الأحد, يناير 18, 2026
spot_img

مونيكا حنا: إرثنا الحضاري مُعرض للدمار.. ومطبخنا المحلي “مهدور حقه” (حوار)

جمعهما “مستقبل علم المصريات”؛ هو مترجمًا باحثًا خبيرًا في مجاله، وهي كاتبة تعرف قيمة اللغة التي تمتزج فيها الحجارة بالحكايات، ثم جمعهما حوار أدارته فكّر تاني مرة أخرى، ليناقش أحمد سمير سنطاوي مع الدكتورة مونيكا حنا، وهي أحد أبرز الأصوات المدافعة عن التراث المصري، الحاصلة على بكالوريوس وماجستير في علم المصريات من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والدكتوراه في علم الآثار من جامعة بيزا الإيطالية، أبرز القضايا المتعلقة بالحفاظ على التراث المصري، وأهم الصعوبات التي تواجهه، وسُبل تعزيز جهود استعادة التراث المصري والحفاظ عليه.

مونيكا التي قادها شغفها العميق بالتراث إلى إطلاق حملات بارزة لاستعادة القطع الأثرية المصرية المهربة، مثل رأس نفرتيتي وحجر رشيد، لا تشغل نفسها حاليًا بشيء أهم من ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية لمصر، مستغلةً في ذلك منصب عميدة كلية الآثار والتراث الحضاري في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري الذي تشغله. بينما يأتي كتابها “مستقبل علم المصريات” بمثابة دعوة جريئة لإعادة النظر في منهجية دراسة الآثار المصرية، وتسليط الضوء على أهمية ربط الماضي بالحاضر.

إلى نص الحوار..

الباحث أحمد سمير سنطاوي مع الدكتورة مونيكا حنا في حوار لـ فكّر تاني -تصوير إسلام يحيى

الاشتباك

  • لماذا كان من المهم ترجمة الكتاب إلى العربية؟ فقد كُتب بالإنجليزية ليستهدف الأوساط الأكاديمية وتحقق هذا الهدف، فما الدافع وراء ترجمته؟

لطالما كنت أرى أن لدينا مشكلة رئيسية، وهي عدم إتاحة الماضي للمصريين، وهذه إحدى الإشكاليات التي يناقشها الكتاب. إذا لم أنشره بالعربية، فأنا بذلك أكرّس هذا الانفصال بين المصريين وتاريخهم. حتى قبل أن تتواصل معي دار ديوان لنشره بالعربية، كنت أخطط لترجمته بنفسي وإتاحته على الإنترنت للجميع.

  • ما الهدف من الاشتباك مع المجال العام؟ فأنتِ موجودة في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي كما تشاركين في النقاشات العامة، وهي سمات ليست منتشرة بين الأكاديميين إلا قليلًا.

علياء مسلم أيضًا تحاول، وهناك آخرون، لكن الاشتباك مع الإعلام ليس أمرًا سهلًا. فعندما أتلقى طلبًا للمشاركة في البرامج التلفزيونية، لا أقبل بأي عرض، بالطبع لن أظهر مثلًا مع أحمد موسى، لكن إذا كان البرنامج يعده أشخاص على دراية بالمجال ويستطيعون تقديم نقاش علمي رصين، فقد أوافق على المشاركة. عمومًا، من بين كل عشرة أو خمسة عشر دعوة إعلامية، أقبل واحدة فقط.

الاشتباك عموما ليس سهلاً بالنسبة لي، فأنا بطبيعتي شخص يحب العزلة، ويفضل الجلوس في المكتبة والقراءة دون التواصل مع الآخرين، لكنني أدركت أن الاشتباك مع المجتمع هو الطريقة الوحيدة لحل المشكلات، فبقاء القضايا حبيسة الأوساط الأكاديمية يعني أنها لن تجد طريقًا للتغيير، والحل يشبه التعامل مع الجرح المتقيح، يجب فتحه لتنظيفه، وهذا الانفتاح هو ما سيخلق سياسات جديدة ويغير الواقع السائد.

  • إذن، هو الخروج من المكتبة؟

نعم، الخروج من المكتبة، أو من القوقعة، أو من فاترينة المتحف، يمكن أن نسميه الهروب من فاترينة المتحف.

