مُجبر أخاك وأحيانًا بطل.. كيف أثرت توجيهات الرئيس في طلاب الكليات النظرية؟

اجتاز سيف الثانوية العامة من شعبتها الأدبية. تمكن بعد ثلاث سنوات مرعبة من الحصول على مجموع يؤهله لأن يلتحق بدفعة 2024 - 2025 في كلية الآداب بجامعة حلوان، والتي اختارها ميلًا إلى دراسة اللغات.

لم يشغل باله كثيرًا بتصريحات كبار مسؤولي الدولة بشأن سوق العمل الذي لم يعد بحاجة إلى خريجي الكليات الأدبية.

سيف واحد من الناجين من قرار المجلس الأعلى للجامعات في يونيو الماضي، بتخفيض أعداد المقبولين في الكليات النظرية بنسبة 25% على الأقل، والذي اشترط أن تكون نسبة التخفيض الكبيرة بين المقبولين فيمن هم مُدرجون بنظام الانتساب الموجه، وطلاب الثانوية العامة من القسم العلمي بشعبتيه (علوم ورياضة).

في مارس 2023، أعلن أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، خلال جلسة عامة لمجلس النواب، أن الكليات النظرية تشكل 68% من إجمالي الطلبة، حيث أوضح أن سوق العمل لا يحتاج إلى هذه النسبة، مؤكدًا أن التخصصات التعليمية ستشهد تغيرات حتى عام 2040، مشيرًا إلى دخول تخصصات جديدة مثل علوم الفضاء والطاقة النووية. بينما أكد أن الوزارة استثمرت تكاليف كبيرة في تطوير البنية التحتية للتحول الرقمي، بهدف تحويل الجامعات إلى جامعات تكنولوجية.

وبعد ذلك التاريخ بعام، وخلال افتتاحه مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي المصريين إلى التركيز على التعليم الرقمي لأبنائهم. وانتقد إصرار البعض على الالتحاق بالكليات التقليدية. قال: "قاعدين تدخلوا ولادكم كليات تجارة وآداب وحقوق، هيشتغلوا ايه بالشهادات دي".

الشهادة وحدها لا تكفي.. ولكن

لا يُنكر سيف، في حديثه لـ فكّر تاني، حقيقة أن الشهادة الجامعية وحدها -خاصة لو أدبية- لا تكفي للحصول على فرصة عمل لائقة، وأنه مُطالب بعد التخرج بإصقال مهاراته وخبراته بدورات تدريبية تؤهله لسوق العمل.

لكنه رغم ذلك، انضم إلى آلاف غيره من الراغبين في الدراسة بإحدى الكليات النظرية، تمامًا مثل ما يحدث كل عام.

لم يُصدم من هؤلاء سوى طلاب الدور الثاني، المتقدمين للمرحلة الثالثة من التنسيق، والذين اختبروا تطبيق التصريحات الحكومية على أرض الواقع باختفاء 37 كلية، أبرزها: الآداب والحقوق والسياحة والفنادق والتربية النوعية والاقتصاد المنزلي. لم يجدوا أمامهم سوى الجامعات والمعاهد الخاصة، وهو ما انعكس بدوره على أعداد المقبولين بتلك الكليات هذا العام.

وفق التقديرات، تستقبل الكليات النظرية: الحقوق والتجارة والآداب والخدمة الاجتماعية ودار العلوم، ما بين 450 إلى 500 ألف طالب وطالبة سنويًا، ووفقًا لصحف محلية، انخفض العدد هذا العام إلى نحو 120 ألفًا.

مُجبر أخاك وأحيانًا بطل

أجرت فكر تاني استبيانًا شمل 40 من الطلاب الجدد الملتحقين بالكليات الأدبية، حيث أكد قرابة 36 منهم (نسبة 90%) أنهم التحقوا بالكليات الأدبية بناءً على المجموع الذي حصلوا عليه في الثانوية العامة.

وعلى الرغم من ذلك، تباينت تفضيلات الطلاب بين كليات أدبية مختلفة، وتأثرت اختياراتهم بميولهم الشخصية والاقتداء بأحد الوالدين في مسيرته الدراسية والمهنية، وكانت النسبة الأعلى بـ 60% لصالح كلية التجارة.

كما أشارت نسبة 40% من الطلاب إلى تفضيلهم مواد معينة دفعتهم إلى أحد التخصصات الأدبية المختلفة، مثل الترجمة أو التدريس أو المحاماة.

