صدر حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية ثبات قيمة إيجار المساكن الخاضعة للقانون 136 لسنة 1981، وهو الحكم الذي لقي ترحيب واسع من ملاك المساكن والبرلمانيين وغيرهم، والحقيقة أن هذا الحكم ليس مفاجئا وكان متوقعا في سياق التحولات المنهجية في المنظومة القانونية المصرية من الدور الاجتماعي للقانون إلي الليبرالية الجديدة وتقديس الملكية الخاصة.
وقد سبق وتناولت هنا الإشكاليات القانونية لأزمة إيجار المساكن في مصر أكثر من مرة، ومع تقديري للأسباب الموضوعية التي يستند إليها المطالبين بالتحرير الكامل لإيجارات المساكن وخضوعها للعرض والطلب طبقا للقانون المدني.
لكني أعيد التأكيد علي أن الطريق الذي نسير عليه لن يؤدي لاستقرار السكن كحق إنساني وكالتزام علي الدولة، وأن خضوع السكن للعرض والطلب دون ضوابط ومراعاة للطرف الأضعف وهو المستأجر سوف تزيد أزمة السكن في مصر تعقيدا، كما ستمثل تكلفة السكن ضغطا كبيرة علي دخول المستأجرين في مصر في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة علي الفقراء والطبقة الوسطي.
هل نحتاج لقانون جديد للإيجارات؟
بالطبع نحتاج لقانون إيجارات جديد للخروج من حالة الفوضى القانونية الحالية الناتجة عن تعدد القوانين، لكن السكن قضية اجتماعية بالأساس، وهي قضية في غاية الحساسية ويجب التعامل معها بحرص وبدراسة متأنية لتحديد أهداف هذا القانون.
فالقانون المدني الذي ينظم الإيجار علي أساس قانون العرض والطلب، يفترض حالة نموذجية تتساوي فيها إرادة المالك والمستأجر، وهذه الحالة غير واقعية علي الإطلاق فالواقع أننا نواجه أزمة سكن صعبة ومعقدة وارتفاع مستمر في تكلفة السكن من قيمة الإيجار وتكلفة الكهرباء والماء والغاز والنظافة.

وحتي بالنسبة للمساكن الخاضعة للقانون القديم أي قبل 2006، والبالغ عددها في أقل التقديرات 3 مليون وحدة سكنية يسكنها أكثر من 3.5 مليون أسرة تقريبا، أي ما يقارب 15 مليون نسمة تقريبا، هذا العدد الكبير من المواطنين يحتاج لقدر من الحماية في ظل الارتفاع غير المسبوق في تكلفة السكن، بالإضافة لحالة القلق النفسي من فقد الأمن الذي يوفره حيازة المسكن، لذلك فالسؤال الأهم هنا كيف نعد قانون جيد لإيجار المساكن، ولكن قبل ذلك علينا أن نحدد أولا المفهوم القانوني للسكن.
ما هو السكن؟
السكن حق أصيل من حقوق الإنسان، وهو من الحقوق الطبيعية المعترف بها علي الأقل منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد أصبح حق إنساني بالمعنى القانوني بعد صدور العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي الاتفاقية التي صدقت عليها مصر ونُشرت في الجريدة الرسمية بالقرار الجمهوري 537 لسنة 1981.
وبالتالي أصبح جزء من القانون المصري، فالقانون المصري يقر بالسكن كحق من حقوق الإنسان، وبالتالي فالسكن ليس سلعة تخضع للعرض والطلب، لكن للأسف فالرؤية الحالية التي تتبناها مؤسسات الدولة وخاصة مجلس النواب ترى السكن سلعة وأن تحرير علاقات السكن هو الحل السحري لأزمة السكن.
كيف نعد القانون المناسب للإيجارات؟
طبقا لحكم المحكمة الدستورية الأخير، أصبح مجلس النواب مطالب بإصدار قانون يرفع قيمة إيجار المساكن الخاضعة للقانون 136 لسنة 1981، وأعتقد أن هذا ما سيقوم به البرلمان سريعا لتنفيذ حكم الدستورية، لكن هذا القانون المتوقع لن يضيف جديد للواقع سوي رفع قيمة إيجار تلك المساكن دون التدخل في جوهر العلاقة التعاقدية، وهذا الأمر مقبول حاليا خاصة بالنسبة لتلك المساكن بالتحديد حيث دفع سكانها مبالغ كبيرة كمقدمات للإيجار.

لكن نظل في حاجة إلي قانون جديد للإيجارات يساهم في معالجة أزمة السكن المركبة في مصر، ويجب أن يرتكز هذا القانون على فلسفة اجتماعية تهدف للاستقرار الاجتماعي.
كما يجب أن يلتزم المشرع بالمحددات الأساسية للحق في السكن المناسب، وهي القدرة على تحمل التكلفة والتي يقدرها الخبراء الماليون بنسبة 30 % من دخل الأسرة، ويشمل ذلك الإيجار أو قسط التمليك أو الرهن العقاري، وتكلفة الغاز والكهرباء والمياه والإنترنت.
وعلى المشرع وضع سقف لقيمة الإيجار لا يجوز تجاوزه، ويتم تحديد هذا السقف بحسب معايير محددة مثل قيمة البناء ومكانه ومساحته، كما يجب الأخذ في الاعتبار الارتفاع المستمر في تكاليف عناصر السكن الأخرى.
ويجب أن يضمن القانون استقرار حيازة المستأجر للمسكن لفترة زمنية معقولة فالسكن يهدف للاستقرار وليس للتنقل الدوري من مكان لآخر، وقبل كل ذلك يجب دراسة حالة السكن في مصر بدقة وسماع خبراء السكن في مصر.