اقرأ أيضًا:ناهد نصر: شغوفة بفهم الناس.. أحيانًا النساء يقفن عقبة في طريق قريناتهن.. المرأة تتجاوز قضاياها وتقدم رؤيتها للعالم (حوار)

  • كيف بدأت فكرة الكتاب؟

قصة الكتاب بدأت بمصادفة غريبة، فقد تلقيت في الوقت نفسه طلبين منفصلين، أحدهما من توم كلايتون -محرر الكتاب الإنجليزي- الذي طلب مني تقديم مقترح لكتاب حول مستقبل علم المصريات، والآخر من أولاف كاپر، أستاذ علم المصريات في جامعة ليدن، الذي دعاني لإلقاء الكلمة الافتتاحية حول مستقبل مصر القديمة في كونجرس علم المصريات بليدن، وهو أهم مؤتمر عالمي في هذا المجال، يعقد كل أربع سنوات.
ربما رأى كلاهما أنه بسبب اشتباكي مع القضايا المعاصرة لعلم المصريات، أو لأنني أنتمي إلى جيل يقع بين الأجيال المخضرمة من فطاحل علم المصريات، والأجيال الشابة التي ما زالت في بداية طريقها، ربما كنتُ الشخص الأنسب لمناقشة أين نحن؟ وإلى أين سنذهب؟

كتاب علم المصريات -تصميم الغلاف مينا ناصر


وبالفعل ألقيت كلمتي في المؤتمر، بحضور شخصيات بارزة مثل الدكتور مصطفى وزيري والدكتورة علا العجيزي. كنتُ آخر المتحدثين، ولدهشتي، استمر تصفيق الحضور لمدة خمس دقائق، أعتقد أن السبب هو أنني لم أتردد في الحديث بصراحة، فوجهت انتقادًا للعلماء الغربيين بشأن الأخطاء التي ارتكبوها في التعامل مع علم المصريات، وفي الوقت ذاته لم أخف من مواجهة المسؤولين المصريين، بل أشرت إلى استمرار هذه الأخطاء بأشكال أخرى.

كنت واضحة، لكن بأسلوب أكاديمي، دون توجيه اتهامات مباشرة، بل عبر التحليل العلمي. بعد ذلك، جاءني العديد من العلماء من دول مختلفة أمريكا وفرنسا وإيطاليا، ليشكروني، كنت بالنسبة لهم أشبه بمن يدخل غرفة مظلمة مليئة بالغبار والفوضى، فيشغل مكنسة كهربائية لتنظيفها، ويكشف لهم شكل الأشياء الحقيقي، هذا التفاعل شجعني على البدء في كتابة هذا الكتاب.

  • في رأيك، ما هي مشكلات “علم المصريات”؟

بدأت أبحاثي في دار الوثائق منذ عام 2008، وعندما أجريت دراستي حول استرداد رأس نفرتيتي، ساعدني كثيرًا الدكتور خالد فهمي في قراءة الوثائق، وخلال البحث قرأت كل الوثائق التي أشرت إليها في القسم الأول من الكتاب.

استفزني آخر كتاب نشرته مكتبة الجامعة الأمريكية حول تاريخ علم المصريات، فالفصل المخصص لعلماء المصريات المصريين لم يكتبه مصريون! بل كتبته الدكتورة سليمة إكرام، وهي باكستانية، بالمشاركة مع باحث آخر، وقد كُتب بأسلوب غربي خالص، دون أي نقد أو مراجعة لما حدث، مع أن هناك علماء مثل دونالد مالكوم ريد، الذي كتب في الثمانينات مقالًا لاذعًا عن محاولات الغرب المستمرة لتهميش وتقزيم علماء المصريات المصريين، بالإضافة إلى ذلك، كنت أتابع كيف أن بعض علماء المصريات الغربيين يتجاهلون المعايير العلمية من أجل الحفاظ على مصالحهم في مصر.

كل هذا جعلني أرى المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا، وفي الوقت نفسه، يتعرض إرثنا الحضاري للدمار بسبب مشاريع التنمية غير المدروسة، كما حدث في موقع المطرية الأثري الذي انتهى تمامًا. 

