كتبت - مروة شاهين
لم يدر بذهن المهندس البحري محمد راضي أن العقد الذي وقّعه بحثًا عن فرصة عمل جديدة سيكون الباب الذي يُلقي به في قبضة القراصنة، فبعد عامين فقط من زواجه، وبينما كانت ابنته البكر تستعد لإتمام عامها الأول، بدأ يبحث، مثل آلاف البحارة المصريين غيره، عن فرصة عمل تؤمن مستقبل أسرته، حتى تلقى عرضًا عبر سمسار متخصص في توظيف البحارة، للسفر إلى الإمارات والالتحاق بناقلة النفط "أم تي يوريكا"، وهي الرحلة التي ستكون لاحقًا "بداية" النهاية.
فبعد أيام من الإبحار، بدأت مخاوف محمد تتزايد، وبحسب رواية شقيقه، المهندس أحمد راضي، فإنه أخبره خلال اتصالات متكررة بأن السفينة تعبر خليج عدن والمياه المحاذية للسواحل الصومالية من دون فريق حماية مسلح أو وسائل ردع أمنية، رغم أن هذا الممر يُعد من أكثر الممرات البحرية عرضة لتهديدات القرصنة، ومع تصاعد قلقه، نصحه شقيقه بمغادرة السفينة عند أول ميناء آمن، لكن محمد رأى أن الانسحاب سيكلفه أكثر مما يستطيع تحمله، فبحسب شقيقه، كان قد دفع للسمسار ما يعادل راتب شهر كامل للحصول على الوظيفة، كما فهم من بنود العقد أن إنهاء التعاقد قبل موعده يعني خسارة راتب شهرين، وتحمل تكاليف السفر والعودة، إضافة إلى تكلفة استقدام بديل، ووجد محمد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما العودة مثقلًا بالخسائر، أو مواصلة رحلة بات مقتنعًا بأنها محفوفة بالمخاطر، فاختار الاستمرار.

في الـ30 من أبريل، أبلغ شقيقه باقتراب قوارب صغيرة من السفينة بصورة أثارت قلق الطاقم، وبعد يومين، في الـ2 من مايو، صعد مسلحون إلى متن "إم تي يوريكا" وسيطروا عليها، قبل اقتيادها إلى السواحل الصومالية، وعلى متنها 8 بحارة مصريين و5 هنود، لكن اختطاف السفينة لم يكن نهاية القصة، فلم يعد السؤال يقتصر على كيفية تنفيذ الهجوم، وإنما امتد إلى ما سبق الإبحار أصلًا.
هل وفر عقد العمل الذي وقعه البحارة الحد الأدنى من الحقوق والضمانات التي تكفلها الاتفاقيات البحرية الدولية قبل عبور أحد أخطر الممرات الملاحية في العالم؟
للإجابة عن هذا السؤال، حاولنا الحصول على نسخة من عقد محمد راضي، غير أن أسرته اعتذرت عن تسليمها خشية أن يؤثر ذلك على وضعه خلال فترة احتجازه، لذلك اعتمد التحقيق على تحليل عقد بحار مصري آخر يعمل في القطاع نفسه بوصفه نموذجًا للعقود المتداولة، مع التأكيد أنه لا يمثل العقد الذي وقعه محمد، ثم قارن بنوده بأحكام اتفاقية العمل البحري لعام 2006، وهي الاتفاقية الدولية التي تنظم حقوق البحارة وظروف عملهم على متن السفن التجارية.
ولفهم آلية حصول البحارة على هذه العقود، تواصلنا مع أحد السماسرة العاملين في مجال توفير فرص العمل للبحارة، الذي قبل التحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم نشر اسمه، قائلًا إن الحصول على عقود العمل لا يقتصر على مكاتب التوظيف، إذ يعمل عدد من الوسطاء بصورة مستقلة، ويتواصلون مع شركات ملاحة داخل مصر وخارجها لتوفير فرص عمل للبحارة، ويوضح أن العقد يُرسل إلكترونيًا إلى البحار، الذي يطّلع على بنوده قبل أن يقرر قبول العرض أو رفضه، ويضيف أن شروط العقد تختلف من شركة إلى أخرى، وأن للبحار، من الناحية النظرية، حرية الموافقة على الرحلة أو رفضها قبل توقيع العقد، كما يحصل السمسار، في المعتاد، على عمولة تعادل راتب شهر واحد من البحار، وتنتهي مسؤوليته بمجرد توقيع العقد وإتمام إجراءات التعاقد، ويقتصر دوره على الربط بين البحار والشركة، ولا يمتد إلى شرح بنود العقد أو تقديم استشارات قانونية بشأنه، معتبرًا أن مسؤولية قراءة العقد وفهم التزاماته واتخاذ قرار القبول أو الرفض تقع على عاتق البحار وحده.
