قضى فريد زهران 10 سنوات كاملة رئيسًا للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، منذ انتخابه في 4 أبريل 2016، ثم إعادة انتخابه في المؤتمر العام خلال مايو 2022. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المؤجل لأكثر من عامين، تتصاعد الخلافات داخل الدائرة الضيقة، فيما تتعثر محاولات التوافق التي يسعى إليها رئيس الحزب.
وتؤكد مصادر، داخل "المصري الديمقراطي"، تراجع التوافق على اختيار نائبة رئيس الحزب، مها عبد الناصر، لرئاسته، في وقت يوجه فيه زهران دعمه إلى أحمد فوزي، عضو الهيئة العليا، وسط احتمالات لرفض ترشيحه والتوجه إلى أسماء أخرى، في مقدمتهم باسم كامل، الأمين العام للحزب، وخالد راشد، نائب رئيس الحزب. كما ترجح المصادر ابتعاد نائب رئيس الحزب محمود سامي عن السباق الانتخابي، فيما أعلن أمين الهيئة العليا، إيهاب أبو سريع، نيته خوض المنافسة خلفًا لزهران.
انتخابات مؤجلة منذ عامين
كان من المقرر إجراء انتخابات جديدة للحزب في 2024، وبادر محمود سامي، عضو مجلس الشيوخ حينها ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب في مجلس النواب حاليًا، إلى إعلان نيته الترشح لخلافة زهران.
وشهد الحزب حراكًا واعتصامات وإنذارات على يد محضر، احتجاجًا على عدم التزام قياداته باللائحة وتأخر الاستحقاق الانتخابي. كذلك عقدت الجبهة المناوئة لفريد زهران مؤتمرًا عامًا في أبو النمرس، انتهى بتدخل الشرطة، قبل أن تتوصل الجبهات المتصارعة إلى اتفاق على إرجاء المؤتمر العام والانتخابات الداخلية إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية.
وبينما تتواصل الخلافات حول خليفة زهران، يتوارى سامي عن المشهد، رغم استمرار تداول اسمه كمرشح محتمل. غير أن المصادر تكشف عن اتفاق جرى في الكواليس قبل بداية الفصل التشريعي الثاني، يقضي بتوليه قيادة الهيئة البرلمانية للحزب مقابل عدم الترشح للرئاسة.
تعطل التوافق
ومع اقتراب الانتخابات المركزية واختيار رئيس جديد للحزب، تعود الخلافات إلى الواجهة، رغم تأكيد زهران خلال حفل سحور الحزب في رمضان الماضي أن الأعضاء سيتوافقون على مرشح واحد للرئاسة.
ويقول الأمين العام للحزب، باسم كامل، إن إجراءات تشكيل المؤتمر العام والجدول الزمني للانتخابات المركزية، وفي مقدمتها انتخابات رئاسة الحزب، ستُعلن في منتصف سبتمبر، مرجحًا في تصريحات خاصة لـ«فكر تاني» إجراء الانتخابات خلال أكتوبر المقبل.
غير أن الاستحقاق المرتقب يكشف عن تصدع في مسار التوافق. ويؤكد باسم كامل أنه أحد المرشحين المحتملين لرئاسة الحزب، متوقعًا حسم موقفه النهائي قبل منتصف سبتمبر، بينما أعلن أمين الهيئة العليا، إيهاب أبو سريع، عزمه خوض السباق، في خطوة تقوض محاولات التوافق التي تتحدث عنها مصادر عدة لترشيح أحمد فوزي، عضو الهيئة العليا، للرئاسة.
مها عبد الناصر خارج دائرة المرشحين
بدأ تعثر التوافق بخروج مها عبد الناصر من حسابات الترشيح. ويؤكد أبو سريع في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني" ما كشفت عنه مصادر داخل الحزب من دعم عدد من قياداته، في مقدمتهم رئيسه الحالي فريد زهران، لترشيح أحمد فوزي للرئاسة، والتراجع عن مساندة النائبة مها عبد الناصر لخلافة زهران، خلافًا لما تم الاتفاق عليه قبل عدة أشهر.
