ينشغل المجتمع القانوني في العالم بموضوع المحاكمة عن بعد عن طريق الإنترنت، ففي حين يرى جانب من خبراء وفقهاء القانون أن استخدام تكنولوجيا الاتصالات في المحاكمة الجنائية يمثل خطرًا كبيرًا على العدالة، يرى جانب آخر أنها تمثل تطور مهم ومفيد للعدالة خاصة الحق في العدالة الناجزة "الوقت المناسب".
ويتفرع الجدل ليضم السياسيين وعلماء النفس وخبراء تكنولوجيا الاتصالات إلى القانونيين، ويدور الجدل الحاد حاليًا حول تساؤل جوهري: هل يمكن الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة عن بعد؟ أم على المجتمع القانوني أن يبحث عن معايير جديدة للعدالة تتوافق مع تطور وسائل الاتصال الحديثة؟.
إجابة هذا السؤال صعبة بكل تأكيد، فالعدالة الجنائية تتعلق مباشرة بحق الإنسان في الحياة والحرية، فالخطأ في المحاكمة الجنائية لا يمكن إصلاحه ولا تعويضه بالمال، كما تتميز المحاكمة الجنائية عن المحاكم المختصة بالنزاعات المدنية والتجارية، بأن الخصم الأساسي للمتهم هو الدولة بكل ما تملكه من سلطة وإمكانيات، ولا يملك المتهم في مواجهة هذا الخصم القوي سوي ضمانات المحاكمة العادلة التي تمكنه من إثبات براءته، وهي ضمانات مستقرة في الضمير الإنساني عبر تاريخ القانون الحديث.

ما هي المحاكمة عن بعد؟
إن المحاكمة عن بُعد تعنى بتنفيذ الإجراءات التي يفرضها القانون خلال مراحل التحقيق والمحاكمة باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، حيث يمكن استجواب المتهم وسماع الشهود وسماع دفاع المحامي وغيرها من إجراءات في أماكن مختلفة عبر الاتصال المرئي والمسموع.
وبدأت فكرة المحاكمة عن بعد لحماية الشهود ضد عصابات المافيا من الانتقام، ثم انتقلت هذه الفكرة بعد ذلك إلى نظم قانونية في المحاكمات الكبيرة مثل عصابات التهريب الدولية والمنظمات الإرهابية، وحصرت تلك القوانين الأمر في سماع الشهود والخبراء فقط، وفي حالات خاصة جدًا يمكن سماع المتهم من السجن.
اقرأ أيضًا:ليلى سويف.. أسطورة سيدة مصرية
وباء الكورونا
جاء وباء كورونا ليفرض على الأنظمة القانونية واقعًا استثنائيًا يحتاج لحلول استثنائية، فلجأت أغلب دول العالم لاستمرار المحاكمات الجنائية عن بعد خاصة الإجراءات التي تفرض مواعيد ملزمة، وأنتشر الأمر بشكل سريع علي مستوي العالم، وبادرت الحكومات بإصدار قوانين أو قرارات تنظم المحاكمة عن بعد خلال فترة الوباء، ولم يختلف الوضع بالنسبة لمصر حيث صدر قرار وزير العدل رقم 8901 لسنة 2021، لنظر جلسات تجديد الحبس عن بعد.
رأت أغلب الحكومات أن المحاكمة عن بعد خلال فترة الوباء توفر على الدول مبالغ كبيرة مثل تكاليف نقل المتهمين وحراستهم، بالإضافة إلى توفير كثير من الوقت، ما يبشر بحل إشكالية تراكم القضايا التي تؤرق القضاء الجنائي، وسارعت العديد الدول الأوربية من بينها فرنسا -التي كانت متحفظة بهذا الشأن- إلى تقنين بعض إجراءات المحاكمة عن بعد، وأيضًا فعلت عديد من الدول العربية في مقدمتها الإمارات والسعودية.