  • وماذا عن تدمير موقع المعادي أيضًا؟

طالما استمرت هذه الإشكالية سيستمر تدمير مواقعنا الأثرية، ﻷن رجل الشارع العادي الذي قد يصبح يومًا ما رئيس مجلس محلي وقد يترقى ليصبح محافظًا أو وزيرًا، لا يفهم أهمية موقع المعادي أو المطرية، لا يرى فيها سوى أنتيكات يمكن بيعها،  بنفس الذهنية التي كانت سائدة عند علماء المصريات في القرن التاسع عشر، هذه هي الإشكالية بوضوح.
ولكي نحافظ على هذه الآثار حية ونحميها من الاندثار بسبب السرقة أو غيره لابد أن يتفاعل علم المصريات مع المصريين بشكل أفضل، كلنا تقريبا تلقينا رسالة “تعال يا محمد أبوك لقى كنز مش لاقيين حد يصرفه”، هذا هو تفكيرنا في الآثار، عندما يفكر المصريون في الآثار لا يستحضرون كتاب الموتى أو الاعترافات الإنكارية وإنما في قطعة آثار يمكن بيعها، تقريبًا كل سائق ركبت معه ذكر شيئًا مشابها عندما يعرف أنني عالمة مصريات.

وأرى أن الإعلام الرسمي يرسّخ لفكرة أن الآثار هي قطع من الذهب يمكن بيعها وجني الأموال، وذلك عبر تركيزه على الاكتشافات الذهبية والكنوز المدفونة والمقبرة التي تفتح ﻷول مرة، بدلًا من تسليط الضوء على المعرفة التي يمكن استخراجها من المواقع الأثرية، المعرفة هي الكنز الأهم، وأنا دائمًا ما أقول لطلابي: “المعرفة أثمن من الذهب”، فقيمة المعرفة المكتسبة من الموقع الأثري أهم بكثير من القطع التي تستخرج منه، هذه الإشكاليات هي ما جعلني أكتب هذا الكتاب.

إشكاليات وفرص

  • كيف يمكن تمويل الأبحاث الأثرية دون الاعتماد على الأجانب، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟

ناديت عبر الكتاب بتجاوز الماضي الاستعماري عبر منح المصريين دورًا أوسع في علم المصريات، وتقليل الاعتماد على البعثات الأجنبية، فهناك ضرورة أن يكون المواطن المصري محور التركيز في السياحة، وليس السائح الأجنبي فقط. لكن في الواقع الأجانب هم من يملكون المال.

وما أطرحه ليس تجاهل الأجانب، وإنما إتاحة الموقع الأثري للجميع، المصري والأجنبي، فتوفير مواصلات آدمية وبنية تحتية تسمح للمصري بأن يزور المتاحف والمواقع الأثرية بسهولة، سيستفيد الأجنبي أيضًا، لأن حرية الحركة للسياح أصبحت اليوم أمرًا أساسيًا.

النموذج الذي نعتمده حاليًا، والذي يقوم على تجميع السياح الأجانب في حافلات سياحية ضخمة، هو نموذج لم يعد مستخدمًا في العالم. الدول التي نجحت في تنشيط السياحة الأثرية فعلت ذلك عبر تسهيل وصول الجميع، وليس فقط عبر تخصيص خدمات حصرية للأجانب.

الدكتورة مونيكا حنا في حوارها مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيى
  • ألا يقلل هذا من عائدات السياحة بالنسبة للدولة؟

لا، على العكس. سيظل السائح يدفع ثمن تذكرة الدخول إلى المواقع الأثرية، كما سيستخدم وسائل النقل العامة التي تعود إيراداتها إلى الدولة، وسيعيش في فندق يدفع ضرائب للدولة، المشكلة أن النظام الحالي هو ما تعرفه الدولة، لكن تغييره لتوسيع الفئات التي تزور المواقع الأثرية يعني زيادة الدخل السياحي بشكل عام، وليس العكس.

على سبيل المثال، عندما زرت أسوان، لم تكن هناك أي وسيلة نقل عامة تصل إلى معبد فيلة، وللذهاب إليه ينبغي استئجار سيارة خاصة، مؤخرًا أصبحت هناك ميكروباصات تذهب إلى قرية شيشة فتوصل الزائر إلى أول الطريق، ما سمح لبعض الناس باستخدام المواصلات لزيارة المعبد، لكن هذا ليس وضعًا مستداما، نحن بحاجة إلى السائح الرحالة الذي يحمل حقيبة على ظهره ويأتي هو وصديقته أو اثنين من أصدقائه ويستطيعون بسهولة الوصول بشكل مستقل إلى المواقع دون الحاجة للشركات السياحية.

اقرأ أيضًا:منصورة عز الدين: على الكاتبات أن يتحررن من التمييز.. والذكاء الاصطناعي لا يُشكل خطرًا فالكتابة ابنة التجربة الإنسانية (حوار)

  • ما تعليقك على إيرادتنا من السياحة مقارنةً بالدول الأوروبية ودول الخليج، نُحقق أرقامًا أقل بكثير من دول أخرى ربما تكون أقل منا في قيمة الوجهات السياحية؟

دعك من أوروبا، أو حتى دول الخليج، هذه دول ثرية، سأحكي لك عن كمبوديا ﻷنني عملت في موقع “أنجكور وات” هناك، وهو مجمع معابد يقع في قرية أو ربما مدينة صغيرة يزورها تقريبا نفس عدد السياح الذين يأتون للأقصر، فيها ثمانية أو أحد عشر معبدًا بوذيًا رائعي الجمال.
حول أنجكور قرى وسكان، ولم يكن فيها سياحة حتى قامت اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي -UNDP بعمل برامج متعددة بالمشاركة مع المجتمع المحلي لإدارة المواقع الأثرية، وإنشاء أماكن إقامة بسيطة للسياح “Eco-lodges” إلى جانب الفنادق المتاحة، لكن مع الحفاظ على الشكل البسيط للمكان، فأنا كنت أتنقل هناك بسهولة باستخدام التوك توك، وهو وسيلة التنقل للسياح، دون الحاجة إلى أتوبيسات.

الظرف الأمني والظرف الديني

  • ودون الحاجة إلى سيارة شرطة لمرافقة الوفد السياحي

للأسف الظرف الأمني في مصر أصعب من أماكن أخرى، وهناك مشاكل، لكن بعض هذه المشاكل تأتي من القرى والأماكن الأكثر فقرًا، هذه الأماكن يمكن رفع مستواها الثقافي والاقتصادي عبر مشاريع تنموية باستخدام الآثار والتراث في هذه القرى، وهو ما سوف يقلل المخاطر الأمنية التي تخشاها الدولة.

  •  ألا يبدو هذا مثاليا بعض الشيء؟ فهناك قرى كاملة ومدن معتمدة على السياحة لكنها ترى أن “السياحة حرام”.

لا أظن أن هذا مازال موجودًا بشكل كبير، في النوبة لم ألاحظ هذا وأنا أعمل هناك منذ ثماني أو تسع سنوات، ولا في أسوان ولا في البر الغربي في الأقصر، والبر الغربي يعيش على السياحة، في المنيا يتمنون أن تفتح المدينة للسياحة.

هناك قرى مثل ملوي وأبوقرقاص كان فيها إرهاب التسعينات، وهذا يجعلها في نظري أكثر مكان يحتاج إلى فتحه للسياحة، وإذا كان هناك قلق على السياحة الأجنبية فمن الممكن فتحها أولًا للسياحة المصرية، وعندما ينفتح على الآخر من بلده سيستطيع الانفتاح على الآخر من خارج البلد. 

  • هل تؤدي هذه الإتاحة المفرطة عبر المواصلات العامة للجمهور إلى تدمير المواقع الأثرية بسبب كثافة الزوار؟ 

هذه مسؤولية وزارة الآثار، فعليها أن تضع خططًا لإدارة المواقع بطريقة تحافظ عليها، مع ضمان سهولة الوصول إليها. في الحقيقة، إغلاق المواقع وعدم فتحها للزيارة هو ما يؤدي إلى تدميرها، لأن المواقع المهجورة تصبح عرضة للإهمال والسرقة، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب.
أما عندما يكون الموقع مفتوحًا للجمهور، يكون هناك مشرفون، وحراس، ومفتشون أثريون، ما يضمن حماية الموقع بشكل أفضل. كما أن المجتمع المحلي نفسه يصبح أكثر وعيًا بأهمية هذه المواقع، ما يجعله جزءًا من عملية حمايتها.

تفاعل المصريين مع الآثار هو ما يحميها، وفي نفس الوقت هذا التفاعل لا يجب أن يكون بالشكل الذي يقوم به “الكمايتة”، فهذا شكل متطرف للغاية يحاكي الهوس الأوروبي الاستعماري بمصر القديمة.

