فجأة، ومن دون مقدمات، وجد "بنك مصر" نفسه في قلب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بسبب فروعه الخمسة في الإمارات، التي يعود بدء تأسيسها إلى نحو 40 عامًا، وتتوزع في أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة، وسط تهديد بعزلها عن النظام المالي الأمريكي، أو بمعنى آخر، منعها من التعامل بالدولار.
وتتهم وزارة الخزانة الأمريكية بنك مصر الإمارات بمعالجة ما يقارب 1.8 مليار دولار أمريكي لصالح 103 شركات يُحتمل أن تكون جزءًا من شبكات لتحويل الأموال إلى إيران خلال الفترة بين يناير 2024 ويونيو 2026، معتبرة أن البنك يمثل أحد الشرايين التمويلية لنظام طهران.
وبحسب الوزارة الأمريكية، سيجري تعليق إجراءاتها ضد البنك لمدة 30 يومًا قبل دخولها حيز التنفيذ. وإذا طُبقت، فستعني عزل فروع بنك مصر في الإمارات فقط عن شبكة الدولار، من دون أن يسري القرار على باقي فروع البنك في أي مكان بالعالم، كما لا يشمل التعاملات بالعملات الأخرى غير الدولار.
لماذا يمثل الدولار مشكلة للبنوك؟
رغم أن القرار الأمريكي يقتصر على الدولار، فإنه يمثل مشكلة كبيرة لبنك مصر، لأنه يعني عجزه عن خدمة قطاع واسع من المستوردين الراغبين في إجراء تعاملاتهم بالدولار الأمريكي.
ولتوضيح الصورة، يمكن افتراض أن عميلًا إماراتيًا لدى البنك يرغب في تحويل ثمن بضاعة إلى اليابان بالدولار عبر بنك مصر. هنا تمر العملية بـ3 مراحل، تبدأ بفتح حساب لدى بنك مصر، بصفته "بنك المستورد"، ثم يفتح البنك بدوره حسابًا بالدولار لدى أحد البنوك الأمريكية، وهو "البنك المراسل"، الذي يحيل الدولار بعد ذلك إلى بنك الشركة المنتجة في اليابان، أي "بنك المُصدِر". ومن ثم يحرم القرار الأمريكي فروع بنك مصر في الإمارات من المرحلة الثانية في أي عملية استيراد تُجرى بالدولار.
لماذا وقع بنك مصر في الفخ؟
جاء القرار الأمريكي ضمن خطة تُسمى "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وتستهدف التضييق المالي على طهران لإجبارها على تقديم تنازلات في مضيق هرمز. ومع عمل البنك في الإمارات، التي تربطها شراكة اقتصادية كبيرة مع إيران، يصبح وقوعه في هذا الفخ أمرًا سهلًا.
وتُعد الإمارات العربية المتحدة أكبر مصدر منفرد للواردات الإيرانية، إذ استحوذت على أكثر من 30% من إجمالي الواردات عام 2024، وفقًا لبيانات كابيتال إيكونوميكس. ويُعتقد على نطاق واسع أنها كانت قناة رئيسية للتدفقات المالية الإيرانية، قبل أن يتوقف التعاون بين الطرفين بسبب اتهام أبو ظبي طهران باستهدافها بصواريخ باليستية.
وفي يونيو الماضي، أعلنت الإمارات تنفيذ حملة ضد الشبكات المالية الإيرانية داخلها، وتوقيف عشرات الصرافين المرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، وإغلاق شركاتهم ومصادرة أصولها، وسحب تصاريح الإقامة، بما فيها "التأشيرات الذهبية" المرموقة للإيرانيين المرتبطين بالنظام.
وبحسب صحيفة وول ستريت، فإن نجاح استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على إيران يعتمد بدرجة كبيرة على الدور الذي يمكن أن تؤديه الإمارات، ولا سيما دبي، التي تحولت على مدى عقود إلى مركز رئيسي للتجارة والتمويل بالنسبة للإيرانيين، بحسب الصحيفة.
وتُظهر بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) أن الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر تصدرت قائمة الصادرات الإماراتية إلى إيران، فيما تشمل السلع التي تصل إلى السوق الإيرانية عبر الإمارات أيضًا الإلكترونيات والآلات والمعدات الصناعية وقطع الغيار والأدوية والسلع الاستهلاكية.
ويعكس ذلك أهمية دبي كمركز لإعادة التصدير بالنسبة للاقتصاد الإيراني، ما يجعل وجود معاملات لبنوك عاملة في الإمارات مع مؤسسات إيرانية، بصورة غير مباشرة أو في الخفاء، أمرًا وارد الحدوث.
وبحسب مسؤول مصرفي في بنك مصر تحدث لـ"فكر تاني"، فإن القرار الأمريكي صدر قبل أيام، ومن الوارد أن تكون المعاملات التي تحدثت عنها السلطات الأمريكية قد جرت مع كيانات غير مرتبطة بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران خلال تلك الفترة، مؤكدًا أن البنك لا يخالف أي تعليمات صادرة عن الإمارات.
ترى راشيل زيمبا، مؤسسة شركة زيمبا إنسايتس، أن الأمر يمثل "تهديدًا لكيانات أخرى"، موضحة أن استهداف بنك مصر في الإمارات يُعد تصعيدًا يهدف إلى دفع البنوك الأخرى في الإمارات وحول العالم إلى تقليص تجارتها مع إيران، ودفع جهات القطاع الخاص إلى تقليص علاقاتها معها.