غير أن ما تكشفه وقائع تحقيقنا تثير تساؤلًا أوسع، هل تكفي حرية الموافقة الشكلية على العقد إذا كان البحار لا يمتلك المعرفة القانونية الكافية لتقييم بنوده، أو يجد نفسه مدفوعًا بظروفه الاقتصادية لقبولها؟
ضمانات الاتفاقيات الدولية
أظهرت مراجعة العقد أن بعض الشركات تحتفظ بحق تحديد خط سير الرحلة ومدتها، وتمنح نفسها صلاحية نقل البحارة بين السفن أو تغيير وظيفته عند الحاجة، ولا تحظر اتفاقية العمل البحري لعام 2006 مثل هذه البنود، لكنها تشترط أن تكون شروط التعاقد واضحة، وألا يترتب عليها تغيير جوهري في ظروف العمل أو انتقاص من الحقوق التي وافق عليها البحار، كما تضمّن العقد شروطًا تُحمل البحار أعباءً مالية إذا أنهى التعاقد قبل انتهاء مدته، من بينها تكاليف السفر، واستقدام بديل، وخصومات أخرى، وتنص القاعدتان 2.1 و2.5 من اتفاقية العمل البحري على أن يكون العقد مكتوبًا وواضحًا، وأن يطّلع البحار على حقوقه والتزاماته قبل التوقيع، مع تنظيم حقه في الإعادة إلى وطنه ومنع تحميله تكاليفها في الحالات التي تغطيها الاتفاقية، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى توافق بعض الشروط الجزائية مع الضمانات الدولية.

ولم يتضمن العقد أي نص كذلك يلزم الشركة بإبلاغ البحار مسبقًا بعبور منطقة مرتفعة المخاطر أو يوضح التدابير الأمنية المقررة لحماية الطاقم، رغم أن القاعدة 4.3 من اتفاقية العمل البحري تُلزم أصحاب السفن بتوفير بيئة عمل آمنة وتقييم المخاطر واتخاذ التدابير اللازمة للحد منها، كما تُلزم اتفاقية السلامة الدولية لأرواح البحر (SOLAS)، وهي المرجع الدولي الأساسي لمعايير سلامة السفن والملاحة البحرية، إلى جانب مدونة الإدارة الدولية للسلامة (ISM Code)، شركات تشغيل السفن بوضع نظام لإدارة المخاطر وتقييمًا لها، وضمان التشغيل الآمن للسفن، ووضع خطط لحماية السفينة وطاقمها، خصوصًا عند الإبحار في مناطق معروفة بارتفاع مخاطر القرصنة، ولم يجد التحقيق في العقد أي إشارة إلى الضمانات التأمينية أو حقوق البحار إذا تعرض لاحتجاز أو حادث أمني أثناء العمل، وهي أمور ترتبط بالتزامات الرعاية والحماية التي تقررها الاتفاقيات البحرية الدولية.
ورغم ما تكشفه بنود العقد، فإن تقييم مدى التزام الشركات بهذه القواعد لا يتوقف على النصوص وحدها، وإنما يشمل كيفية تنفيذ الرحلة، والإجراءات الأمنية التي اتخذتها قبل دخول المنطقة عالية الخطورة، لذلك عرض التحقيق العقد على المستشار محمود صعيدي، المتخصص في القانون البحري، لمعرفة مدى توافقه مع الاتفاقيات الدولية والقانون الواجب التطبيق.
هل تتوافق بنود العقد مع القانون البحري الدولي؟
يرى المستشار محمود صعيدي أن اتفاقية العمل البحري لا تمنح البحار حقًا مطلقًا في رفض الإبحار إلى أي منطقة خطرة، لكنها تجيز إنهاء التعاقد أو الإعادة إلى الوطن عند وجود خطر استثنائي، مثل التوجه إلى منطقة حرب أو حدوث تغيير جوهري يهدد سلامة الطاقم، استنادًا إلى المعيار A2.5.1 والمبدأ التوجيهي B2.5.1، وفي حالة السفينة المخطوفة، يشير صعيدي إلى أن "إم تي يوريكا" ترفع علم دولة توجو، التي صدّقت على الاتفاقية عام 2012، وينظم قانونها البحري حالات إعادة البحار إلى وطنه دون تحميله النفقات في ظروف محددة، منها مناطق الحرب.
