مع اقتراب نهاية برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2026، وتأكيد الحكومة عزمها على عدم الدخول في برامج جديدة، يطفو على السطح سؤال جوهري حول جدوى علاقة امتدت لعقد كامل، شهدت خلاله البلاد سلسلة من القرارات الاقتصادية المثيرة للجدل.

على مدار 10 سنوات (2016 - 2025)، كانت تكلفة هذه الشراكة باهظة؛ إذ هوى الجنيه المصري من 7 جنيهات للدولار الواحد إلى 51 جنيهًا، قبل أن يستقر عند 48.24 جنيهًا حاليًا، مسجلًا ارتفاعًا للدولار بنسبة 589%. وعلى جبهة أخرى، قفز معدل التضخم من 8.2% في عام 2025 ليلامس 38% في سبتمبر 2023، قبل أن يتراجع إلى 13.9% في يوليو الماضي.
هذا الواقع دفع الدكتور محمود محيي الدين المدير التنفيذي السابق بصندوق النقد الدولي، إلى وصف العلاقة بأنها كانت مجرد "إدارة أزمات"، نتجت عن صدمات خارجية وإدارة اقتصادية محلية "لم تكن موفقة"، مؤكدًا أن الوقت قد "حان للتمرد" على هذه الشراكة المقيدة للحركة.
يرى "محيي الدين"، الذي شغل منصب وزير الاستثمار سابقًا في حديثه لـ فَكّر تاني، أن مصر بحاجة ماسة لتبني نهج مختلف تمامًا. فبدلًا من برامج تقتصر على ضبط الاختلالات النقدية والمالية، يجب أن تتحول الوجهة نحو برنامج شامل للنمو والتنافسية، يركز على زيادة التصدير والاستثمار، ويعيد تمكين الطبقة الوسطى، ويعالج جذور مشاكل توزيع الدخل والفقر المدقع؛ وهي تحديات، بحسب رأيه، لا يعالجها برنامج الصندوق بطبيعته.

خطة الطلاق من الصندوق.. ما نعرفه عن "سردية" الحكومة
قبل دعوة "محيي الدين" للتمرد، كانت الحكومة قد بدأت بالفعل في رسم ملامح رؤيتها لما بعد الصندوق. أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، أن اللمسات الأخيرة توضع على تصور اقتصادي جديد سيُطرح كمسودة للحوار المجتمعي، بهدف إقراره قبل نهاية العام الجاري.
أوضح "مدبولي" أن هذه الخطة تستند إلى "رؤية مصر 2030"، والاستراتيجيات القطاعية، ومخرجات الحوار الوطني، وترتكز بشكل أساسي على استهداف التضخم عبر مؤشرات وأهداف كمية واضحة على مدى السنوات الخمس القادمة.
وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أطلقت على هذه الرؤية اسمًا أثار الجدل: "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية".
تتضمن هذه السردية توجهًا نحو القطاعات الأعلى إنتاجية والقادرة على النفاذ للأسواق العالمية، وإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، وتعظيم العائد من أصولها العامة.
جوهر "السردية" يتركز بقوة على "وثيقة سياسة ملكية الدولة"، والتي تحدد القطاعات التي ستتركها الحكومة للقطاع الخاص بشكل كامل. وتشمل القائمة 79 نشاطًا اقتصاديًا، من بينها الاستزراع السمكي، والمجازر، والتشييد، وإنتاج برامج التليفزيون والأفلام، وتجارة التجزئة في الأجهزة الكهربائية والأثاث والجلود.
ولضمان الشفافية، تتضمن الخطة أيضًا إعداد مؤشر خاص من "مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة وقياس أثرها الفعلي على الاقتصاد، مما يوفر آلية متابعة موضوعية توجه السياسات المستقبلية.