  • وفي رأيك أليس هو نفس التخوف من “الأفروسنتريزم”؟

الأفروسنتريزم مجرد مرآة للخطر الأوروبي، فبسبب الدعاية الاستعمارية التي اعتبرت أفريقيا بلا ثقافة ولا حضارة ولا تراث، سوى مصر القديمة وربما أكسوم في إثيوبيا، ما جعل هناك أفارقة كثيرين يتمسكون بمصر، وهذا فكر قاصر جدًا جاء من تصور محدود عن الحضارة أنها مرتبطة حصريًا بالكتابة، لكننا الآن طورنا مفهومنا للحضارة ولا نتوقف في دراستنا عند الكتابة وحدها، خصوصًا في دراسة مصر القديمة.

أرى أن خوفنا من الأفروسنتريزم قادم من أننا لم ننتج معرفة عن ماضينا، وإنما ننتظر الرجل الأبيض ليكتب عنا ويقول لنا: إن كليوباترا كانت بيضا زي القشطة، لكننا لم ننتج نحن المعرفة، ﻷننا نفتقد أدوات هذا الإنتاج المعرفي، ولو أننا كأكاديميا مصرية وشعب مصري لدينا معرفة حقيقية ومتماسكة عن تراثنا، فسنكتشف أن موضوع الأفروسنتريزم شديد التفاهة.

الانغلاق الأكاديمي مقابل التنمية الثقافية

  • في رأيك، ما هي التحديات التي يواجهها واقعنا الأكاديمي، خاصة في علم المصريات؟

لدينا أكاديميون ممتازون، لكن للأسف، كثير منهم يضطرون إلى مغادرة مصر لأن الجامعات المصرية لا تستوعبهم ولا توفر لهم فرصًا بحثية كافية. لو فتحت المساحة الأكاديمية وصارت هناك ميزانية مخصصة من الدولة للبعثات الأثرية المصرية، للأكاديميين المصرين وليس لموظفي وزارة الآثار، فيكون بمقدوري كأستاذ في جامعة القاهرة أن أقود بعثة تدفع لها الدولة خمسة ملايين جنيه كل ستة أشهر لكان الوضع مختلفًا تمامًا. 

  • تعتقدي إن مثل هذا الخيال يمكن تحقيقه؟

ممكن طبعًا، أريد فقط أن أشير إلى حجم المبالغ التي تستثمرها إسرائيل في مصلحة الآثار هناك، وهناك كتاب رائع لنادية أبو الحاج وهي أستاذة من أصل فلسطيني في جامعة كولومبيا بعنوان “Facts on the Ground أو حقائق على الأرض” تشرح فيه كيف بَنَت إسرائيل عقيدتها السياسية والثقافية على الحفائر، وكيف يستغلون الآثار وتفسيرها لشرعنة وجودهم.

 

الدكتورة مونيكا حنا في حوارها مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيى

فإذا كانت الجارة التي ليس لها تاريخ قادرة على إنفاق مثل هذه المبالغ لتبني تاريخًا على تاريخ الآخرين، فنحن قادرون على ذلك. لديهم أيضًا واحدة من أكبر قواعد البيانات للنقوش الصخرية في المنطقة، بينما نحن في مصر لا نقوم بتوثيق مواقعنا الأثرية بنفس الدرجة من الدقة.

  • كيف يمكن لبعض المواقع التي تكلمنا عنها أن تنفق على نفسها دون حاجة لتمويل من الدولة؟

المشكلة باﻷساس أن علم المصريات منغلق على نفسه ومحصور بدراسة اللغة بشكل تقليدي، دون الانفتاح على العالم، يمكن ذلك عندما نعمل على حفائر في موقع ما أو نتعاون مع الهيئات الدولية لتنمية القرى المحيطة بالموقع.
على سبيل المثال، إذا كنت سأعمل في تونة الجبل في أبو قرقاص في ملوي بمحافظة المنيا، سأقوم بالحفائر واستخراج الاكتشافات لكن إلى جانب ذلك سأقوم بإدارة الموقع ليكون منفتحًا على الناس، عبر إنشاء مدرسة متحفية يزورها طلاب المدارس وطلاب كلية الفنون الجميلة وكلية الآثار في المنيا ليعملوا في الموقع ويتحول إلى مركز ثقافي.

وهناك مثلًا بيت طه حسين، يمكن عمل ندوات ثقافية وتعريفية فيه ومحاضرات للجمهور، بدلًا من تحوله إلى مكتب يضم موظفين، بل وأستدعي وزارتي التجارة والصناعة ليحسنوا الحرف اليدوية ويعلموا سيدات القرى صناعة مشغولات بأشكال معينة، وتسويق منتجات المكان مثل الجبنة الملواني العظيمة و”العيش البتاو” والعسل الأسود. 