ويؤكد صعيدي أن تحميل البحار تلقائيًا تكاليف العودة أو استقدام بديل أو خصم راتبين لمجرد إنهاء التعاقد لا يستند، في حد ذاته، إلى نص مباشر في الاتفاقية، وإنما يخضع للقانون الوطني وإثبات وجود إخلال تعاقدي وضرر فعلي، كما أن إلزام البحار بتحمل "جميع الأضرار" لا يمنح صاحب العمل حقًا مطلقًا في فرض التعويضات أو اقتطاع الأموال دون سند قانوني، ويخلص إلى أن هذه البنود لا تثبت بمفردها مخالفة قانونية، لكنها تثير تساؤلات حول كيفية تطبيقها إذا قرر البحار الانسحاب بسبب مخاطر أمنية، وهو ما يجعل تقييم المسؤولية مرتبطًا أيضًا بما إذا كانت الشركة قد أجرت تقييمًا للمخاطر، وأبلغت البحارة بطبيعة الرحلة، ووفرت التدابير الأمنية اللازمة لعبور منطقة تُعد من أكثر الممرات البحرية خطورة.
هل أمكن تجنب المخاطر؟
يرى المهندس وائل قدورة، الخبير الملاحي، أن حادث اختطاف السفينة "إم تي يوريكا" لا يمكن تفسيره من خلال بنود العقد وحدها، وإنما يجب النظر إليه في ضوء قواعد التشغيل البحري وإدارة المخاطر في المناطق المصنفة عالية الخطورة، فعبور السفن التجارية لخليج عدن وبالقرب من السواحل الصومالية يفرض على شركات التشغيل تطبيق إجراءات أمنية معروفة دوليًا، تبدأ بتقييم مستوى المخاطر قبل الإبحار، وتمر بإبلاغ أفراد الطاقم بطبيعة الرحلة، وتنتهي باتخاذ تدابير الحماية المناسبة وفقًا لنوع السفينة ومسارها، ويضيف أن الاتفاقيات البحرية الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية العمل البحري، واتفاقية سلامة الأرواح في البحار، ومدونة الإدارة الدولية للسلامة، وضعت إطارًا واضحًا لحماية البحارة، إلا أن فعالية هذه المنظومة تعتمد في النهاية على مدى التزام شركات التشغيل بتطبيقها على أرض الواقع.
ويقول قدورة إن "البحار يتحمل أيضًا مسؤولية معرفة حقوقه قبل التوقيع على عقد العمل، والاطلاع على خط سير السفينة وطبيعة الرحلة، وعدم الاكتفاء بقراءة البنود المالية فقط"، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن العلاقة التعاقدية ليست متكافئة دائمًا، إذ تدفع الحاجة إلى العمل بعض البحارة إلى قبول شروط قد لا تمنحهم الحد الأدنى من الضمانات أو لا توضح لهم طبيعة المخاطر التي قد يواجهونها، ويختتم حديثه بالتأكيد على أن المشكلة لا تكمن في نقص القواعد المنظمة للنقل البحري، وإنما في مدى الالتزام بتطبيقها، معتبرًا أن الالتزام بإجراءات تقييم المخاطر والإدارة الآمنة للرحلات يمثل خط الدفاع الأول لحماية البحارة، خاصة في المناطق التي تشهد تهديدات متكررة بعمليات القرصنة.
من هنا انتقل التحقيق إلى مراجعة البيانات البحرية المفتوحة، لمعرفة ما إذا كانت المعلومات المتاحة عن السفينة ومسارها تعكس مؤشرات كان يمكن رصدها قبل وقوع الاختطاف.

ماذا كشفت البيانات المفتوحة عن السفينة "إم تي يوريكا"؟
تكشف البيانات البحرية المفتوحة ما جرى فعليًا خلال الرحلة، إذ اعتمد التحقيق على تتبع مسار السفينة عبر نظام التعريف الآلي (AIS)، وهو نظام يبث موقع السفينة ومسارها وبياناتها أثناء الإبحار من خلال منصة MarineTraffic، إلى جانب مراجعة بيانات التسجيل والإدارة في قاعدة بيانات Equasis، وهي منصة دولية توفر معلومات عن ملكية السفن وإدارتها وسجلها الرقابي، وربطها بشهادات ذوي البحارة والوثائق التي حصل عليها التحقيق.
