أعلنت عدة منظمات فرنسية، 29 يناير الماضي، أنها أُبلغت الحكومة الفرنسية بعدم أهلية العلماء والفنانين القادمين من غزة للاستفادة من برنامج PAUSE الذي يديره كوليج دو فرانس، داعية الحكومة إلى التراجع عمّا وصفته بقرار "تمييزي"، وبحسب صحيفة لوموند الفرنسية رفضت تلك المنظمات الإعلان عن أسمائها.
تُشرف على برنامج PAUSE أربع وزارات حكومية فرنسية، ويتيح البرنامج استضافة العلماء والفنانين الأجانب المعرّضين للخطر في فرنسا من خلال تمويل مشترك، تتحمل فيه الدولة الفرنسية 60% من التكاليف، بينما تغطي المؤسسات المضيفة 40%، وذلك لفترة قابلة للتجديد مدتها عام واحد.

منذ أن شنّ الكيان الإسرائيلي هجومه المدمّر على قطاع غزة أواخر عام 2023، بدأت المنظمات الفرنسية إجلاء 41 طالبًا من غزة ممن حصلوا على منح برنامج PAUSE، عبر غزة أو مصر، حتى 11 يوليو الماضي.
وعلّقت فرنسا عمليات الإجلاء في أغسطس 2025، عقب تصريحات وُصفت بأنها معادية للسامية أدلت بها الطالبة الغزاوية نور عطا الله، التي لم تكن من المستفيدين من منح البرنامج.
انتظرت المنظمات المضيفة شهورا لاستئناف عمليات الإجلاء، إلا أن ذلك لم يحدث سوى بشكل متقطع منذ أواخر أكتوبر الماضي، واقتصر على أشخاص من خارج برنامج PAUSE حتّى جاءت الضربة القاضية في 22 يناير الماضي، حين أبلغ مسؤولو البرنامج المؤسسات المضيفة باستبعاد سكان غزة من البرنامج، بدعوى أن الحكومة الفرنسية غير قادرة على إجلائهم.
وظيفة برنامج PAUSE
يهدف برنامج بوز الذي تشرف عليه أربع وزارات هى وزارة التعليم العالي والبحث، وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، ووزارة الداخلية، وزارة الثقافة، توفير الحماية للعلماء والفنانين المهددين بالخطر، من خلال تمويل مشترك بين الدولة والهياكل المضيفة.

وصرّح جان نويل بارو، وزير الخارجية، بعد جلسة استجواب للحكومة في مجلس الشيوخ آخر يناير الماضي، بأن سبب توقف البرنامج يعود إلى إغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر، مؤكدًا صعوبة تنفيذ عمليات الإجلاء دون فتح المعبر لإنقاذ العلماء والفنانين.
فرنسا وازدواجية المعايير
عمرو جمال صدقي، الباحث وأستاذ التاريخ الفرنسي بالجامعة الأمريكية، قال لـ فكّر تاني:" إن ما حدث ليس جديدًا على ازدواجية المعايير في فرنسا، حيث تعكس السياسة الفرنسية، كعادتها، حالة عميقة من التناقض والنفاق السياسي"
ويوضح صدقي أن الدولة الفرنسية أقدمت على تعليق برنامج PAUSE بشكل مؤقت، وهو برنامج يهدف إلى دعم ومساندة فلسطينيين في أوضاع إنسانية وأكاديمية حرجة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تواصل فرنسا تزويد الكيان الإسرائيلي بالأسلحة، وتوفّر لها الغطاء الدبلوماسي، وتدافع عن الكيان الصهيوني في المحافل الدولية، بل ويصرّح الرئيس إيمانويل ماكرون صراحة بأنه لن يقوم باعتقال بنيامين نتنياهو في حال زيارته للأراضي الفرنسية.