  • كيف تعتقدين أن مطبخنا المحلي “مهدور حقه” ولا يحظى بالاهتمام المُستحق؟

هذا حقيقي، هناك مجهودات جيدة يقوم بها متحف الحضارة عبر توثيق المطبخ المصري، لكن هذا عمل نخبوي، ما أتحدث عنه أن يذهب الناس إلى ملوي ليأكلوا من مطبخ ملوي.

  • هل يحقق هدف الخروج من مركزية القاهرة؟

بالضبط، فعندما أنظم فعالية في متحف الحضارة سيحضرها خمسة أو ستة أو حتى 70 شخصًا، لابد أن نخرج عن مركزية القاهرة والأقصر وأسوان، لابد أن يكون هناك متحف في كل مكان، قرى الدلتا فيها صان الحجر تانيس وفيها أشياء رائعة، المشكلة أنك إذا ذهبت إلى الزقازيق إلى تل بسطة سيسألونك: “جاي تعمل إيه هنا؟”.

ما أتحدث عنه أن تصير ملوي مكانًا مهمًا على الخريطة السياحية، وضع في حسبانك أن ملوي فيها أكبر نسبة من العنف الطائفي في مصر، عندما تفتحها بهذا الشكل تتيح للناس مساحة عامة مدنية يتفاعلون فيها ويتعرفون فيها على الآخر بدلًا من انحصارهم في الجامع والكنيسة.

وفي الوقت نفسه يمكن إتاحتها للسياح، وهذا السائح سيحتاج إلى مطاعم وفنادق أو حتى سيستأجر بيتًا في القرية، وسيكون مستمتعًا بالتجربة، هذا ما أتحدث عنه أن يخرج علم المصريات من كونه مدرسة لغوية تاريخية إلى الاهتمام بالصناعات الثقافية في القرى الصغيرة، هذان مساران لابد أن يرتبطا ببعضهما البعض.

اقرأ أيضًا:التشكيلية سلوى رشاد.. “البحث عن معنى” في المشاعر والأحلام والمخاوف (حوار)

تغيير الفكر

هل يمكن طرح سياسات جديدة ﻹدارة التراث؟

أولًا، يجب ألا ننظر إلى الآثار باعتبارها مجرد تاريخ يدرسه عالم الآثار لينشر عنها كتابًا قد يُقرأ وقد لا يُقرأ، يجب أيضًا أن يكون للمواقع الأثرية والمعرفة الناتجة عنها دور قوي جدًا في التنمية المجتمعية والاقتصادية، لابد أن تربط النقش الهيروغليفي بأكل العيش، إيجاد علاقة قوية بين الاثنين هو ما يحافظ على القطع الأثرية، الناس هم من سيحافظ على الآثار وليس الدولة.

ولكي يتحقق هذا، فنحن بحاجة إلى سياسة ﻹدارة التراث، تتجاوز حدود قانون الآثار ولائحته التنفيذية، يكون فيها المجلس الأعلى للآثار والمتاحف والجامعات ووزارة التجارة والصناعة والبحث العلمي ومراكز الشباب والمراكز الثقافية، كل الأطراف ينبغي أن تكون حاضرة، المشكلة أن الناس تظن أن علم الآثار هو شخص يمسك بعدسة ليفحص بردية وهو مرتدي قبعة عجيبة وانتهينا، هذا ينبغي أن يتغير، هذا هو مستقبل علم المصريات، وإلا ستندثر الآثار وتتحول إلى أشياء يشاهدها الأجانب ﻷن المجتمع لا يتفاعل معها. 

  • أشرتِ في كتابك أن الحاضر يمكن أن يلعب دورًا في فهم الماضي، كيف يمكن تحقيق ذلك؟

صحيح، فالحكايات الموجودة في القرى والتراث الشعبي وحكايات الجن والنداهة والخضر وكل هذه الأشياء لها تراث قديم. في الصعيد حتى اليوم يقول المشايخ للشخص الذي يعاني من مشكلة: “نام تحت شجرة هتحلم وتيجي أفسرلك الحلم”، هذا شبيه بما كان يحدث في مصر القديمة، حيث كان الناس ينامون تحت شجرة الجميز المقدسة ويطلبون التوجيه الروحي.