أظهرت البيانات، التي حصلنا عليها من خلال البحث باسم السفينة (EUREKA) على موقع MarineTraffic، أن ناقلة المنتجات النفطية "إم تي يوريكا" تحمل رقم التعريف البحري الدولي IMO 1022823، وهو الرقم الذي استخدمناه للتحقق من بياناتها في قاعدة Equasis، باعتبار أن رقم الـIMO هو المعرف الثابت للسفينة الذي لا يتغير حتى لو تغيّر اسمها أو علمها أو مالكها.
وكشفت بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) عبر منصة MarineTraffic أن ناقلة النفط "إم تي يوريكا" غادرت ميناء الفجيرة بالإمارات في 24 مارس 2026 في الساعة 03:43 صباحًا، قبل أن ينقطع بث إشاراتها لاحقًا في أثناء عبورها خليج عدن متجهة إلى ميناء بوصاصو في الصومال بعد سيطرة القراصنة عليها، وهي منطقة تصنفها المنظمة البحرية الدولية (IMO) ضمن الممرات البحرية عالية الخطورة، كما أظهرت بيانات AIS أن آخر موقع معروف للسفينة كان عند الإحداثيات 13.9646 شمالًا و48.3549 شرقًا، بعدما واصلت بث إشاراتها حتى نهاية 30 أبريل 2026، قبل أن ينقطع الاتصال بها، وهو ما يتوافق مع روايات أهالي البحارة عن اقتراب قوارب صغيرة من السفينة قبل يومين من السيطرة عليها في 2 مايو.
ولا تثبت هذه البيانات، بمفردها، واقعة الاختطاف، لكنها توثق موقع السفينة قبل فقدان الاتصال، وتدعم التسلسل الزمني الذي توصل إليه البحث، كما كشفت مراجعة Equasis أن ملكية السفينة وإدارتها التجارية انتقلتا في يوليو 2024 إلى شركة Royal Shipping Lines Inc المسجلة في المنطقة الحرة بالحمرية في إمارة الشارقة، التي ظهرت بصفتها المالك المسجل والمدير التجاري في الوقت نفسه، وفي المقابل، لم يظهر في السجل اسم الجهة المسؤولة عن تطبيق مدونة الإدارة الدولية للسلامة (ISM Code)، إذ أدرجت خانة ISM Manager تحت مسمى "Unknown" وقت مراجعتنا له، بما يعني أن بيانات الجهة المسؤولة عن نظام الإدارة الآمنة لم تكن متاحة في السجل المنشور.
غير أن هذه البيانات الفنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتقييم مدى كفاية الإجراءات التي اتخذتها الشركة خلال الرحلة، لذلك عرضنا نتائج التحليل على خبير ملاحي، لتقييمها من منظور تشغيلي، قبل الانتقال إلى تحليل أثر دولة العلم ونظام أعلام الملاءمة.
عندما تصبح دولة العلم جزءًا من القصة
لم تكشف مراجعة البيانات عن مسار السفينة وملكيتها فقط، وإنما قادت التحقيق إلى عنصر آخر لا يقل أهمية، هو دولة العلم التي كانت ترفع السفينة رايتها، وتُظهر بيانات Equasis أن "إم تي يوريكا" كانت ترفع علم دولة توجو وقت اختطافها، رغم أن الشركة المالكة مسجلة في دولة أخرى، ويُعرف هذا النظام باسم أعلام الملاءمة (Flags of Convenience)، ويتيح لمالكي السفن تسجيلها في دول غير دولتهم الأصلية مقابل رسوم وإجراءات تنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى.
ولا يُعد التسجيل تحت علم الملاءمة مخالفة في حد ذاته، إذ تسمح به الاتفاقيات البحرية الدولية وتستخدمه آلاف السفن التجارية حول العالم، لكن مراجعة السجل التاريخي للسفينة أظهرت أنها غيّرت اسمها وعلمها وملكيتها 3 مرات خلال أقل من عام، قبل أن تستقر تحت اسم "إم تي يوريكا" وعلم توجو في يوليو 2024، وهو نمط يجعل تتبع تاريخ السفينة وتقييم التزامها المتراكم بمعايير السلامة أكثر تعقيدًا.
وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واتفاقية العمل البحري لعام 2006 (MLC)، تتحمل دولة العلم مسؤولية الرقابة على السفن المسجلة لديها، والتأكد من امتثالها لمعايير السلامة وأمن الملاحة وظروف عمل البحارة، وإجراء عمليات التفتيش وإصدار الشهادات اللازمة، وأظهرت مراجعة تقارير رقابة دولة الميناء أن علم توجو مدرج على القائمة السوداء في Paris MoU وTokyo MoU، كما يخضع لرقابة إضافية في تقييمات خفر السواحل الأمريكي (US Coast Guard).
