تحمس "ع. ر"، موظف بالعاصمة الإدارية كثيرًا بالافتتاح الرسمي لمشروع القطار أحادي السكة "المونوريل" كوسيلة مواصلات ذكية متطورة تُغنيه عن المواصلات التقليدية، قبل أن يصطدم بأسعار التذاكر التي أعلنت عنها وزارة النقل، التي جعلته وسيلة تنقل أعلى بكثير من قدراته.
بدأت وزارة النقل في 6 مايو الحالي تشغيل المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل عبر 16 محطة تبدأ من القاهرة الجديدة "التجمع" وتحديدا محطة المشير طنطاوي، حتى مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة.
تتضمن أسعار تذاكر المونوريل 4 شرائح بحسب عدد المحطات، لتبدأ المنطقة الواحدة (حتى 5 محطات) بعشرين جنيهًا، ومنطقتان (حتى 10 محطات) بسعر 40 جنيهًا و3 مناطق (حتى 15 محطة) 55 جنيهًا أما (أكثر من 15 محطة) فبسعر 80 جنيهًا.
"المواصلات اليومية تكلفني نص مرتبي".. تلخص هذه العبارة حال الموظف الذي يُفترض أن يستقل المونوريل بإجمالي 32 محطة، فتكلفة رحلة الذهاب والعودة ستكبده 160 جنيها، أي ما يعادل 3200 جنيه على افتراض أن أسبوع العمل خمسة أيام.
مشكلة الموظف أنه لا يستقل المونوريل يوميًا فقط، إذ تتضمن رحلته مواصلات أخرى ما بين ميكروباص مصر القديمة إلى رمسيس بحوالي 20 جنيها (للذهاب والعودة) وبعدها ميني باص آخر بـ 40 جنيهًا (للذهاب والعودة) من رمسيس إلى أول محطات المونوريل بالقاهرة الجديدة "المشير طنطاوي" التي يفترض أن يستقله منها، ما يضيف 1600 جنيه إضافية إلى بند المواصلات بخلاف المونوريل، ما يعادل 4800 جنيه.
تمر المرحلة الأولى من المونوريل من محطات القاهرة الجديدة التي تتضمن المشير طنطاوي، وان ناينتي والمستشفى الجوي والنرجس والمستثمرين واللوتس وجولدن سكوير وبيت الوطن قبل الدخول لمحطات العاصمة التي تتضمن محطات مسجد الفتاح العليم والحي آر 1 والحي آر 2 وحي المال والأعمال ومدينة الفنون والثقافة والحي الحكومي ومسجد مصر ومدينة العدالة.
شريف عمر، موظف، يقول إن تسعيرة المونوريل أعلى من قدرات المواطنين، والحل في وجهة نظره هو زيادة مبلغ بدل الانتقال للعاملين بالعاصمة التي تدفعه وزارة المالية الذي يبلغ 2000 جنيه، لأنه أصبح غير كافٍ للانتقال للعمل بالحي الحكومي منذ رفع أسعار المحروقات أخيرًا.
التسعير بين المونوريل والمترو
يُمثل المونرويل وسيلة مواصلات ممتازة لمن يريد التوجه للعاصمة لقضاء مهمة عمل أي يزوروها "طياري"، لكنه يمثل عبئا على من تقتضي مهام عمله الذهاب إليها يوميا، كموظفي الحكومة، بحسب "إ. س"، موظفة.
تضيف أن التذاكر مرتفعة الثمن وتشبه "تذاكر السينما"، خاصة لو تمت مقارنتها بخطوط المترو التقليدية، فتذكرة "حلوان / المرج" تبلغ 20 جنيهًا (رحلة ذهاب فقط)، رغم أن الفرق بين طول الرحلة في المترو والمونوريل لاتستدعي تلك الفروق الكبيرة.
المرحلة الأولى من المونوريل بطول حوالي 56.5 كيلو، بينما الخط الأول لمترو أنفاق القاهرة (حلوان - المرج الجديدة) بطول حوالي 44 كيلومترا، ويعادل طول خط حلوان المرح حوالي ٧٨٪ من طول خط المونوريل لكن سعر تذكرته الإجمالية، يعادل 25% من سعر تذكرة المترو.
يبلغ الطول الإجمالي للخط الثالث لمترو أنفاق القاهرة الكبرى حوالي 41.2 كيلومتر، ويشتمل على 34 محطة (نفقية، علوية، وسطحية، والخدمة في الخط الثالث تكاد تكون قريبة في الجودة من المونوريل وبأقل كثيرا عن الأخير، كما أن سعر استقلال محطة واحدة بالمونوريل تعادل ضعف سعر استقلال محطة واحدة بالمترو التقليدي.