ويقول أبو سريع إن محاولات الاتفاق على مرشح واحد بدأت منذ فترة، من خلال من يصفهم بـ"المجموعة التي تعتبر نفسها أصحاب الحزب، وهم أصحاب موازين القوة والنفوذ والسيطرة داخل الحزب، وهم الذين يتحدثون مع بعضهم البعض للتوافق"، موضحًا أن المقصود بهم "رئيس ونوابه، والأمين العام، هم كل حاجة، هم أصحاب السلطة".
ويفسر أبو سريع تحول الموقف تجاه مها عبد الناصر، بقوله إن "الدائرة الضيقة كانت متوافقة، لكن عندما نزلوا للقواعد غالبًا الدنيا ما مشيتش، أو أن التوافق لم يعجب بعضًا منهم، فبدأت الدنيا تفرط منهم، فنقلوا العطاء على حد تاني"، مشيرًا إلى الدفع بأحمد فوزي.
ومع ذلك، تضم قائمة الأسماء المحتملة من "الدائرة الضيقة" باسم كامل، وخالد راشد، نائب رئيس الحزب، وأحمد فوزي، الذي تؤكد عدة مصادر حصوله على دعم زهران وأشرف حلمي، أمين التنظيم السابق. كذلك يتردد اسم محمود سامي بصورة محدودة، وسط ترجيح المصادر اكتفاءه بالترتيب الذي حصل عليه بعد اختياره رئيسًا للهيئة البرلمانية للحزب في مجلس النواب.
وحاولت "فكر تاني" التواصل مع سامي وزهران، إلا أن كليهما لم يرد على الاتصالات الهاتفية أو الأسئلة التي أرسلت إليهما عبر واتساب. في المقابل، اكتفت النائبة مها عبد الناصر بإجابات مقتضبة، قائلة "لن أترشح، ولا أعرف كيف تسير الأمور، ولا أفضل الحديث في الموضوع"، مضيفة لـ"فكر تاني"، "كانت هناك محاولة للتوافق بشكل معين لم تكتمل، ولا أرغب في الترشح في مواجهة أحد من زملائي".
هل فوزي امتداد لفريد زهران؟
في ظل تعدد الأسماء وتعثر التوافق، يقول أحمد فوزي، عضو الهيئة العليا وأحد مؤسسي الحزب، إن تركيبة الحزب تتسم بتنوع واسع في العضوية والخلفيات والوجود الجغرافي، موضحًا أن أمانات مختلفة تطالب 5 شخصيات بالترشح، وهم عبد الناصر وسامي وكامل وراشد وفوزي نفسه، مضيفًا "وأيضًا زميلنا إيهاب أبو سريع، الوحيد الذي أعلن ترشحه رسميًا حتى الآن، وكل واحد فينا لديه مميزات وإيجابيات".
ويرفض المرشح المحتمل الانتقادات التي توجه إليه بسبب حصوله على دعم رئيس الحزب فريد زهران وأمين التنظيم أشرف حلمي، قائلًا "كل الزملاء الموجودين، نواب رئيس الحزب والأمين العام، عملوا مع فريد زهران وأشرف حلمي 10 - 15 سنة". ثم يتساءل مستنكرًا "هو يعني فريد وأشرف دول تجار مخدرات؟"، مضيفًا أن "الانتقاد علشان يساريين مش عيب، وعلى فكرة الكتلة التي تنتقدنا باعتبارنا يسار هي نفسها التي تقول على باسم ومها ومحمود وخالد راشد العصابة اللي مع فريد".
ويرد فوزي على من يرون أن وصوله إلى رئاسة الحزب سيعني استمرار نفوذ زهران، قائلًا "أنا مش طرطور، والناس كلها عارفة، وأكثر شخص يعرف ذلك هو فريد زهران نفسه، والزملاء المرشحين المحتملين. أنا اتخانقت مع فريد في أوقات معينة وهم عارفينها كويس".
ويتحدث فوزي عن استقالته مرتين من الحزب، قائلًا "في المرة الأولى قدمت استقالتي لأني وجدت ممارسات لا تعجبني، فتراجعت وانضممت لحزب العيش والحرية متصورًا أنه الأفضل"، موضحًا أنه عاد إلى الحزب بعد حبس زياد العليمي، أحد مؤسسيه، في قضية الأمل. ثم يشير إلى استقالته الثانية عقب قرار الحزب خوض انتخابات 2020 ضمن القائمة المطلقة المغلقة "من أجل مصر" التي ضمت أحزاب الموالاة، مضيفًا "نعم استقلت مرتين لأسباب سياسية، وهذا ليس عيبًا".
ويبرر فوزي عودته إلى الحزب مع انطلاق الحوار الوطني، قائلًا "قرأت الموضوع وقتها أن مرحلة الاستبداد الخشنة تراجعت لصالح انفتاح بسيط، وليس صحيحًا أن الحوار الوطني لم يؤدِّ إلى حلحلة في الوضع السياسي".
ويرى أن الحزب يحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى تطوير أفكاره وآليات إدارته ومصادر تمويله، مع تأكيده عدم وجود أزمة في الخط السياسي، قائلًا "لا بد أن نبقى منفتحين على كل أطراف العملية السياسية التي لا تمارس العنف". مشددًا على استمرار الحزب في معارضة السلطة والتواصل مع مختلف القوى السياسية، بهدف إخراج مصر من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من دون انفجار اجتماعي أو العودة إلى سيناريوهات 25 يناير و30 يونيو.
هل انتهى أوان التوافق؟
في الوقت الذي لا يزال يرى فيه فوزي أن الوصول إلى اتفاق بين قيادات الحزب ممكن، يعتبر خالد راشد أن هذه المرحلة انتهت، قائلًا في تصريحات لـ"فكر تاني" "عدينا مرحلة التوافق". ويفسر موقفه بأن "أطراف كثيرة تنادي بالتوافق تدفع بطرف آخر غير الذي تم التوافق عليه"، مشيرًا إلى سحب الدعم من مها عبد الناصر وتوجيهه إلى أحمد فوزي.
ويكشف راشد أنه طالب في البداية بعقد اجتماع موسع لمناقشة احتياجات الحزب خلال الفترة المقبلة وتحديد الشخص الأنسب لقيادته، مؤكدًا أنه لم يكن طرفًا في التوافق السابق، ومضيفًا "الأمر ليس عدم الرضا عن دعم مها أو فوزي، لكن الطريقة التي يتم بها إدارة الأمور، أنا غير موافق على أن مجموعة مغلقة ترتب مستقبل الحزب".
ويؤكد أن "الأصل أن تحدث انتخابات بين أكثر من مرشح"، مضيفًا "أفكر في الأمر بشكل جدي، تلقيت أكثر من اتصال تليفوني من أكثر من أمانة من الأمانات يدعوني فيها إلى إعلان ترشحي في الانتخابات، لكن الحقيقة إن إعلاني القرار مرتبط بفتح باب الترشح".
ورغم ذلك، يفضل راشد التوصل إلى توافق يستند إلى توسيع قاعدة النقاش، وليس إلى "مجموعة صغيرة تتخذ قرارات أو توزع المناصب على بعضها".
وعلى الرغم من الخلاف داخل "المجموعة الضيقة"، يرجح أبو سريع عودة التوافق في النهاية، قائلًا "دائمًا تحدث بينهم خلافات، لكن في النهاية يلموا بعض عشان لو الدنيا فرطت منهم مش هيعرفوا يسيطروا، لأن فيه مصالح لابد من المحافظة عليها".
توقعات المشهد الختامي
ترجح المصادر التي تحدثت إلى "فكر تاني"، أن ينتهي المشهد بترشح 2 فقط في الانتخابات المقبلة، التي ستدفع الحزب بعدها إلى مرحلة جديدة، مع غياب القيادات التاريخية صاحبة الطابع الزعامي عن رأس الحزب، بعدما ترأسه الدكتور محمد أبو الغار حتى 2016، ثم خلفه فريد زهران.
ويتوقع أبو سريع كذلك اقتصار المنافسة على 2 من المرشحين، بعد توافق "المجموعة الضيقة" في النهاية على أحمد فوزي، ولا يستبعد في الوقت نفسه العدول عن الترشح، قائلًا "لا أطمح في الرئاسة، لكن أطمح في بناء، وممكن ألا أترشح لو اتفقنا على البناء".
ويربط أبو سريع قراره بما يسميه "تراجع المجموعة الضيقة عن السيطرة"، مضيفًا "لا يجوز أن يكون لدينا 5 أو 6 أشخاص فقط هم من يحركون الحزب".
ويتبنى راشد تصورًا مشابهًا، قائلًا "ينتهي المشهد بتقدم 2 من المرشحين والتنافس بينهما". ولا يستبعد نائب رئيس الحزب وعضو مجلس الشيوخ التواصل مع أمين عام الحزب باسم كامل والتحالف معه، موضحًا "ربما يكون في اتجاه لتحالف وترشح أي مننا لرئاسة الحزب، لكن لم يحدث هذا التواصل، إنما علاقتنا تسمح بهذا، ومصلحة الحزب ستكون في المقدمة في كل الأحوال".
ويؤكد راشد "أقسم بالله، أنا لست ساعيًا لرئاسة الحزب، لكن اعتبريني أضحي لترسيخ قاعدة، وأنا بقولك بشكل صادق وصريح أهو، هذه الانتخابات سوف تحمل مفاجآت كبيرة في كثير من المناصب". ويتوقع تغييرات في خريطة المناصب المركزية، قائلًا "يوجد جيل بالكامل في حاجة إلى التعبير عن نفسه وجدير بالحصول على مساحات، وهذا ينبغي أن يكون جزءًا من برنامج رئيس الحزب القادم أن يقدمه، أن يكون هناك دائرة واسعة من شركاء القرار".
ولا يخشى فوزي حدوث انشقاقات داخل الحزب نتيجة المنافسة الانتخابية، على خلاف النائبة مها عبد الناصر التي بررت في حوار سابق مع "فكر تاني" الحاجة إلى التوافق بحماية الحزب والحفاظ على تماسكه وضمان استمرار كوادره داخل إطار العمل الجماعي.
وفي المقابل، يرى فوزي أن "ابتعاد المجموعة التي خسرت الانتخابات وارد ويحدث في كل أحزاب العالم"، مؤكدًا "ما أثق فيه أنه لا يوجد طرف، ما فيش أي طرف من الخمسة دول ولا أنصارهم هيضربوا بعض بالخشب، ولا هيشتموا بعض، ولا يشنعوا على بعض، ولا يستقيل منهم أحد لو النتيجة لم تأتِ على هواه".
وفي حين لا تدور المعركة المقبلة فقط حول اسم من يخلف زهران، وإنما حول من يمتلك القرار داخل الحزب بعد رحيل رئيس أمضى 10 سنوات في موقعه. فهل تفرز الانتخابات قيادة جديدة فعلًا، أم تعيد إنتاج الدائرة نفسها بأسماء مختلفة؟ وهل يبتعد زهران عن المشهد التنظيمي؟ وهل يتمكن الحزب من مواصلة مسيرته بعد انتهاء حقبة الزعامات التاريخية ودخول جيل جديد إلى دائرة القيادة؟