ولا يعني هذا التصنيف أن "إم تي يوريكا" كانت غير صالحة للإبحار أو أن علمها كان سببًا في اختطافها، لكنه يعكس مستوى أداء دولة العلم في أنظمة الرقابة الدولية، ويجعل السفن التي ترفع هذا العلم أكثر عرضة للتفتيش في بعض المواني، ويرى المستشار محمود صعيدي أن مسؤولية دولة العلم لا تقتصر على منح السفينة حق رفع علمها، وإنما تمتد إلى متابعة التزامها بالاتفاقيات الدولية، والتأكد من تطبيق متطلبات السلامة وإجراء عمليات التفتيش الدوري.
وفي المقابل، يؤكد خبراء النقل البحري أن تقييم المسؤولية في مثل هذه الحوادث لا يمكن أن يستند إلى دولة العلم وحدها، وإنما يتطلب النظر إلى منظومة التشغيل بأكملها، بما يشمل مالك السفينة، وشركة الإدارة، وخطط إدارة المخاطر، والإجراءات الأمنية التي سبقت الإبحار، وبذلك تكشف حالة "إم تي يوريكا" أن حماية البحارة لا تعتمد على عقد العمل أو شركة التشغيل وحدهما، وإنما على منظومة رقابية وتشغيلية متكاملة تتقاسم فيها المسؤولية دولة العلم، والمالك، والمشغل، والجهات الرقابية.
هل تكشف حادثة "إم تي يوريكا" نمطًا يتكرر في البحر الأحمر وخليج عدن؟
لم تكن "إم تي يوريكا" السفينة الوحيدة التي تعرضت لهجوم في أثناء عبورها الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث أعلنت المنظمة البحرية الدولية (IMO) في بيان صدر عنها بتاريخ 6 يوليو 2026، أن 44 بحارًا ما زالوا محتجزين على متن 3 سفن مختطفة هي "إم تي هونر 25"، و"يوريكا"، و"سوارد"، بعد تعرضها لهجمات منفصلة بين أبريل ومايو قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن، كما أكدت المنظمة أنها سجلت، خلال الأشهر الـ3 السابقة على نشر التقرير، 24 حادثة قرصنة وسطو مسلح، بين محاولات وحوادث فعلية، ضد السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، في مؤشر على استمرار تصاعد التهديدات الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
ورغم اختلاف ملابسات كل حادثة، فإن مراجعة الوقائع والبيانات تكشف عناصر مشتركة، أبرزها عبور السفن مناطق بحرية عالية الخطورة، واعتماد سلامة الرحلات على دقة تقييم المخاطر، وفاعلية الإجراءات الأمنية، والتزام شركات التشغيل بتطبيق أفضل الممارسات الأمنية، إلى جانب التزام دول العلم بالمعايير الدولية.
ولا يعني هذا التشابه أن جميع الحوادث تعود إلى الأسباب نفسها أو أن مسؤولية أي واقعة تقع على طرف واحد، لكنه يبرز أن وجود الاتفاقيات الدولية وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه تقييم شامل للمخاطر واتخاذ إجراءات حماية فعالة قبل عبور المناطق عالية الخطورة، وهو ما شددت عليه المنظمة البحرية الدولية في بيانها، داعية ملاك السفن ومشغليها إلى تطبيق أفضل الممارسات الأمنية لحماية أطقم السفن، ولم يثبت بحثنا أن اختطاف ناقلة النفط "إم تي يوريكا" كان نتيجة مخالفة قانونية بعينها، لكنه كشف تساؤلات بشأن مدى كفاية الضمانات التي يحصل عليها البحارة قبل الإبحار في الممرات البحرية عالية الخطورة، ويبقى السؤال، هل يحصل البحارة المصريون على المعلومات والضمانات الكافية لاتخاذ قرار واعٍ قبل الإبحار؟
يرى المهندس وائل قدورة، الخبير الملاحي، أن مثل هذه الحوادث تنتهي غالبًا بأحد مسارين، إما التوصل إلى اتفاق يقضي بدفع الفدية التي يطالب بها القراصنة، أو اكتفاء القراصنة بالاستيلاء على السفينة أو حمولتها قبل إطلاق سراح أفراد الطاقم، وحتى يتحقق أحد هذين المسارين، تبقى أسر محمد راضي ورفاقه في انتظار عودتهم، لتظل قصتهم هي جوهر هذا التحقيق، بينما كانت الأدوات الرقمية مجرد وسيلة ساعدت في تتبع الحقيقة وكشف تفاصيلها.
-
أنتج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية.
-
استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل، وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر، وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّته.