محدودة نسبيًا، إذ ارتفعت الرسوم من 60 ألفًا إلى 71 ألف جنيه.
وهذا يعني أن ارتفاع تكلفة التعليم الخاص لم يكن متساويًا بين التخصصات، وإنما شهدت بعض الكليات، خاصة المرتبطة بالحوسبة واللغات، زيادات نسبية أكبر من الكليات الطبية والهندسية.
رسم بياني يوضح : رسوم أبرز الكليات في الجامعات الخاصة خلال خمسة سنوات
التعليم بين الحق والقدرة على الدفع
من جانبه يرى الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي والأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس، أن مواجهة الارتفاع المتتالي في رسوم الجامعات الخاصة تبدأ من التوسع في إتاحة القبول بالجامعات الحكومية، باعتبار أن عدم حصول الطالب على المجموع الذي يؤهله للالتحاق بالكلية التي يرغب فيها يدفعه إلى اللجوء للجامعة الخاصة لتحقيق حلمه الدراسي.
وأوضح خلال حديثه لـ "فكر تاني" أن بعض الطلاب قد يفصلهم عن الالتحاق بالكلية التي يرغبون فيها في الجامعة الحكومية نصف درجة أو درجة واحدة، وهو ما يجعل الطالب مضطرًا إلى تحمل تكلفة التعليم الخاص، حتى في ظل عدم قدرة أسرته على تحمل هذه الأعباء.
ويشير عبد العزيز إلى أن الجامعات الخاصة، باعتبارها مؤسسات ذات جانب استثماري، تحقق هوامش ربح، ولذلك يرى ضرورة وجود نوع من الحماية والرقابة من جانب الدولة، ووضع حدود للمبالغ التي تسددها الأسر للجامعات الخاصة، حتى لا يصبح التعليم مرتبطًا بقدرة الطالب على الدفع.
ويحذر الخبير التربوي من تحول التعليم إلى سلعة، بحيث «من يقدر على الدفع يدفع، ومن لا يستطيع يُحرم»، معتبرًا أن التعليم يمثل ضرورة أساسية لبناء الأجيال، وليس سلعة تخضع فقط لقواعد العرض والطلب.
ويرى عبد العزيز أن الحل يرتبط أيضًا بزيادة تنافسية الجامعات الحكومية، معتبرًا أن الأمر في النهاية يعود إلى سياسات الدولة وخططها التعليمية، ومدى توجهها نحو التوسع في الجامعات والكليات الحكومية بالتوازي مع السماح بوجود الجامعات الخاصة.
وفيما يتعلق بالزيادات المتتالية في رسوم الجامعات الخاصة، والتي وصلت في بعض الكليات إلى نسب مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، يؤكد أن وزارة التعليم العالي هي الجهة المعنية بتنظيم هذا الملف، ولا ينبغي أن يترك الأمر مفتوحًا أمام الجامعات لزيادة الرسوم دون ضوابط واضحة.
ويطرح عبد العزيز ضرورة أن تقدم الجامعة الخاصة مبررات واضحة لأي زيادة في الرسوم، وأن يتم التحقق من أن هذه الزيادة تنعكس بالفعل على الخدمات والعملية التعليمية، وليس أن تكون مجرد زيادة في التكلفة على الطالب. ويرى أن ذلك يتطلب وجود جهات رقابية تتابع الزيادات وتتحقق من مدى ارتباطها بتحسين الخدمات التعليمية.
وفيما يتعلق بإمكانية التحاق طلاب بمجاميع منخفضة بكليات ذات طبيعة علمية، يرى عبد العزيز أن هذه المسألة تحتاج أولًا إلى دراسة حقيقية تتبع الطلاب منذ التحاقهم بالكلية وحتى تخرجهم، لمعرفة مجموع القبول، ومدى توافقه مع قدراتهم، وكيف كانت مسيرتهم التعليمية، والدرجات التي حصلوا عليها عند التخرج.
ويؤكد أن إثارة احتمال انخفاض مستوى بعض الخريجين بسبب انخفاض مجموع القبول لا يمكن اعتمادها دون دراسة تثبت ذلك. لكنه يرى أنه إذا أثبتت الدراسة وجود هذه المشكلة بالفعل، فيجب وضع ضوابط للقبول بالجامعات الخاصة، وليس إلغاءها. ويضرب مثالًا على ذلك بالقبول في كليات الطب، معتبرًا أن وجود فارق كبير بين الحد الأدنى للقبول في الجامعات الحكومية والجامعات الخاصة يمثل مشكلة، بينما يمكن قبول فروق محدودة إذا كان الطالب قد تعثر في مادة أو مادتين لكنه لا يزال يمتلك مستوى دراسيًا مناسبًا.
ويحذر من أن خفض معايير القبول بشكل كبير قد يؤدي إلى مشكلة أخرى، خاصة أن الجامعة الخاصة ذات طبيعة استثمارية وقد تكون لديها مصلحة في استمرار الطالب ونجاحه، وهو ما يجعل تنظيم معايير القبول والرقابة على العملية التعليمية أمرًا ضروريًا.
ويختتم عبد العزيز رؤيته بالتأكيد على أن معالجة ملف الجامعات الخاصة لا تعني إغلاقها، وإنما تقنين أوضاعها ووضع معايير واضحة للقبول والرسوم والعملية التعليمية، حتى لا يترك ولي الأمر أمام خيارين: إما دفع مبالغ مرتفعة لا يستطيع تحملها، أو التخلي عن الكلية التي يرغب فيها الطالب.
ويعتبر أن تنظيم هذا الملف ضرورة، لأن التعليم، بحسب تعبيره، «تعليم أمن قومي»، ومن ثم فإن إتاحة فرصة التعليم لمن لم يحصل على مكان في الكلية التي يرغب فيها بالجامعة الحكومية يجب أن تتم من خلال معايير وضوابط واضحة، سواء في الجامعات الخاصة أو الأهلية، وليس عبر ترك الأمر مفتوحًا أمام القدرة المالية للأسرة.