يُقيد مشروع موازنة العام المالي 2025/ 2026 التعيينات الجديدة إلى أضيق الحدود، إذ يحظر إجراء أي تعاقدات جديدة وفقًا لأحكام قانون الخدمة المدنية، إلا في حالات الضرورة، وبموافقة رئيس مجلس الوزراء، لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، وذلك بناءً على عرض الوزير المختص.
تنص الموازنة الجديدة، التي ينظرها مجلس النواب حاليًا، على عدم إلحاق أي عمالة بالجهات الرسمية تحت أي مسمى، أيًا كان مصدر تمويلها، إلا بعد دراسة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ووزارة المالية، والحصول على موافقة رئيس مجلس الوزراء.
يأتي ذلك في وقت يشكو فيه كثير من العاملين في الجهات الحكومية من تزايد الأعباء الملقاة على عاتقهم، نتيجة انخفاض أعداد الموظفين بسبب الإحالة إلى التقاعد، وعدم وجود تعيينات جديدة تعوض هذا النقص في ظل توقف الدولة عن التعيين.
تراجع عدد العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام بنسبة 6.5%، ليصل إلى 620.1 ألف عامل خلال عام 2024، مقارنة بـ663.3 ألف عامل عام 2023، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ومع انخفاض أعداد موظفي القطاع العام، تبرز مشكلة تركز العمالة في قطاعات محددة؛ إذ يستحوذ قطاع الإسكان والتعمير وحده على نحو 34.4% من إجمالي العاملين، بعدد يبلغ نحو 213.1 ألف عامل، يليه قطاع الصناعة والبترول والثروة المعدنية بنسبة 20.4%، ثم قطاع الكهرباء بنسبة 18.6%.

توقف التعيينات.. هل تستمر السياسة؟
تراجع عدد العاملين في الجهاز الحكومي من 5.75 ملايين موظف في يونيو 2014 إلى نحو 4.43 ملايين خلال العام المالي 2023/ 2024، في اتجاه يتماشى مع استراتيجية التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)، التي تستهدف خفض العدد إلى 3.8 ملايين موظف بحلول عام 2030.
وأوضح وزير العمل محمد جبران أن وقف التعيينات ليس دائمًا، بل مؤقت ولمرحلة محددة، مشيرًا إلى أن التعيين أصبح وفق الاحتياج الفعلي، كما تجلّى في تعيين 30 ألف معلم. وأضاف أن الحكومة تعتمد على إحصاءات دقيقة وتتبنّى رؤية واضحة تسير بها على الطريق الصحيح في ما يخص ملف البطالة.
وأشار جبران إلى انخفاض معدل البطالة من 14% في عام 2014 إلى 6.1% حاليًا، بفضل المشروعات القومية الكبرى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، ومحطة الضبعة النووية، ورأس الحكمة، وغيرها من الاستثمارات التي استوعبت أعدادًا كبيرة من العمالة وساهمت في تقليص نسبة العاطلين.
وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد حمّل الأعداد الزائدة من الموظفين في القطاعين الحكومي والعام مسؤولية تفاقم الأعباء على الدولة، لافتًا إلى أن 70% من القوة الوظيفية الحالية تُعد فائضة عن الحاجة. واعتبر أن البيروقراطية تمثل تحديًا رئيسيًا في ظل وجود هيكل إداري متضخم تشكل على مدى العقود الخمسة أو الستة الماضية.
وشدد مدبولي على أن الدولة لا تحتاج فعليًا إلى أكثر من 30% من هيكلها الإداري الحالي، مؤكدًا أن الحكومة وضعت خطة متكاملة تهدف إلى رفع كفاءة العاملين، وتعزيز آليات الميكنة والتحول الرقمي، بما يقلل من التفاعل المباشر بين الموظف والمواطن، ويسهم في تسهيل الإجراءات وتقليص فرص الفساد.
تراجع مستمر للعاملين بالحكومة
تراجع عدد العاملين في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام في مصر بشكل متواصل، ليسجل انخفاضًا تجاوز 15% منذ عام 2017، في سياق تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي.
ورغم ذلك، نفت الحكومة في عام 2016 وجود أي شروط مفروضة من صندوق النقد للحصول على موافقته على البرنامج الإصلاحي، مؤكدة أنه لا صحة لما تردد آنذاك حول توصيات بتسريح مليوني موظف من الجهاز الإداري للدولة، ووصفت هذه الأنباء بأنها "عارية تمامًا من الصحة".
في إطار ترشيد النفقات، اعتمدت الحكومة سياسة المعاش المبكر كأداة لتقليص عدد الموظفين، إلى جانب حظر التعيينات نهائيًا على أبواب الموازنة المختلفة، وتقييد الإعلان عن الوظائف الحكومية.
وقد شهدت نسبة الموظفين إلى عدد السكان تحولات لافتة؛ ففي عام 1966 بلغ عدد الموظفين الحكوميين نحو 3.2% من إجمالي عدد السكان، بواقع موظف لكل 31 مواطنًا. وارتفعت النسبة بين عامي 1978 و2000 إلى ما بين 4.4% و8%، بحيث كان الموظف الواحد يخدم 23 مواطنًا فقط عام 1978، ثم تراجعت هذه النسبة عام 2000 إلى موظف لكل 13 مواطنًا.
بدأ هذا الاتجاه في الانخفاض منذ عام 2016، حين بلغت نسبة الموظفين إلى السكان 6.4%، ثم انخفضت إلى 5.5% في عام 2017، وهو ما يعني أن الموظف أصبح يخدم 18 مواطنًا. ووفقًا لاستراتيجية التنمية المستدامة "رؤية مصر 2030"، تستهدف الحكومة الوصول إلى معدل موظف حكومي واحد لكل 40 مواطنًا بحلول عام 2030.
هل الجهاز الحكومي مُتخم؟
رغم شيوع الانطباع بأن الجهاز الإداري في مصر يعاني من تضخم مفرط، فإن البيانات الرسمية تشير إلى خلاف ذلك؛ فقد انخفض عدد العاملين بالجهاز الحكومي تدريجيًا، لتتراجع نسبة الموظفين إلى إجمالي السكان إلى أدنى مستوياتها عام 2017، حيث بلغت 5.5%.
كذلك، تراجع عدد العاملين بالقطاع الحكومي كنسبة من قوة العمل إلى 17.2% في العام نفسه، في ظل جهود الدولة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري، ورفع كفاءته التشغيلية.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور علي محسن، الخبير في التنمية الإدارية، إلى أن واحدًا من كل خمسة موظفين يعمل في قطاع التعليم، وهو ما وصفه بأنه "رقم ضخم يعادل أحيانًا عدد سكان دولة صغيرة"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن هذا العدد لا يغطي احتياجات المجتمع، في ظل العجز القائم في أعداد المعلمين.
وأوضح محسن أن قطاع الصحة يعاني هو الآخر من نقص ملحوظ في أعداد الأطباء والتمريض ومقدمي الرعاية الصحية، مؤكدًا أن هؤلاء العاملين يُعدّون ضمن الجهاز الحكومي، متسائلًا: "إذا كنا بحاجة إلى تعزيز الكوادر في قطاعات التعليم والصحة والأوقاف، فكيف يمكننا تقليص عدد موظفي الدولة إلى الثلث تقريبًا؟".