ويضيف أستاذ التاريخ الفرنسي بالجامعة الأمريكية أن ذلك يأتي في الوقت، الذي تواصل فيه فرنسا الترويج لنفسها بوصفها دولة تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية على مستوى العالم، غير أنّ هذا الخطاب، الذي يُسوَّق ظاهريًا، يصطدم بواقع مغاير؛ إذ أنّ فرنسا ليست سوى دولة إمبريالية ذات تاريخ طويل من التحالف مع الكيان الصهيوني، وازداد هذا الاصطفاف وضوحًا مع تبنّيها شبه الكامل للسياسة الأمريكية، ولا سيما منذ فترة رئاسة نيكولا ساركوزي.
تاريخ من التناقضات
تبنّت فرنسا في بداية احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين عام 1948، موقفًا داعمًا للاحتلال، خاصة خلال خمسينيات القرن العشرين، حيث تجلّى ذلك في التعاون العسكري الوثيق بين فرنسا ودولة الكيان، ولا سيما خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إلا أن هذا الموقف بدأ يشهد تحوّلًا تدريجيًا مع وصول شارل ديغول إلى الحكم، إذ اتجهت السياسة الفرنسية نحو قدر أكبر من التوازن، فاعترفت فرنسا بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وأيدت حل الدولتين، بحسب ما نشرته الموسوعه التفاعلية للقضية الفلسطينية.
ودعّمت فرنسا العديد من القرارات الدولية، التي تنتقد الاستيطان الإسرائيلي وتدعو إلى احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، هذا في ظل رغم استمرار العلاقات القوية بين باريس وتل أبيب، بحسب صحيفة لوفيغاروا.
بيع الوهم في ظل الإبادة الجماعية
يتسم موقف فرنسا من الحرب على غزة بطابع مركّب يجمع بين الخطاب الإنساني المعلن والحسابات السياسية والالتزامات الاستراتيجية، إذ تؤكد الحكومة في بياناتها الرسمية اعتمادها على أرقام الأمم المتحدة التي تشير إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين، غالبيتهم من المدنيين، وتدمير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية وتشريد ما يقارب مليوني إنسان داخل قطاع غزة، ما دفعها إلى التحذير المتكرر من كارثة إنسانية بحسب تقارير صحفية.
فيما شدد المسؤولون الفرنسيون، بمن فيهم الرئيس إيمانويل ماكرون، على ضرورة وقف القتال وإحياء مسار سياسي قائم على حل الدولتين، غير أن هذا الخطاب الإنساني يتناقض جزئيًا مع الواقع العملي، إذ استمرت العلاقات العسكرية والتجارية بين فرنسا وإسرائيل، بما في ذلك تصدير معدات عسكرية بملايين الدولارات، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ونواب ومثقفين فرنسيين اعتبروا هذا الدعم يرقى إلى شكل من أشكال التواطؤ.

انعكس هذا الجدل داخليًا في فرنسا من خلال فتح تحقيقات قضائية تتعلق باتهامات بعرقلة المساعدات الإنسانية، إضافة إلى موجة احتجاجات شعبية واسعة وبيانات صادرة عن مئات الكتّاب والمثقفين الذين وصفوا ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار.
ويرى علي كنيس، الباحث التونسي في العلوم السياسية، وأحد منظمي أسطول الصمود أن هذا ليس بالأمر الجديد على فرنسا، التي تلعب دورًا مزدوجًا، ولا يهمها في نهاية الأمر حياة الفلسطينيين، لكن تصريحاتها بشأن حقوق الإنسان، تأتي في ظل الدور الحضاري المتوهم، الذي تحاول لعبه منذ عقود.

ويؤكد كنيس، في حديثه لـ فكّر تاني:" أنّ كل محاولات فرنسا في تبييض وجهها أمام العالم كراعٍ للحضارة والديموقراطية، لا يجب أن تنسينا ما تقدمه من دعم عسكري ولوجيستي وسياسي وإعلامي لإسرائيل، وهذا أمر طبيعي، إذ أنّ فرنسا تاريخيًا جزء من اللوبي الصهيوني الداعم لإسرائيل في العالم، بينما اعترافها الشكلي بالدولة الفلسطينية يأتي لمجرد تهدئة الجماهير، في ظل ما نشهده الآن من وقف للبرنامج المخصص لدعم الفنانين والعلماء، كما أن هذا ليس إلّا تجليًا لقوة اللوبي المعادي لحق الشعب الفلسطيني داخل فرنسا".
ليست فرنسا وحدها
شريف عازر، مدير البرامج بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، أوضح، في حديثه لـ فكّر تاني، أن سبب وقف المنحة هو تضامن أحد الفلسطينيين مع ما يحدث في غزة، وذلك يحدث بشكل عام، وليس في فرنسا فقط، بل أيضا في بريطانيا، كما أن هناك طلاب مصريين منعوا من دخول الجامعة، وتم رفدهم، كما تمت محاكمه البعض منهم لتضامنهم مع فلسطين، وذلك مع بداية الأحداث في غزة منذ عامين.

ويرى عازر أن المشكلة تكمن في تحكم الجهة الممولة، حيث لا توجد معايير مستمرة بين الجامعات وبين الجهات الثقافية.
انتهاك صريح لحقوق الإنسات
وتقول المهندسة آية منير، مؤسسة مبادرة سوبر وومن :" إن رد فعل فرنسا انتهاك صريح لمبادئ حقوق الإنسان، طالما أن هؤلاء الطلاب أو العلماء يحملون أوارقهم الرسمية ولديهم إقامة".

وتوضح آية منير، خلال حديثها مع فكّر تاني، أن هذا التناقض الواضح من المنظمات الأوروبية والعالمية، التي تدعو إلى حقوق الإنسان ودعم الحريات، ليس جديدا عليهم، فهم يؤيدون ما يحدث في غزة، وهو ما ظهر جليا في القنوات الفضائية والجرائد العالمية، حيث يظهرون أننا عالم متخلف لا يحترم الحريات، ولكن عندما صبت المصلحة عندهم لم يؤيدوا حقوق الإنسان أو يتعاملوا بناء عليها.