تكاليف ضخمة تراهن على المستقبل
تُقدر القيمة الإجمالية لتنفيذ مشروعي المونوريل بـ2.695 مليار يورو، لكن مسئول بالنقل يقول ـ لـ"فكر تاني"، إنها تكلفة مناسبة مقارنة بالمشروعات المماثلة على مستوى العالم، خاصة أن الإنشاءات كلها من خامات مصرية والعاملين عليها مصريون أيضًا.
تتضمن تلك التكلفة الخط الأول الذي يحمل اسم "شرق القاهرة" الذي تم تشغيله رسميًا، بينما يربط الخط الثاني، سيكون بين محافظة الجيزة ومدينة السادس من أكتوبر و(يسمى خط غربي القاهرة) بطول42 كيلومترًا.
تتولى شركات "بومباردييه" للنقل الكندية و"أوراسكوم" للإنشاءات والمقاولون العرب المصريتين، مسؤولية إنشاء وتطوير وصيانة الخطين لمدة 30 عامًا.
مسئول النقل الذي رفض ذكر اسمه، يقول إن خطة المشروع تُفترض أن يكون الخطان قادران على نقل حوالي 45 ألف راكب في الساعة الواحدة، ما يلبي التزايد المستقبلي بعدد سكان العاصمة، الذي من المخطط أن يصل إلى ٢٠ مليون نسمة ما بين مقيمين أو زائرين، موضحا أن التخطيط حاليا لم يعد يلبي الاحتياجات القصيرة الأجل ولكن طويلة الأجل.
يعمل المشروع بقطارات ذاتية القيادة" دون سائق" بزمن تقاطر بدأ بـ 15 دقيقة في المراحل التجريبية ووصل 3 دقائق حاليًا مع استهداف خفضه إلى دقيقة ونصف، عند زيادة الإقبال في المستقبل.
يُراهن المشروع على تقليل استخدام السيارات الخاصة وإقناع الطبقات التي تمتلك سيارات خاصة بتركها واستقلال وسيلة عصرية ستقلل عليهم أعباء ارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار التي أصبحت عبئًا على المواطن والدولة.
كيف يتم التسعير بمصر؟
تسعير تذاكر ركوب بمصر يتم بناءً على عدة عوامل رئيسية لا تتوقف على عدد المحطات ولكن على تغطية تكاليف التشغيل، والصيانة، وتدخل فيها أحيانًا الفوائد الخاصة بالقروض على الهيئة المُشغلة.
وزارة النقل تتبنى ذلك المبدأ، إذ أكدت على لسان وزيرها أنها لا تنوي خفض أسعار تذاكر المترو بعد رفعها أخيرًا، حتى وإن انخفضت أسعار الوقود عالميًا، مبررة ذلك بوجود عجز لديها بقيمة 4 مليارات جنيه (العجز يتضمن الفرق بين الإيرادات والمصروفات والمصروفات تتضمن أيضًا الفوائد).
الهيئة القومية للأنفاق حصلت على تمويل لخطي مونوريل العاصمة الإدارية والسادس من أكتوبر تجاوز الـ 1.8 مليار يورو من مؤسسات دولية وبنوك، بجانب قروض محلية بقيمة 5 مليارات جنيه إضافية في مارس 2025، لاستكمال الأعمال الإنشائية وصرف مستحقات الشركات المنفذة.
بحسب مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2026/2027 من المتوقع أن تسجل الھیئة القومیة للأنفاق خسائر نشاط بقيمة ٦٤٫٣ ملیار جنیه، بينما يبلغ إجمالي استخداماتها 275.9 مليار جنيه.
في المقابل يرى البعض أن المونوريل هو وسيلة نقل مناسبة للمدن المكتظة بالسكان، وليس للمناطق الصحراوية التي يمكن تغطيتها بوسائل نقل أرخص وأكفأ، كما أن تكاليف الصيانة العالية وعمر المشروع الافتراضي تجعل الاستثمار في وسيلة بديلة أكثر جدوى.
دكتور محمد سيد علي، مهندس مقيم في اليابان وأستاذ مشارك في إحدى الجامعات اليابانية،ـ يقول إن عمل المونوريل مكلف جدًا في كل أنحاء العالم ويكون داخل المدن المزدحمة التي لا تمتلك أراض ولذلك يتم صناعة مسار خرساني علي أعمدة عالية ليسير فوقه أو تحته، مثل خط (طوكيو وأوساكا).