علي الجانب الأخر رصد المراقبون كثير من الإشكاليات القانونية والتقنية التي حدثت خلال محاكمات تمت عن بعد، منها صعوبات واجهت المحامين مثل عدم تمكنهم من الانفراد بالمتهمين لتوجيه نصائحهم خلال مراحل المحاكمة، وصعوبة متابعة سماع الشهود ومناقشتهم وعدم القدرة على التحدث عن قرب مع القاضي.
وحاولت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان أن تضع معايير وشروط لصحة المحاكمة عن بعد، حيث قررت في حكم شهير أن اللجوء للمحاكمة عن بعد يجب أن يخدم هدفًا مشروعًا، وأن يتفق مع الإجراءات الجنائية، وأن يكون المتهم قادرًا على متابعة الإجراءات وضمان الاتصال السري الفعال بين المحامي والمتهم، كما اشترطت المحكمة موافقة أطراف الدعوى خاصةً المتهم والضحية، وأن تتوافر تقنيات اتصال حديثة وجيدة، فيما اقتصر الأمر على سماع الشهود والخبراء فقط.
اقرأ أيضًا:العدالة في إيجارات المساكن
ماذا فعل المشرع المصري؟
للإجابة على هذا السؤال علينا محاولة تقييم تجربة مصر في تنفيذ إجراءات تجديد الحبس عن بعد، وهي التجربة المستمرة حتى الآن رغم انتهاء الوباء.
رصدت بعض المنظمات الحقوقية بمصر المشكلات والصعوبات التي حدثت خلال جلسات تجديد الحبس منها، تأجيل بعض الجلسات بسبب تعطل الاتصال، وهو ما يعني قانونًا بُطلان استمرار حبس المتهمين لعدم التجديد في الميعاد القانوني الملزم طبقًا للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، وقد تكرر تعطل الاتصال في العديد من الجلسات ما كان يستوجب إخلاء سبيل المتهمين، وهو ما لم يحدث.
كما رصد العديد من المحامين وعدد المنظمات الحقوقية عديد من المخالفات الإجرائية الجسيمة منها عدم إثبات حضور المحامين، وصعوبة التأكد من رفض المتهمين حضور الجلسات وعدم السماح بالمرافعة الشفهية، بالإضافة إلى مشكلات عدم وضوح الصوت وعدم القدرة على التواصل بين المحامي والمتهم.

ورغم ذلك فقد رأت الحكومة المصرية ومجلس النواب أولولية لتقنين كل إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بعد، وليس تجديد الحبس أو سماع الشهود فقط في مشروع قانون الإجراءات الجنائية الذي أوشك علي الصدور، وذلك في المواد من 525 إلى 532.
وأقر مشروع القانون المطروح، مفهوم الحضور الافتراضي وأجاز تنفيذ كل الإجراءات عن بعد، والغريب هنا أن المشروع لم يتضمن آليات تنفيذ ذلك فيما يخص التمسك بضمانات المحاكمة العادلة، وجاءت الأحكام عامة دون تفاصيل رغم أن للموضوع جوانب فنية وتقنية عديدة، ومن الأحكام العجيبة أيضًا وجود المحامي برفقة المتهم خلال المحاكمة عن بعد ما يعني تواجد أن يقوم المحامي بعمله من داخل السجن، وهو أمر دستوري بالفعل لكنه مستحيل التطبيق عمليًا.
لا شك عندي في أن التطور التكنولوجي سوف يفرض نفسه علي القضاء مستقبلاً، لكن الأمر ليس مستقرًا حتى في النظم القانونية المتقدمة، خاصة أن الدراسات النفسية والتقنية ما زالت لم تحسم الكثير من الأمور مثل كيفية التواصل السري بين المحامي والمتهم، ومدي إمكانية سماع الشهود دون رؤية الملامح والتفاعلات النفسية بوضوح.
الأهم أننا في مصر نعاني من ضعف التقنيات الاتصالات وصعوبة التواصل عبر الانترنت والعديد من المشكلات الفنية الأخرى، خاصة في المحاكمات التي تضم عدد كبير من المتهمين، ولذلك أتمني أن يتمهل مجلس النواب قليلًا في هذ الموضوع بالتحديد، فالعدالة في خطر حقيقي وليس افتراضيًا.