الباحث أحمد سمير سنطاوي مع الدكتورة مونيكا حنا وحوار لـ فكّر تاني -تصوير إسلام يحيى

العلوم أم الآداب؟

  • هل هناك توجه بانسحاب الدولة من المجال الثقافي والتركيز على القطاعات المربحة اقتصاديًا؟

هذا التوجه ليس مقتصرًا على مصر، بل ينتشر في العالم كله توجهًا ﻹغلاق كليات الآداب، ومنذ عشرة سنوات كان التركيز على مدارس “STEM -العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات”، وغاب الاهتمام بالفنون والآداب، ثم اكتشفوا أن التركيز على العلوم والرياضيات يخرِّج طالب برمجة لا يعرف كيف يصمم واجهة موقع يتفاعل معه الناس، لعجزه عن التعامل مع البشر، الأمر الذي أدى إلى تغيير فلسفة مدارس STEM لتصبح STEAM حيث أضافوا إليها الآداب، ﻷنهم وجدوا أن الطلاب يعجزون عن التفكير الإبداعي في غياب هذا المكون.

  • أشرت في الكتاب إلى دور طه حسين في علم المصريات ورأيه أن دور الدولة الأهم هو دعم تعليم الآداب ﻷنها ضرورية للتفكير ورؤية مسار للمستقبل.

الآداب هي التي تقدم معنى وسياقًا للعلوم، وعلم المصريات غني جدًا، ليس فقط فيما يتعلق بالماضي، بل إن لدينا اليوم ما نسميه “The Museums for the Future أو متاحف من أجل المستقبل، وهو أن المتحف أو الموقع الأثري يلهمنا للتفكير في المستقبل.

وهناك ما نسميه بالتفكير الجانبي “Lateral Thinking”، كأن أشاهد شخصًا من الماضي استطاع حل مشكلة قديمة سأستطيع التفكير في حلول مختلفة لمشاكلي الحالية، هذا التواصل الذهني والملهم يوسع المدارك، والآداب تعلم شيئًا ضروريًا هو التفكير النقدي، والعالم لا يتطور دون تفكير نقدي، أن نستطيع تحليل مشاكلنا وطرقنا وتحسينها، ربما نحن في ظروف سياسية لا تتيح ذلك، ولكن مفيش حل غير كده.

اقرأ أيضًا:رولا عادل رشوان:التقليل من شأن الأعمال النسائية سببًا في غياب ترجماتها من الروسية.. الذكاء الاصطناعي بعيد عن الإبداع (حوار)

مستقبل علم المصريات والتحديات القادمة

  • هل أنتِ متفائلة بمستقبل علم المصريات؟ هل هناك أمل؟

بطبيعتي، أنا شخص متفائل، وكتابة هذا الكتاب كانت جزءًا من محاولتي للحفاظ على الأمل في إمكانية التغيير، فأي تغيير يبدأ بالنقاش، بفتح الحوار، وبإتاحة مساحة للتفكير النقدي. هذا الكتاب ليس محاولة لقول “الكلمة الأخيرة”، بل هو محاولة لفتح الباب أمام نقاشات أخرى، أمام رؤى جديدة، وهناك اقتباس أحبه كثيرًا لميشيل فوكو يقول: “لم أكتب هذا الكتاب لكي تكون كلمتي هي الأخيرة، بل كتبته لكي يصبح من الممكن أن تُكتب كتب أخرى”، وهذا هو ما أتمناه لمستقبل علم المصريات: أن يكون مجالًا مفتوحًا للنقاش، وللأفكار الجديدة، ولإعادة التفكير في كيفية ارتباط المصريين بتراثهم.

من دون ذلك ستندثر الآثار وتفقد معناها، والمواقع الأثرية دليل، ففي 2011 كان لدينا 126 موقعًا أثريًا في الشرقية، أريد أن أسأل وزارة الآثار اليوم: كم موقعًا تبقى منها؟ ﻷن الناس في الشرقية غير مهتمة، لا تتفاعل مع هذا الموقع، ربما في الأقصر ستبقى المواقع ﻷنها مفتوحة للسياحة.

ففتح الأماكن للزيارة وللعمل والبحث والمجتمع هو ما يحافظ عليها، للأجيال القادمة. وظيفة عالم الآثار ألا يكتفي بدراسة اللغة والنقوش، بل وظيفته الأهم ضمان وصول هذا التراث للأجيال القادمة. 

التعليقات

موضوعات ذات صلة