من يكتب روشتة الخروج.. الخبراء أم الحكومة؟

يرى هاني توفيق الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر الأسبق، أن مصر في حاجة إلى برنامج يضعه خبراء كل صناعة، وليس الحكومة، على أن يعتمده البرلمان لتحقيق أهداف محددة في تواريخ ملزمة. وما على الحكومة إلا التنفيذ أو الرحيل. معتبرًا أن تغيير الاسم من "خطة" إلى "سردية" ليس هو الحل.
الفكرة ذاتها يشير لها محمود محيي الدين، الذي رغم إشادته بنجاحات مثل القضاء على السوق السوداء للعملة وتحقيق فائض أولي في الموازنة (وهي مؤشرات تهم وزارة المالية)، فإنه يتساءل: "هل الاقتصاد يلبي احتياجات عموم الناس وبعيد عن آثار الصدمات المتوقعة ويمكنه التصدي لها بشكل أفضل؟".
يضيف توفيق، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، أن الخطة الخمسية المنشودة تبدأ بتحديد موارد الدولة، واتخاذ كل القرارات لتعظيمها، وفي الوقت ذاته تحديد أولويات الإنفاق لتعظيم العائد من هذه الموارد، مع عدم إهمال بندي الصحة والتعليم ذوي العائد الاجتماعي وليس المالي فقط.
اقرأ أيضًا: روشتة صندوق النقد.. لمصلحة من؟
إدمان الديون.. حكاية مصر
رغم التفاؤل الحكومي، تتوقع آراء اقتصادية أن البرنامج الحالي لن يكون الأخير. السبب الجوهري هو أن جزءًا كبيرًا من تدفقات النقد الأجنبي، خاصةً من دول الخليج، كان مرتبطًا بشكل مباشر بوجود برنامج معتمد من الصندوق. فالأمر لا يتعلق فقط بقيمة التمويل المباشر من الصندوق، بل بتمويلات أكبر من دول ومؤسسات أخرى كانت تعتبر "شهادة الصندوق" شرطًا أساسيًا لضخ استثماراتها.
وعلى سبيل المثال، مع صرف أي شريحة لمصر، كان يتم الحديث عن إتاحة تمويل إضافي بنحو 14 مليار دولار من الشركاء الدوليين والإقليميين. كما أن الحصص التي اشترتها الصناديق السيادية الخليجية في شركات مصرية تزامنت مع أفكار الصندوق، بل إن بعضها اشترط تحرير سعر الصرف أولًا.
لكن محمود محيي الدين يشكك في نجاح هذا النموذج من الأساس، فمن وجهة نظره، الاقتصاد المصري لم يتحرك فعليًا منذ عام 2015 وفق مؤشر الناتج المحلي الثابت، الذي ظل عالقًا عند 480 مليار دولار دون نمو يذكر.

وهنا يكمن الفارق الحاسم بين نوعين من النمو: الأول قائم على الاستهلاك (أسعار السوق)، وهو الذي يستخدمه الصندوق، ويعكس زيادة إنفاق المواطنين والشركات.
أما الثاني فهو القائم على الإنتاج، ويعتمد على زيادة إنتاجية وكفاءة الاقتصاد، وهو الناتج الحقيقي الذي يمكن تصديره.
ويعلق د. مدحت نافع الخبير الاقتصادي، على هذه النقطة قائلًا إن المشكلة ليست هل حققنا نموًا أم لا، "بالتأكيد حققنا نموًا، لكن السؤال كيف وما شكل النمو؟".
ويجيب نافع، في حديثه لـ فَكّر تاني، بأنه "نمو معزز بالاستهلاك وليس بالاستثمار والتصدير.. نمو ناشئ عن تطور ديمغرافي في الأساس لا عن تطور قدرات إنتاجية".
في المقابل، تضع "السردية الوطنية" أهدافًا طموحة، منها الوصول بمعدل النمو إلى 7% بحلول 2030، وزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 82%.

وتستهدف السردية أيضًا زيادة نسبة الاستثمارات العامة الخضراء إلى إجمالي الاستثمارات العامة لتصل إلى ما بين 70 – 75% بحلول 2030، مقابل 50% بخطة العام المالي الجاري، وزيادة عدد الوظائف التي يولدها الاقتصاد سنويًا من 900 ألف وظيفة متوقعة في خطة العام المالي الجاري، إلى 1.5 مليون وظيفة في عام 2030.
ويرى مصطفى عادل الخبير المالي، أن أحد مكاسب "السردية" هو أنها تمثل قبولًا رسميًا لوجود "خطة أكثر عقلانية" من برامج الصندوق، وأن هناك وجهة نظر بديلة تستحق أن تُمنح الفرصة.
ولأن أهل مكة أدرى بشعابها، يلخص محمود محيي الدين دور الصندوق في جملة قاطعة: حتى لو حقق برنامجه نجاحًا منقطع النظير، فإنه لن يمنح الاقتصاد قفزات في النمو أو التنمية. دور الصندوق، في رأيه، هو "إنقاذ مريض يدخل غرفة الإنعاش.. أي إنقاذ الاقتصاد، وجعله يقف على قدميه"، لكن مهمة الانطلاق والتعافي الحقيقي تبقى مسؤولية مصرية خالصة.