يواجه أكثر من 3000 عامل وعاملة بشركة النصر للغزل والنسيج والأصواف الممتازة بالإسكندرية "ستيا" أزمة حادة مع وقف تغطيتهم التأمينية الصحية، بعد أن توقفت الشركة القابضة للغزل والنسيج عن سداد حصتها لهيئة التأمين الصحي، مما أدى إلى تراكم مديونية تجاوزت 11 مليون جنيه، وذلك على الرغم من استمرار استقطاع اشتراكات التأمين من رواتب العمال.
وتُسلط هذه القضية الضوء على التحديات التي تواجه العمال في سياق عمليات إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، وتحديدًا في قطاع الغزل والنسيج المصري. ففي الوقت الذي يُفترض أن تهدف هذه العمليات إلى التطوير وتحسين الكفاءة، تظهر أزمة وقف التأمين الصحي لعمال "ستيا" كنموذج صارخ لتعريض الحقوق الأساسية للعمال للخطر، رغم الضمانات المفترضة. وهو أمر يفرض ضرورة تحليل أبعاد الأزمة، وتداعياتها، وتقييم مدى التزام الجهات المعنية بمسؤولياتها.
باعوا الأصول والتأمينات وقفت
كانت الشركة تملك مقرين؛ أحدهما في الحضرة والآخر في سموحة، وفق ما أفادت به نادية عزت إحدى العاملات بالشركة، في حديثها لـ فكر تاني. لكن هذين المقرين تعرضا للهدم وبُيعت الأصول منذ ثلاث سنوات، كما نُقلت تبعية العمال إداريًا إلى مجمع كفر الدوار للغزل والنسيج.
تقول نادية إنَّ بروتوكول نقل العمال إلى مجمع كفر الدوار كان من المفترض له أن يتضمن الحفاظ على مستحقاتهم لحين الانتهاء من تطوير المجمع ونقلهم ماليًا وإداريًا، وبدء التشغيل. وقد استمر هذا الوضع لمدة ثلاث سنوات، كان العمال يحصلون خلالها على كامل رواتبهم.
وبحسب إفادة نادية، فإنَّ الأزمة بدأت عندما توجه عدد من العمال إلى المستشفيات التي يتبعونها للحصول على العلاج؛ فكانت المفاجأة أنَّ هيئة التأمينات ترفض إجراء الفحوصات أو صرف العلاج، وبينما حاول الكثير منهم تجديد دفاتر تأميناتهم، رفض موظفو التأمين ذلك بحجة ارتفاع مديونية الشركة القابضة وعدم تسديدها لحصتهم من اشتراكات التأمين.
وتشير نادية إلى أنَّ دفتر التأمين، الذي يُجدَّد شهريًا، قد تم إيقافه اعتبارًا من شهر مايو بسبب عدم تسديد الشركة مديونياتها لصالح هيئة التأمينات، وأنَّه بعد تدخل النائبة مايسة عطوان ورئيس النقابة العامة للغزل والنسيج، كان من المفترض التوصل إلى اتفاق لمد التغطية التأمينية حتى نهاية شهر يونيو فقط، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن.
كما توقفت الشركة عن دفع حصة العاملين لصالح نادي التطبيقيين، على الرغم من استمرارها في استقطاع نسبة الاشتراكات من رواتبهم.
نادية، تعمل بالشركة منذ إحدى وعشرين سنة، تتحصل على راتب لا يتجاوز 5400 جنيه بعد خصم الاستقطاعات.
على أنقاض "ستيا".. "ضاعت حقوقنا"
توقفت أعمال "ستيا" منذ ثلاث سنوات، وباعت الشركة القابضة الأرض وأقامت منطقة سكنية مكان المصنع.
كان من المفترض أن تُستخدم حصيلة بيع الشقق السكنية المقامة على أنقاض المصنع في تسديد مديونيات الشركة لصالح شركات الكهرباء والغاز والتأمينات؛ إلا أنَّ هذا لم يحدث، وفقًا لما أفاد به العمال، الذين أرسلوا مناشدةً إلى رئيس مجلس الوزراء لحل الأزمة، مطالبين بتطبيق القانون الذي، وفقًا لهم، لا يمنع العمال من الاستفادة من التأمين الصحي في حال تعثر الشركة، لا سيما وأنَّ حصتهم من اشتراكات التأمين ما زالت تُستقطع من رواتبهم.
ووفق أحمد نصر الرئيس السابق للجنة النقابية بالشركة، فإنَّ الأزمة بدأت منذ ثلاث سنوات حين تراجع إنتاج الشركة وأصبح غير كافٍ لتغطية نفقاتها، بما في ذلك مرتبات العاملين. ونتيجة لذلك، تولت وزارة المالية صرف فروق المستحقات للعمال، قبل اتخاذ قرار الدمج في مجمع كفر الدوار، على أن تُباع الأرض بعد هدم المباني لسداد مديونيات الشركة للجهات الأخرى.
ويشير نصر، في حديثه لـ فكر تاني، إلى أنَّ هذه الأزمة لم تقتصر على عمال "ستيا" فحسب، بل شملت أيضًا عمال المجمع الذي يضم ست شركات أخرى بخلاف "ستيا".
ويؤكد نصر أنَّ العديد من الشركات التي تم دمجها لا يزال عمالها يتلقون العلاج ولم تتوقف تغطيتهم التأمينية الصحية، وذلك على النقيض من وضع عمال "ستيا"، وعلى الرغم من وجود مديونيات على تلك الشركات الأخرى، بما فيها شركة كفر الدوار ذاتها.
ويتساءل نصر، الذي يُعدّ هو نفسه أحد المتضررين من قرار وقف التأمين الصحي لعدم تمكنه من إجراء الفحوصات اللازمة، عن سبب استمرار الأزمة وعدم حلها حتى الآن، على الرغم من تدخل عدد من أعضاء مجلس النواب والمسؤولين. ويشدد على ضرورة معاملة عمال شركة "ستيا" أسوةً بباقي عمال المجمع.
وتقول نادية إنَّه على الرغم من تصفية عدد من شركات الغزل والنسيج قبل سنوات وصدور قرارات بدمجها في شركة "ستيا" (مثل الشركة الأهلية للغزل، والشرقية للكتان، وسباهي للغزل والنسيج "السيوف")، فإنَّ عمال تلك الشركات ما زالوا يحصلون على رواتبهم ويتلقون علاجهم من العيادات التي يتبعونها حتى الآن.
وتشير إلى ما يتعرض له عمال "ستيا" من سوء معاملة من جانب بعض الموظفين في مستشفى جمال عبد الناصر وعيادة ستانلي، لافتةً إلى أنَّ الأمر وصل إلى حد طردهم من تلك المستشفيات. بينما تتذكر واقعة محددة تتعلق بامتناع إحدى المستشفيات عن تقديم الخدمة الطبية لعامل يعاني من مشكلات في القلب ويستدعي وضعه الصحي المتدهور إجراء جراحة استكشافية عاجلة.
تضامن حزبي وحقوقي
بدوره، يصف هيثم الحريري، النائب السابق بالبرلمان، ما يحدث تجاه عمال شركة "ستيا" بأنَّه استمرار للظلم والتعسف، والذي جاء في أعقاب هدم مباني الشركة وبيع أصولها بحجة دمجها مع شركات أخرى عاملة في مجال الغزل والنسيج.

ويشدد الحريري، في حديثه لـ فكر تاني، على ضرورة أن تتولى الشركة القابضة للغزل والنسيج مسؤولية حل الأزمة، داعيًا أعضاء مجلس النواب الحاليين إلى تبني قضية العمال والتدخل لضمان حصولهم على أبسط حقوقهم، والمتمثلة في التأمين الصحي.
ويلفت في الوقت ذاته إلى أنَّ أرض الشركة قد بيعت وأقيمت عليها أبراج سكنية، وكان من المفترض استخدام تلك الأموال في تسديد مديونيات الشركة، وهو ما لم يحدث، متسائلًا في عن مصير هذه المبالغ التي تُقدَّر بالملايين.
وقد أعلن حزب العيش والحرية، عبر بيان نشره على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن تضامنه الكامل مع عاملات وعمال شركة "ستيا"، الذين وصف البيان وضعهم بأنَّه "بالغ القسوة".
وأكد الحزب في بيانه أنَّ ما يتعرض له العاملون في الشركة يمثل انتقاصًا واضحًا من حقوقهم الدستورية والقانونية في الرعاية الصحية، ويُخالف ما نص عليه القانون من أنَّ تعثُّر المنشأة أو وجود مديونية عليها لا يُبرر قطع العلاج التأميني.
وشدد البيان كذلك على أنَّ قرار "المأمورية" لا ينبغي أن يمس بأي شكل من الأشكال حقوق العمال، سواء في الأجر أو في العلاج. وفي ختام بيانه، طالب الحزب الجهات الحكومية المعنية، وعلى رأسها رئاسة مجلس الوزراء، وهيئة التأمين الصحي، ووزارة قطاع الأعمال العام، بالتدخل العاجل لحل هذه الأزمة بشكل جذري، وضمان عودة حق العمال في العلاج دون شروط أو مماطلة، إلى جانب ضمان الشفافية بشأن مستقبلهم المهني.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ شركة "ستيا" تأسست عام 1946 برأسمال قدره 30,000 جنيه مصري، تزايد حتى وصل إلى أكثر من 15.5 مليون جنيه مصري.
كما تشارك الشركة بنسبة 55% في رأسمال شركة "فستيا" للملابس الجاهزة.
وتتألف الشركة من عدة وحدات إنتاجية متخصصة، تشمل: وحدة غزل ونسيج وتجهيز الأقمشة الصوفية الممشطة، ووحدة غزل ونسيج وتجهيز الأقمشة القطنية، ووحدة غزل ونسيج وتجهيز الأقمشة الصوفية المسرحة، ووحدة غزل ونسيج وتجهيز البطاطين، ووحدة لنسيج وصباغة وتجهيز أقمشة التريكو، بالإضافة إلى وحدات لتفصيل الملابس الداخلية وملابس التريكو، والملايات والمفارش وفوط السفرة.

