المرتب مبيكفيش| إنذار انهيار الطبقة الوسطي في مصر

يعتبر البعض أن الطبقة الوسطى رمانة الميزان في التوازن الاجتماعي لأي بلد.

ولكن في مصر وعلى مدى العقود الأخيرة حدث تآكل وتراجع في أوضاعها ودخولها ومكانتها، خاصة الفئات التي تعتمد على الأجور كمصدر للدخل، بينما تكشف أرقام أجور المهنيين منها عن أزمات تجعلها لا تضطلع بدورها المجتمعي.

القضاء وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات

خلال الخمسينيات من القرن الماضي صدر القانون 131 لسنة 1950 الذي نص على ربط درجات أعضاء هيئة التدريس بكليات الجامعات المصرية بدرجات رجال القضاء والنيابة، باعتبارهم أعلى فئات المهنيين من حيث الأجور، ثم جرت في النهر مياه كثيرة، فهل ما زالت الأجور متساوية أو كافية؟

من واقع مسح الطبقة العاملة بالعينة الذي يجريه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ونتائجه في 2025، المنشورة في 2026، نجد أن 619.5 ألف يمثلون رجال التشريع وكبار المسؤولين والمديرين، وهم يشكلون 2.8% من المشتغلين بأجر في مصر، ونجد 3.4 مليون أخصائي وصاحب مهنة علمية يشكلون 15.6% من المشتغلين بأجر في مصر عام 2026.

تقدر بعض الإحصاءات أن عدد أعضاء الهيئات القضائية يتراوح بين 22 و24 ألفا، كما يوجد 124.4 ألف عضو هيئة تدريس بالجامعات الحكومية و29.5 ألف عضو هيئة تدريس بالجامعات الخاصة.

كانت أجور أعضاء هيئة التدريس تعاني تدهورًا في قيمتها وقدرتها الشرائية، الأمر الذي وضعها ضمن أولويات حركة استقلال الجامعات. وبالفعل شهدت الأجور بعض التحسن بعد ثورة يناير، ولكن سرعان ما خضعت الأجور للتجميد وتآكلت قيمتها بفعل معدلات التضخم وارتفاع الأسعار التي وصلت إلى أكثر من 40% في 2023 و30% في 2024، كما ارتفعت أسعار الطعام والشراب في بعض الشهور لما يتجاوز 70% مقارنة بأسعار العام السابق.

حتى أن أجور المعيدين في كثير من الجامعات الحكومية لا تصل إلى الحد الأدنى للأجور الذي وصل إلى 8000 جنيه في 2026، وربما تكون الأجور في الهيئات القضائية أفضل قليلًا، ولكن مع معدلات الغلاء وارتفاع الأسعار وخصخصة المرافق والخدمات العامة يعاني أعضاء الهيئات القضائية بالشكل نفسه.

وإذا كانت هذه هي الوظائف المتميزة بين المهنيين، فماذا يكون وضع باقي الوظائف الأخرى؟ نحاول متابعة بعض الأمثلة.

أجور الأطباء

منذ أيام قليلة أعلنت مستشفيات جامعة المنصورة أنها ستتقاضى من أطباء الامتياز مقابل الإقامة في سكن الأطباء والحصول على وجبات من المستشفى قيمة 2500 جنيه، بينما لا يتجاوز أجر طبيب الامتياز الشاب 2600 جنيه، أي أقل كثيرًا من الحد الأدنى للأجور.

وعندما ثار الأطباء الشبان واعترضوا، اكتفت الجامعة بفرض 500 جنيه رسومًا مقابل الإقامة في سكن الأطباء والحصول على الوجبات في المستشفى، ولكن ذلك لم ينف حقيقة أجور الأطباء الذين يعدون على رأس المهن التي يتطلع إليها المجتمع. وإذا لم تتوفر لهذا الطبيب فرصة العمل في أكثر من مكان، فإنه سيلجأ إلى السفر إلى الخارج. وتوضح إحصاءات وزارة الصحة أن الأطباء القائمين بالعمل لا يتجاوز عددهم 35% فقط من الأطباء المسجلين بالوزارة، مقابل 65% في إجازات خاصة.

توضح بيانات وزارة الصحة كذلك وجود 120.3 ألف طبيب بشري و92.4 ألف صيدلي و43.7 ألف طبيب أسنان مقيدين لدى وزارة الصحة، بينما تعلن نقابة الأطباء عن قيد 257.3 ألف طبيب. وقد ظل الأطباء لسنوات يطالبون بكادر خاص بهم حتى صدر القانون رقم 14 لسنة 2014 لتنظيم شؤون أعضاء المهن الطبية العاملين بالجهات الحكومية التابعة لوزارة الصحة والسكان من غير المخاطبين بقوانين أو لوائح خاصة.

وحدد الكادر أجر طبيب الامتياز بـ2600 جنيه، بينما يتراوح أجر الطبيب المقيم ما بين 7000 و9000 جنيه، وبذلك فهم غير خاضعين لقانون الحد الأدنى الذي تطبقه الحكومة، إضافة إلى تجميد الأجور على الأجر الأساسي في 2014-2015، وهو ما أضر بأوضاع الأطباء وأدى إلى تآكل القيمة الشرائية لأجورهم مع معدلات التضخم السائدة خاصة منذ 2016 والاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

أجور المهندسين

أما إذا انتقلنا إلى فئة أخرى من المهنيين، وهي المهندسين، فتقول الأرقام إن لدينا 724.5 ألف مهندس مقيدين بالنقابة في 2022، وإذا بحثنا في أجورهم نجدها تتراوح بين 3 و6 آلاف جنيه لحديثي التخرج، وتتراوح ما بين 9 و11 ألفا في الشركات الكبرى، مع وجود تفاوت كبير في الأجور ما بين شركات البترول وباقي القطاعات، وكذلك الأجور في المكاتب والشركات الدولية. بينما لا توجد أرقام معلنة حول عدد المهندسين المصريين العاملين في الخارج.

لذلك تعاني قطاعات كبيرة من المهندسين في العثور على عمل مناسب من ناحية، وبأجر مناسب من ناحية أخرى، بما يؤكد معاناة هذه الفئة ضمن المهنيين وأبناء الطبقة الوسطى أيضًا.

أجور الصحفيين

الصحافة من المهن المميزة التي يشار إليها، وقد يظن البعض أن هذه الفئة تحصل على أجور مرتفعة.

يوجد 11.3 ألف عضو مقيد في نقابة الصحفيين، بخلاف العاملين بعقود مؤقتة والعاملين بالقطعة لدى العديد من المواقع الصحفية والإعلامية.

يتصور البعض أن العمل لدى بعض المحطات أو المواقع الدولية يحقق أجورًا متميزة، ولكن انفجار أزمة العاملين في BBC مصر سنة 2023 أوضح أن هذه المواقع ليست استثناء. ومع تصاعد احتجاج العاملين في المحطة وتدخل نقابة الصحفيين، عرفنا أن أجور الصحفيين بالموقع تتراوح ما بين 250 و500 دولار، في الوقت الذي كان فيه الحد الأدنى للأجور 4500 جنيه وسعر صرف الدولار 15 جنيها. ونتج عن هذه الاحتجاجات رفع الأجور في المحطة بنسب تراوحت بين 75% و142%.

أما على مستوى الصحف المحلية، فرأينا احتجاجات الصحفيين في الوفد وصدى البلد والفجر والأسبوع والبوابة نيوز، وأن أجور الصحفيين لا تتعدى 2000 جنيه في بعض الحالات، في الوقت الذي يتراوح فيه الحد الأدنى للأجور ما بين 6000 و7000 جنيه وقتها، بما يؤكد أن الصحفيين كإحدى فئات المهنيين لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور الذي حددته الحكومة، وأن بعضهم يحصل على ثلث الحد الأدنى المقر. ما يجعل من مهنة الصحافة عبئا على أصحابها في ظل موجات الغلاء وارتفاع الأسعار.

رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

مأساة أجور المعلمين

توضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وجود 870.4 ألف عضو في نقابة المعلمين، وقد عانى المعلمون كثيرًا بالنسبة للأجور المتدنية وغير اللائقة، التي تشكل أحد مظاهر انهيار العملية التعليمية. ورغم التحسن الذي حدث نتيجة احتجاجات المعلمين، فإن الكادر الخاص ثبت أوضاع المعلمين وأجورهم. وقد صدر كادر المعلمين بالقانون رقم 155 لسنة 2007، المعدل بالقانون رقم 93 لسنة 2012. وقد تم تثبيت الأجر الأساسي للمعلمين واستثناؤهم من تطبيق قانون الخدمة المدنية ونظام الأجور والعلاوات السنوية الخاص به.

ويكفي أن نعرف أنه يوجد نظام معمول به في التعليم يسمى معلمي الحصة، حددت له الوزارة نصابًا أسبوعيًا لا يتجاوز 20 حصة، وقيمة الحصة 50 جنيهًا، بما يعادل حدًا أقصى 4000 جنيه في الشهر، في الوقت الذي بلغ فيه الحد الأدنى للأجور الآن 8000 جنيه، أي أن معلم الحصة لا يحصل سوى على نصف الحد الأدنى للأجور، وهذا هو المسؤول عن بناء الأجيال وصانع المستقبل.

إضافة إلى أن آلاف المعلمين لا يحصلون على ما يعادل الحد الأدنى للأجور، بما يعكس فداحة الخطر المرتبط بالعملية التعليمية في ظل تدني أجور المعلمين، إضافة إلى تآكل القيمة الحقيقية والقدرة الشرائية لأجور المعلمين مقابل معدلات التضخم المرتفعة.

وينطبق الوضع نفسه على أوضاع كثير من المهنيين، ومنهم 543 ألف مهندس زراعي و1.8 مليون تجاري و376.3 ألف محام. وبذلك تكون معاناة الطبقة الوسطى وتدهورها الاجتماعي إحدى الأزمات الكبرى التي نواجهها، والتي تؤدي إلى مزيد من الاختلالات الاجتماعية.

لقد ارتفعت معدلات التضخم بنسب كبيرة، وتجاوزت 40% عام 2023، إضافة إلى ارتفاع تكلفة مجموعة الطعام والشراب، وزيادة أسعار الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي وأنابيب البوتاجاز التي ارتفع سعرها من 8 جنيهات في 2014 إلى 275 جنيها في 2026، وكذلك أسعار المواصلات العامة من مترو أنفاق وقطارات. كما ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي من 7 جنيهات في 2014 إلى 50 جنيها في 2026، إضافة إلى فرض رسوم على التعليم والصحة العامة والخدمات التي كانت تقدم مجانًا، وتقليص عدد المقيدين في البطاقات التموينية مع التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، وتتويج ذلك بالقانون 164 لسنة 2025 الخاص بالإيجار القديم في المساكن، الذي أطاح بأحد حصون الاستقرار للطبقة الوسطى ورفع القيمة الإيجارية مع السماح بفسخ عقود الإيجار بعد سبع سنوات.

كل هذه المتغيرات تزيد من تدهور أوضاع الطبقة الوسطى، وخاصة المهنيين العاملين بأجر، وتآكل قيمة أجورهم وهبوطهم إلى ما تحت خط الفقر.

هذا جرس إنذار يدق ليحذرنا "انتبهوا أيها السادة"، فتآكل وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى خطر كبير على الاستقرار الاجتماعي في مصر. فهل تتحرك الحكومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الوقت؟ أم تنتظر حتى تقع الواقعة؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة