لم تكتمل بعد شرايين الربط بين أطراف الجيزة والعاصمة الإدارية الجديدة، فلا تزال هياكل المونوريل معلقة، وخطوط الأتوبيس الترددي على الدائري تنتظر الانطلاق، مما يجعل رحلة الوصول إليها في غياب مسار نظامي مهمةً معقدة.
لا يوجد سبيل واضح - حتى الآن- للعاصمة سوى الاتجاه شرقًا في رحلة طويلة نحو محطة مترو عدلي منصور، وهي مغامرة تلتهم في حد ذاتها الوقت والجهد، في شبكة أنفاق لم تصل خطوطها إلى أطراف الجيزة حيث أسكن.
وسط هذا التحدي، ثمة ملاذ واحد يقدمه مجلس النواب للصحفيين، من خلال حافلة تنقلنا في طقس شبه يومي، من محيط المقر التاريخي بوسط القاهرة إلى العاصمة الإدارية في صحرائها الشرقية.
لكني كنت على موعد مع مغامرة لم تكن في الحسبان، في ذلك اليوم الذي تأخرت فيه عن موعد التجمع، ووجدت نفسي مضطرة لخوض الرحلة وحدي بسيارتي المتواضعة، لأنطلق في مسار بدأ بمساعدة التكنولوجيا وخرائط جوجل، ثم بدعم من رجال الشرطة والجيش والمواطنين الشرفاء، وانتهى بالتكبيرات مع هتاف "مدد يا عدرا" في قلب العاصمة.
وحدي مع الـ GPS
لم أكن لأجرؤ على شق الصحراء شرقًا وحدي، لذا كنت أكتفي دائمًا بالانضمام إلى زملائي في الحافلة عند بوابات العين السخنة، حيث ينعطف بنا السائق يمينًا بعد بضع كيلومترات نحو طريق العاصمة. لكن في ذلك اليوم، لم يكن لدي خيارات أخرى؛ اضطررت إلى استكمال المسيرة وحيدة، لا يرافقني سوى صوت إرشادات الـGPS.
ما إن عبرتُ البوابات، حتى استجمعت تركيزي كله، لكن سرعان ما بدأ الصراع بين توجيهات التكنولوجيا والذاكرة، فالجهاز أمرني بالاستمرار قُدمًا لعدة كيلومترات، وهو مسار بدا لي غريبًا. لم أتخيل قط أننا نقطع كل هذه المسافة في رحلاتنا الجماعية دون أن نشعر بها.
وفي لحظة تمرد على التكنولوجيا، قررت أن أثق بحدسي، أو كما نقول "أشغل دماغي"، وانعطفت يمينًا عند أول فرصة، مؤمنةً أنه الطريق الصحيح. لم يستغرق الأمر طويلاً لأدرك فداحة قراري، فقد وجدت نفسي على طريق لا يمت بصلة لمسار الحافلة المعتاد، سيارات تُعدّ على الأصابع أمامي، وصحراء مترامية إلى جواري على الجانبين.
واصلت السير حتى استقر بي الحال أمام مبنى عسكري ضخم، وبينما أنا عالقة في هذا الفراغ، توقفت بجوار المبنى أظن أن المدد سيأتيني من هناك، لتظهر فجأة دورية للشرطة العسكرية جاءت تستطلع أمر هذه السيارة الوحيدة، فشرحت لهم بهدوء أنني صحفية تائهة في طريقي إلى مجلس النواب، فجاءت تعليماتهم واضحة ومقتضبة: "سيري خلفنا".
مساعدة الشرطة والجيش والمواطنين الشرفاء
استكملت مساري مطمئنة خلف الشرطة العسكرية، غادرني شعور الـ Panic Attack، فانتظمت ضربات قلبي وهدأ توتري. في نهاية طريق طويل أرشدني قائد السيارة بالسير يمينًا فيسارًا فيمينًا، اتبعت إرشاداته حتى وجدت في قلب الصحراء بعض البشر ما بين عمال وسائقين في منطقة غريبة، لكن تبدو أعمال البناء والتشييد فيها واضحة. استكملت المسيرة حتى وجدت كمينًا للشرطة، طلبت إرشاداتهم فدلوني على الطريق.
بدأت أرى البرج الأيقوني وملامح العاصمة الإدارية من بعيد، عاد الاطمئنان لقلبي مرة أخرى وحاولت اتباع إرشادات الشرطة والجمع بينها وبين توجيهات الـ GPS. استكملت الطريق بينما البرج الأيقوني يتراقص، تارةً أجده واضحًا على يساري فأطمئن لقرب الوصول، وتارةً أخرى يختفي فيعود التوتر مرة أخرى، وكأن البرج الأيقوني منارة ترشد المسافرين التائهين على الطريق للعاصمة الإدارية الجديدة.
بمساعدة جديدة من سائق سيارة نصف نقل، انعطفت في طريق جديد يبدو أن الـGPS لم يتعرف عليه بعد، وكان هو المسار الخفي الذي انتهى بي في العاصمة الجديدة. وبعد كيلومترات كثيرة وبعد توهان استمر لقرابة الساعة، وجدت على يميني كاتدرائية ميلاد المسيح فهتفت: "مدد يا عدرا مدد، الله أكبر الله أكبر، عبرت إلى العاصمة".
أضحك وألتقط أنفاسي وتنتظم ضربات قلبي، فأبدأ تأمل المكان الذي بدا لي مختلفًا عما أراه من خلف زجاج الحافلة. كنت أقرب كثيرًا إلى العمال وبشرتهم السمراء التي لفحتها الشمس وعرقهم في البرد، وشقوق أياديهم ورحلتهم في رفع الأحمال من الأرض، والانتقال عبر السقالات، لاستكمال مسيرة تشييد المدينة البعيدة عن وسط القاهرة.
العاصمة.. الموحشة المبهرة
تبدو المدينة موحشة، لكنها في الوقت نفسه مبهرة وصعبة الوصول، لكن يبدو أن عبور أبوابها الضخمة ذات الطراز الإسلامي لم يعد خيارًا مع انتقال كافة الأعمال الحكومية والبرلمانية للمدينة، وانتظار انتقال مجلس الشيوخ لمقره الجديد خلال بضعة أشهر.
مررت بمجمع البنوك ومبانيه العملاقة، وانتقلت للحي الحكومي ومباني الوزارات الضخمة التي تجاور بعضها البعض، وانتهت بي الرحلة أمام بوابة 2 لمجلس النواب، لأدرك أنني وصلت سالمة مع "برقوقة"، "يا دوب شوية حرقة أعصاب مع شوية حرق بنزين".
لكن على أبواب المجلس شعرت بقدر كبير من العطش، فخلال ساعة كاملة من التيه قطعت فيها عشرات الكيلومترات في قلب الصحراء، لم أتذكر شربة ماء واحدة. وحده عبور بوابة مجلس النواب أعاد إليّ الإحساس بالعطش، كأن الجسد أجّل مطالبه حتى يطمئن إلى الوصول.
ربما تصبح العاصمة يومًا أقرب مما هي الآن، فتكتمل شرايينها وتصبح الرحلة اعتيادية لا تستحق كل هذه المشقة وحكاياتها. لكن في ذلك اليوم، لم تكن مجرد مسافة تُقطع، بل اختبارًا صغيرًا لفكرة الانتقال نفسها، كيف نغادر مدينة ألفناها ونعبر إلى أخرى ما زالت تتشكل، بينما نحمل معنا تراثنا القديم وتماهينا معه، وعطشنا أيضًا!