وقالت زيمبا إن الخطوة الأمريكية لا ترقى إلى مستوى فرض عقوبات شاملة على عمليات بنك مصر، ما يعني أن الإجراء كان "مجرد إشارة تحذير"، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تركت المؤسسات المالية الصينية الكبيرة التي لها تعاملات مع طهران، خشية إحداث ضرر بالنظام المالي العالمي.
بنك مصر ونظرية "اضرب المربوط"
الفكرة ذاتها أكدتها "فاينانشال تايمز"، التي قالت إن استهداف مكاتب بنك مصري في الإمارات لا يرقى إلى مستوى "الضربة الاقتصادية الكبرى" التي هددت بها وزارة الخزانة الأمريكية، والتي يرى الخبراء أنها يجب أن تستهدف مؤسسات مالية صينية كبرى لإحداث تأثير حقيقي.
وقال ماكس ميزليش، المسؤول السابق بوزارة الخزانة الأمريكية، الذي يطالب باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، "لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة إجراءً حاسمًا ضد أحد البنوك الصينية الأربعة الكبرى".
وتدور أفكار المحللين العالميين بشأن أزمة بنك مصر في فلك المثل المصري "اضرب المربوط يخاف السايب". ويقول المحللون إن الهدف الرئيسي من استهداف بنك مصر هو خلق حالة من التوجس والتردد لدى البنوك الكبرى التي تتعامل مع كيانات إيرانية بصورة غير مباشرة، ودفعها إلى الموازنة بين فوائد تسهيل التجارة مع إيران ومخاطر فقدان الوصول المباشر إلى الدولار الأمريكي.
من المسؤول عن الفرع؟
يقول إبراهيم سليمان، الخبير المصرفي، إن فروع بنك مصر في الإمارات، أو في أي دولة خارج مصر، تعمل وفقًا لقوانين وتعليمات البنوك المركزية في تلك الدول، وبالتالي فإن فروع الخليج ليست خاضعة لسلطة البنك المركزي المصري.
وقرر مصرف الإمارات المركزي إجراء تفتيش عاجل يشمل مراجعة "متعمقة" لفروع بنك مصر العاملة في الدولة، موضحًا أن عملية التفتيش تغطي الفترة المذكورة في البيان الصادر عن السلطات الأمريكية، من 2024 وحتى 2026، مع التركيز على الشركات المتعاملة مع البنك المصري.
وأكد المصرف أنه يدرس حاليًا الخيارات المتاحة بشأن وضع بنك مصر، في حال تقرر اتخاذ التدبير الخاص ضده بعد استيفاء الإجراءات وفقًا للقوانين الأمريكية، مضيفًا أنه سيتخذ القرار المناسب في حينه، مع الأخذ في الاعتبار التزامات البنك تجاه عملائه.
ويضيف سليمان أن المعني بالأمر هي دولة الإمارات، التي يمكن أن يتبعها عقاب أمريكي للنظام المصرفي الإماراتي، وهو ما سينعكس على فروع بنك مصر فيها. أما بالنسبة إلى مصر، فإذا كان الأمر يؤثر عليها باعتباره استثمارًا لأصول مصرية خارج البلاد، فإنه لا يؤثر عليها سياسيًا أو قانونيًا بأي حال.
ماذا لو ثبتت التهمة؟
بحسب الخبراء المصريين، فإن القرار الأمريكي "غير نهائي"، ولا يؤثر على ودائع عملاء تلك الفروع، التي يلتزم بنك مصر بها، وكذلك البنك المركزي المصري.
ورغم إصدار مصرف الإمارات بيانًا بشأن التفتيش على فروع بنك مصر الخمسة، عاد وأصدر بيانًا مشتركًا مع البنك المركزي المصري أكد فيه التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما بشأن مزاولة الفروع الخمسة أعمالها كافة بصورة طبيعية، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة خلال الفترة المحددة لذلك، من دون الإشارة إلى ماهية تلك التدابير.
ويقول طارق متولي، الخبير المصرفي، إن قرار وزارة الخزانة الأمريكية بشأن بنك مصر يتحدث عن معاملات يُحتمل ارتباطها بشبكات مصرفية إيرانية غير رسمية تستهدف الالتفاف على العقوبات، وهو ما يعني أن القرار قائم على احتمال ويخضع للتقييم لمدة 30 يومًا، وليس حكمًا نهائيًا.
ويضيف متولي في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن البنك خلال تلك المدة لن يعاني من أي مشكلات في تحويل الدولار أو إجراء التحويلات الأخرى بأي عملة، وبالتالي لا داعي للقلق. وبعد مرور الـ30 يومًا، وفي حال ثبوت التهمة، يمكنه التعامل بأي عملة باستثناء الدولار.
ويشير كذلك إلى أن بعض البنوك العالمية الكبيرة التي ثبتت عليها التهمة الأمريكية دفعت الغرامات، فيما لا تزال البنوك التي لم تتحمل الغرامات موجودة، لكنها لا تتعامل بأي دولار. كما يؤكد أن عملاء بنك مصر في الإمارات وودائعهم يظل البنك ملتزمًا بها بالكامل، ولا يوجد أي قلق بهذا الشأن.
ويبقى الحسم مرتبطًا بما ستكشفه الأيام الـ30 المقبلة، إذ سيحدد انتهاء مهلة التقييم ما إذا كانت المعاملات محل الاتهام ستقود إلى إجراء أمريكي نهائي، وما إذا كان بنك مصر سيواصل الوصول إلى شبكة الدولار من فروعه في الإمارات. وحتى ذلك الموعد، تستمر الفروع الخمسة في مزاولة أعمالها بصورة طبيعية، فيما تظل ودائع العملاء والتزامات البنك قائمة دون تغيير.