كلية التجارة جامعة القاهرة
كلية التجارة جامعة القاهرة

مسلم الذي اجتاز امتحانات الثانوية العامة هذا العام، والتحق بالفرقة الأولى في كلية التجارة بجامعة القاهرة، أوضح في حديثه لـ فكّر تاني، أنه وضع تلك الكلية تحديدًا على رأس قائمة رغباته في التنسيق، لكونها الكلية التي تخرج فيها والده، وهو لا يتفق مع التصريحات الرسمية التي ترى أن سوق العمل لا يستوعب حجم خريجي كليات التجارة، ذلك لأنهم مكون أساسي في سوق العمل بمختلف الشركات، وهو تخصص مطلوب للعمل بالخارج في عدد من الدول العربية، على حد قوله.

وفي حين جاءت نتيجة تنسيق الثانوية العامة التي حصلت عليها فاطمة بكلية أخرى غير التجارة، فإنها اختارت طواعية نقل ملفها إلى كلية التجارة في جامعة القاهرة، لاعتقادها أن مجال الدراسة بها يزيد من فرصها في الحصول على عمل بعد التخرج، خلافًا لتصريحات المسؤولين التي لم تطلع عليها لانشغالها بالدراسة، كما تقول.

وكما هو الحال بالنسبة إلى "فاطمة"، فإن الطالبة "سما" التي التحقت بالفرقة الأولى في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، هذا العام، لم تتابع تصريحات الرئيس والمسؤولين بشأن خريجي كليات الآداب والتجارة والحقوق وعدم تناسب أعدادهم مع سوق العمل، لكن ترشيح مكتب التنسيق وفقًا للنتيجة التي حصلت عليها كان سببًا رئيسيًا في التحاقها بالكلية. ومع ذلك، فإنها تتفق أيضًا مع أنه لا يمكن الاستغناء عن المحاميين، وأن فرص العمل الحر متاحة لهم ولن تندثر.

في حين قررت "هالة" بعد حصولها على بكالوريوس الزراعة أن تدرس الحقوق لاستكمال مسيرة والدها الراحل في مهنة المحاماة؛ فالتحقت بالفرقة الأولى في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، مطلع العام الدراسي 2024 - 2025، وهي أيضًا لم تقتنع بالتوجيهات الرسمية بشأن الكليات النظرية، لاعتقادها أنها التخصصات الأكثر طلبًا في سوق العمل بمصر.

هل تأثرت الكليات بتوجيه الرئاسة؟

رغم عدم اقتناع غالبية الطلاب بفكرة العدول عن الالتحاق بالكليات النظرية والتخصص في العلوم التكنولوجية بدلًا من الإنسانية، إلا أن توجيهات المجلس الأعلى للجامعات انعكست بشكل ملحوظ على أعداد المقبولين في بعض تلك الكليات.

منصور محمد أحمد عميد كلية الحقوق جامعة المنوفية
منصور محمد أحمد عميد كلية الحقوق جامعة المنوفية

في حديثه لـ فكر تاني، كشف الدكتور منصور محمد أحمد، عميد كلية الحقوق بجامعة المنوفية، عن انخفاض أعداد الطلاب والطالبات المقبولين في الكلية هذا العام، حيث انخفض العدد من 1700 طالب إلى 1300 فقط.

ويرجع الدكتور منصور ذلك إلى ارتفاع الحد الأدنى للقبول في كليات الحقوق إلى 65%، وبلوغه 80% في بعض الجامعات التي تعاني من انخفاض المقاعد الدراسية. كما يشير إلى عدم طرح كليات الحقوق في تنسيق المرحلة الثالثة، سواء للانتظام أو الانتساب الموجه، مبينًا أن رفع الحد الأدنى للقبول يؤثر على جودة التعليم والمستوى الدراسي للطلاب المقبولين.

ويشير عميد كلية الحقوق إلى وجود توجه عام في الدولة نحو خفض أعداد خريجي كليات الحقوق، بسبب وجهة نظر رسمية تفيد بأن أعداد الخريجين لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل. ويؤكد أن هذا الأمر قد يتعارض مع طبيعة تخصص الحقوق، الذي يوفر فرص عمل في مجالات المحاماة والسلك القضائي والدبلوماسي والشرطة. كما يلفت أيضًا إلى أن تجربة خفض أعداد المقبولين لا يمكن الحكم عليها بعد عام واحد، بل يتطلب الأمر ثلاث سنوات لرؤية التأثير الإيجابي أو السلبي.

وكانت لجنة قطاع الدراسات القانونية بالمجلس الأعلى للجامعات، برئاسة السيد أحمد عبد الخالق وزير التعليم العالي الأسبق، قد طالبت في أكثر من مناسبة بخفض عدد المقبولين في خمس كليات حقوق، هي: كلية الحقوق بجامعة سوهاج، وكلية الحقوق بجامعة بورسعيد، وكلية الحقوق بجامعة أسوان، وكلية الحقوق بجامعة الفيوم، وكلية الحقوق بجامعة المنيا، إلى 50% على الأقل، نظرًا للنقص الحاد في عدد أعضاء هيئة التدريس بتلك الكليات.