يضيف أن مصر تمتلك مساحات متاحة وواسعة والأفضل كان المترو السطحي أو القطار الكهربي الخفيف، لأنه أقل تكلفة من المونوريل فتكلفة إنشاء الكيلومتر من المونوريل تصل لخمسة أضعاف المترو السطحى الذي يعتبر أسرع من المونوريل أيضًا.
يؤكد أن المكان الأنسب لمشروع المونورويل كان في قلب القاهرة حيث الازدحام أو التكدس المروري، فضلاً عن ضمان عائد التشغيل بالأعداد الكبيرة من الركاب التى ستستخدمه وتنشيط السياحة الداخلية والخارجية، خاصة في مناطق الحسين والأزهر والعتبة وقصر العيني.
وزارة النقل: المونورويل مشروع مدروس
بحسب وزارة النقل، فإن المشروع لم يكن عشوائيا ومدروس لأنه يربط مع الخط الثالث، والثالث يربط مع الأول والثاني بشبكة كاملة وخطة المونوريل والقطار السريع موجودة منذ سنوات، لكن المشكلة كانت في القرار والتمويل.
تتيح الموازنة العامة الجديد لصالح أبحاث المشروعات ودراسات الاستثمارات في الهيئة القومية للأنفاق 4.5 مليار جنيه، وذلك بعد تعديل قانون الهيئة بما يسمح لها التوسع فى أنشطتها لتتضمن تصميم وإنشاء مشروعات النقل السككي بالجر الكهربائي (السكة الحديد ومترو الأنفاق والمترو الخفيف والترامواي).
تتضمن بند الدراسات قياس الأثر البيئي للمشروعات وهي عملية مكلفة نظراً للحاجة إلى دراسات ميدانية دقيقة تستغرق فترات طويلة، وتتطلب استعانة بخبراء واستشاريين متخصصين، بجانب استخدام معدات وتقنيات قياس متطورة.
دراسات وزارة النقل تؤكد أن مسارات المونوريل يتضمن مناطق متكدسة وتتقاطع مع شوارع حية ورئيسية ما قد يخلق تكدسًا حال الاعتماد على وسائل مواصلات أخرى، كما أن جميع مدخلات الانتاج محلية، والاستيراد اقتصر فقط على المركبات والصيانة والإدارة والتشغيل.
على مستوى التسعير، تقول الوزارة إن المونوريل وسيلة مواصلات "جملية" وتذاكرها أقل بكثير حال مقارنتها بتكاليف سيارات النقل الذكي، أو حتى تكلفة التنقل بالسيارات الخاصة، إذ قال المهندس كامل الوزير، وزير النقل، إن تخطيط النقل الحضري يحدد الوسيلة الأفضل من حيث الاستخدام، وطاقة النقل، بالإضافة إلى تعقيدات الحفر تحت الأرض، ومشاكل المرافق والصرف، ومدى الحيز الذي سيشغله من الشارع.
أضاف أن المونوريل يتميز بقدرة على الدوران بزاوية 90 درجة، بفضل إنشائه على أعمدة علوية تتيح مرور السيارات أسفله، بالإضافة إلى مراعاته استهلاك الكهرباء والضوضاء، وكل هذه المميزات لا تتوفر بوسائل نقل أخرى.
لكن يخشى بعض الخبراء من تكاليف الصيانة المستقلبية للمونرويل وأعطاله وعمره الافتراضي، ففي نيويورك أعلن مسؤولو هيئة الموانئ عام ٢٠١٥ أن الوقت قد حان للتخلص من "المونوريل" الذي يعود تاريخه لعام ١٩٩٦، والذي بدأ يُظهر علامات التقادم، مُشيرين إلى أنه لم يعد يستوعب احتياجات المسافرين المتزايدة.
لكن وزارة النقل في المقابل تؤكد أن سعة النقل الكبير بالمقارنة بالمركبات السطحية إذ أن سعة النقل القصوى للمونوريل تبلغ 45 ألف راكب، ما يجعله الوسيلة المثلي لمواجهة ارتفاع السكان في العاصمة مستقبلاً.. يظل الحكم على مشروع المونوريل المثير للجدل مرهونا بالمستقبل الذي سيحدد الوقت الزمني الذي ستسترد فيه الدولة مصروفاته الاستثمارية وقدرته على جذب المواطن بتسعير تذاكره.