التعيينات الجديدة هل تكفي؟
كشـف الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، عن تخصيص نحو 679.1 مليار جنيه لبند الأجور في مشروع موازنة العام المالي الجديد، بنسبة نمو سنوية بلغت 18.1%، مشيرًا إلى أن المشروع يوفّر الاعتمادات المالية اللازمة لتعيين أكثر من 75 ألف معلم، و30 ألف طبيب، إلى جانب 10 آلاف موظف في باقي قطاعات الدولة، بهدف دعم جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين.
وتأتي هذه التعيينات، لا سيما في قطاع الأطباء، في محاولة لمعالجة النقص الحاد في الكوادر الطبية، خاصةً في ظل سفر نحو 120 ألف طبيب مصري للعمل بالخارج من أصل 220 ألف طبيب مقيدين في جداول نقابة الأطباء.
وتُظهر بيانات النقابة أن 11 ألفًا و536 طبيبًا قدّموا استقالاتهم من العمل الحكومي بين عامي 2019 ومارس 2022 فقط، فيما تشير التقديرات إلى أن كل طبيب في مصر يخدم نحو 1162 مريضًا، مقارنةً بالمعدل العالمي المعتمد من منظمة الصحة العالمية، والذي يبلغ طبيبًا واحدًا لكل 434 شخصًا.

بحسب نقيب الأطباء، فإن 7 آلاف طبيب مصري شاب هاجروا للعمل في الخارج خلال عام واحد فقط، وذلك بسبب ضعف الرواتب وتدهور بيئة العمل في مصر، بالإضافة إلى عوامل الجذب المغرية في الخارج.
يري الدكتور صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن الأفضل للدولة هو الضبط المالي للإنفاق وليس التقشف المالي بمعنى وضع النفقات في مكانها الصحيح، بجانب تبني سياسة التدريب التحويلي للموظفين على رأس العمل، لخلخة الأماكن التي بها كثافات ونقلها للأماكن التي تعاني عجزًا.
يقول إن منطق الدولة من وقف التعيينات يستهد ضبط العلاقة بين بند الأجور في الموازنة العامة للدولة والإنتاجية في ضوء الخطط الحكومية وتعليمات صندوق النقد الدولي بخصوص ضبط الانفاق لكن بعض الجهات تعاني من ذلك كبعض الكليات لتي لم يتم فيها تعيين معيدين منذ 10 سنوات وهو أمر يؤثر على حركة العمل والإنتاجية.