على النقيض، أكد الدكتور عبد العزيز طنطاوي رئيس جامعة الوادي الجديد، التي تضم سبع كليات، منها التربية والآداب والتربية الرياضية والزراعة والعلوم والطب البيطري والطب البشري، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن أعداد الطلاب والطالبات المقبولين في الكليات النظرية بالجامعة هذا العام، مثل الآداب والخدمة الاجتماعية، تقترب من أعداد المقبولين العام الماضي بفوارق بسيطة.

ويرجع ذلك إلى تطبيق نظام تقليل الاغتراب، على الطلاب المغتربين هذا العام، باستثناء الانخفاض الملحوظ في أعداد الطلاب المقبولين في كلية التربية بجامعة الوادي الجديد والتي قل عدد المقبولين فيها بشكل كبير عن السنوات الماضية.

وفقًا للكشوفات التي نشرتها بعض كليات الآداب على مواقعها الرسمية وعبر صفحاتها بـ "فيسبوك"، التحق نحو 2800 طالب مستجد بكلية الآداب في جامعة القاهرة، مطلع العام الدراسي 2024 - 2025. كما تم قبول حوالي 4800 طالب في كلية الآداب بجامعة حلوان، وقبلت كلية الآداب بجامعة سوهاج 1846 طالبًا جديدًا.

واستقبلت كلية الآداب بجامعة طنطا 949 طالبًا مستجدًا، بينما بلغ عدد الطلاب المقبولين في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية هذا العام نحو 2294 طالبًا. وهناك حوالي 1236 طالبًا تم قبولهم بكلية الآداب بجامعة المنوفية، واستقبلت كلية الآداب بجامعة الفيوم 416 طالبًا مستجدًا.

كلية الآداب بجامعة طنطا
كلية الآداب بجامعة طنطا

وفي العام الجامعي 2023 - 2024، استقبلت كلية الآداب بجامعة عين شمس 5161 طالبًا مستجدًا، من بينهم 3234 انتظام و1927 انتساب. وبحسب التنسيق الداخلي لكلية الآداب بجامعة حلوان، فإنها استقبلت العام الماضي نحو 2550 طالبًا وطالبة بين انتظام وانتساب، في حين التحق بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية نحو 9000 طالب وطالبة مستجدين في العام 2022.

كما انخفضت أعداد الطلاب المقبولين في كلية الحقوق بجامعة القاهرة من 4000 طالب وطالبة العام الماضي إلى 3000 طالب هذا العام. وبلغ عدد طلاب الفرقة الأولى في كلية الحقوق بجامعة عين شمس هذا العام 330 طالبًا انتظام وانتساب، وبلغ عدد الطلاب المقبولين في كلية الحقوق بجامعة أسيوط نحو 3200 طالب وطالبة بدلًا من 4500 طالب في العام الجامعي 2023 - 2024.

واستقبلت كلية الحقوق بجامعة سوهاج هذا العام 428 طالب انتظام و482 طالب انتساب، بإجمالي 910 طلاب، بدلًا من 664 طالب انتظام و813 طالب انتساب، بإجمالي 1477 طالبًا، العام الماضي. واستقبلت كلية الحقوق بجامعة بورسعيد 56 طالبًا وطالبة، بدلًا من 737 العام الماضي.

التعليم بالخطط لا التوجيهات

كمال مغيث
كمال مغيث

يرى الأكاديمي كمال مغيث، الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية ورئيس مجلس أمناء المركز المصري للحق في التعليم، في حديثه لـ"فكّر تاني"، أن التدخل بإعطاء توجيهات رئاسية فيما يخص التعليم ليس منطقيًا أو طبيعيًا. ويشدد على أن التعليم يجب أن يسير وفقًا لخطط ودراسات مدروسة، وإلا فإن العواقب ستكون كارثية. ويشير مغيث إلى أنه منذ عهد محمد علي، كانت هناك خطط استراتيجية للتعليم، وفي عهد عبد الناصر، كان التكنوقراط هم المخططين الرئيسيين لعملية التعليم.

ويضيف مغيث: "المشكلة تكمن في عدم وجود خطط واضحة لتشغيل الشباب في مصر، وعدم تحديد معالم سوق العمل؛ إذ يوجد ملايين الشباب يعملون في مهن لا ترتبط بمؤهل دراسي معين، مما أدى إلى حدوث خلل في أعداد خريجي الكليات النظرية." ويتساءل: "هل انتهت البطالة بالنسبة للتخصصات العلمية مثل الهندسة؟".

كما يدعو مغيث الحكومة إلى وضع خطط تنمية طموحة تعتمد على تشغيل العمالة الكثيفة في المشروعات الاستثمارية، مع توفير تسهيلات للدولة في هذا السياق. ويقترح اعتماد فكرة التدريب التحويلي لخريجي الكليات لضمان توظيفهم بشكل فعال.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة