في وقت أكد عالم الآثار وزير الدولة للآثار الأسبق، الدكتور زاهي حواس، على ضرورة استمرار الجهود الحكومية لاستعادة الآثار المصرية المسروقة والمهربة للخارج، في ندوة على هامش معرض القاهرة للكتاب، أشار في حديث لمنصة "فكر تاني"، إلى أزمة تواجه تحركه العملي (حملة توقيعات شعبية) لاستعادة بعض تلك القطع المهمة وعلى رأسها حجر رشيد ورأس نفرتيتي، حيث تم جمع توقيعات حوالي 200 ألف مواطن مِصريّ فقط، في حين أن المطلوب حوالي مليون توقيع؛ من أجل الضغط المطلوب لاستعادة هذه القطع من الخارج.
وفق التصريحات الرسمية، بلغ عدد القطع المستردة خلال الفترة (2011 -2021) نحو 29 ألف قطعة أثرية من أصل حوالي مليون قطعةٍ أثريّةٍ متواجدة بأربعين متحفًا حول العالم مثبتة بأوراق رسمية.
ما جدوى حملة توقيعات استرداد الآثار؟

تعرضت مصر لنوعين من تهريب الآثار خارج البلاد؛ بطرق شرعية عبر إهداءات رسمية، وأخرى غير رسمية؛ وفق أحمد الطيبي وكيل لجنة الآثار بمجلس النوّاب، الذي أشار -في حديثه لـ "فكّر تاني"- إلى أزمة في بعض القطع الأثرية المهمة كحجر رشيد، والقبة السماوية، ورأس نفرتيتي، بسبب اتفاقية اليونسكو للعام 1971؛ التي تعترف بأحقية ملكية المتاحف العالمية لتلك القطع.
ويدفع "الطيبي" بأن النقوش المُدوّنة على هذه القطع الأثرية باللغة الهيروغليفية القديمة، من الممكن استخدامها، كونها شهاداتٍ رسميّةٍ مُوثّقة تثبت انتماء هذه القطع لمصر. ومن هنا تكمن أهمية حملات التوقيع الشعبية للضغط في سبيل استرداد الآثار المصرية.
ويقول إنه على الرغم من أن جمع التوقيعات لن يساهم بشكل رئيسي في استرجاع هذه القطع الأثرية المهمة إلى أرض الوطن، لكنه يحدث ضجة كبيرة وصخب إعلامي من أجل استعادة آثارنا المهربة والمسروقة منذ سنوات طويلة.

وهو ما يتفق معه د. أحمد بدران، أستاذ الآثار المصريّة بجامعة القاهرة. يقول لمنصة" فكّر تاني": "لدينا العديد من القطع الفرعونيّة الفريدة حول العالم؛ منها رأس نفرتيتي في برلين التي سلبها (بورخارت) العالم الألمانيّ، بادّعاء صنعها من الجبس الأبيض وليس الحجر الجيريّ؛ حتى يتمكّن من ترحيلها إلى ألمانيا، حيث كان القانون يّحرّم سرقة الآثار المصريّة المصنوعة من الحجر الجيريّ آنذاك، والقُّبة السماويّة في متحف اللوفر بباريس، وتمثال "حِم ايونو" -مهندس الهرم الأكبر خوفو- في متحف هيلدز تايم بألمانيا، وتمثال المهندس المصري "عنخ حا إف" بمتحف بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية".
ويشير إلى تابوت الكاهن "عنخ إن ماعت" -التابوت الأخضر- الذي تمكنت مصر من استعادته في 2022 بعد تحقيق استغرق عدة سنوات.
تهريب الآثار من الشرعية إلى التجريم
يُقدّم "بدران" إحصائيّةً تقديريّةً للآثار المصرية المسروقة والمُهرّبة حول العالم. فيقول: "لدينا حوالي 100 ألف قطعة أثرية بالمتحف البريطانيّ، و20 ألف قطعة أثرية بمتحف تورين في إيطاليا، إضافةً إلى حوالي 196 لوحة أثرية، وأكثر من 35 مسلةً فرعونيّة".
ويشرح قائلًا: "قبل صدور القانون رقم 117 للعام 1983، كانت الآثار تغادر مصر بكل أريحيّةٍ وبطرق عدة، وكان التجار يبيعون القطع الأثرية النادرة بالبازارات ويحصلون عليها بالتنقيب والحفر؛ مما ساهم في تهريب وبيع الآثار المصريّة بشكل مُبالغٍ فيه".

وبينما ينفي د. مجدي شاكر، كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار، وجود إحصائيّة مُحدّدة لعدد القطع الأثرية المصرية النادرة حول العالم، يشير إلى تقديرات وفق الأوراق الرسمية بحوالي مليون قطعة أثريّة في 40 متحفًا حول العالم.
ويقول شاكر في حديثه لمنصة" فكّر تاني": "قديمًا، كانتْ هناك عائلات مصرية مشهورة بتجارة الآثار المصريّة؛ كعائلتيْ الشاعري والجابري، قبل وضع قوانين رادعة تُحرّم تجارة الآثار. وكان هناك العديد من القطع الأثريّة تم إهداؤها؛ كمسلة رمسيس التي أهداها محمد على لمتحف كونكورد بباريس، ومسلة أخرى أهداها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بخلاف الآثار المصريّة المسروقة و المهربة".
وقد أشاد د. مجدي شاكر بدور مصر في استعادة الآثار المصريّة، قائلًا: "عملتْ وزارة الخارجية المصرية ما يُعرَف باتفاقية أو دبلوماسية استرداد الآثار المصريّة مع عدد كبير من الدول حول العالم، بغرض تبادل القطع الأثريّة المسروقة والمُهرّبة بين مصر وهذه الدول".
كيم كاردشيان مفتاح لغز التابوت الذهبيّ

ظهرت المُمثّلة الأمريكيّة كيم كاردشيان، في حفلةٍ استعراضيّةٍ سنويّةٍ تُسمّى "جاراميترو بليتان" لعرض الأزياء عام 2018. وقتها، لفتتْ أنظار العالم بظهورها إلى جوار تابوت "نجم عنخ" المُرصّع بالذهب المتواجد بمتحفٍ المتروبليتان بالولايات المتحدة الأمريكية.
تمت استعادة هذا التابوت لاحقًا إلى مصر بعدما باعته إحدى عصابات الآثار لهذا المتحف بقيمة أربعة ملايين دولار. وقد قدمتْ الحكومة المِصريّة بمساعدة وزارة الآثار المصريّة والسفارة المصرية بأمريكا أوراقاً رسميّةً تُثبت أحقيّة مصرَ بالتابوت، وحكم المُدّعي العام بنيويورك لمصر باستعادة التابوت في عام 2017، وتم الاحتفاء به ووضعه في المتحف القوميّ للحضارة المصرية بالفسطاط.
كذلك، استردّتْ مصر قطعًا من أمريكا، وفرنسا، وإنجلترا، وإسرائيل.
إخفاء آثار مصر بقضية اللوفر

في 2022، أشارت صحيفة "الجارديان" البريطانيّة، إلى اتهامات وجهت إلى الرئيس السابق لمتحف اللوفر في باريس جان لوك مارتينيز بالتآمر لإخفاء أصل الكنوز الأثرية التي ربما تكون قد أخرجت من مصر خلال انتفاضات الربيع العربي، في قضية صدمت عالم الآثار.
ووجهت اتهامات إلى جان لوك مارتينيز بعد أن اقتادته الشرطة لاستجوابه، بحسب ما قال مصدر قضائي فرنسي لوكالة "فرانس برس".
مارتينيز أدار متحف اللوفر في باريس، المتحف الأكثر زيارة في العالم، من 2013 إلى 2021. ويعمل مارتينيز، الذي تنحى عن منصبه كرئيس لمتحف اللوفر العام 2021، سفيرًا للتعاون الدولي في مجال التراث.
هذه القضية تم فتحها في يوليو 2018، بعد عامين من شراء متحف اللوفر أبو ظبي "شاهدة" نادرة من الجرانيت الوردي تصور الفرعون توت عنخ آمون وأربعة أعمال قديمة أخرى مقابل 8 ملايين يورو (6.8 مليون جنيه إسترليني).
التوقيعات ضرورة حتميّة
"أنشأت وزارة الآثار المصريّة إدارة لاسترداد الآثار، وتمكنت من استعادة حوالي ستة آلاف قطعة أثرية"؛ يقول الدكتور زاهي حوّاس، في حديثه لـ"فكّر تاني"، الذي يشدد على أن التوقيعات أمر ضروري لاستعادة القطع المتبقية بسلاسة.
لكن، في المقابل يرى د. مجدي شاكر أن المشكلة الأساسية ليست في التوقيعات وإنما في بعض الاتفاقيات التي وقعتها مصر كاتفاقية اليونسكو التي تعترف بملكية هذه المتاحف للآثار المسجلة بها كحجر رشيد في لندن، ورأس نفرتيتي في برلين، وأخيرًا القبة السماوية في متحف اللوفر بباريس.
ويقول "شاكر": "الحكومات لا تتحرك بالمُطالبَات الشعبيّة، فهل يُعقل أن تُمكّننا هذه التوقيعات من استرداد هذه القطع الأثرية.. عقب حرب غزة؛ اتّضح أن هذا العالم بأسره لا يضع في اعتباره الحكومات العربية أو مطالبها أو حقوقها المسلوبة.. هذا عالم لا يعترف إلى بالإمكانات المادية والقوة الاقتصادية، فهل تستطيع الدولة فعل أي شئ في هذا الجانب؟".

ويرى "شاكر" أنه على أقل تقدير، من الممكن وضع هذه الآثار المهربة ضمن اتفاقية الجات للملكية الفكرية، لتستفيد الدولة بنسبة من عائد هذه المتاحف، مشيرًا إلى أن عائد المتحف البريطاني لوحده تبلغ حوالي 15 مليار يورو سنويًا، يمكن استغلال النسبة التي تستحقها مصر منها في ترميم العديد من القطع الأثرية، وتقديم منح ماجستير ودكتوراه".
تتفق وهيبة صالح، مدير منطقة دهشور الأثرية سابقًا، مع رؤية "شاكر"، في صعوبة استرداد الآثار المسلوبة من مصر بسهولة حتى ولو توفر المليون توقيع للحملة الشعبية التي تحدث عنها حواس، وتبرر ذلك بأن أغلب هذه القطع خرج من أرض الوطن بطريقة مشروعة وقتها وبأوراق رسمية كالتي خرجت بعد اتفاقية اليونسكو، ويدل على ذلك كما تقول أن مصر استردت فقط ما أثبتت أنه خرج بالتهريب.
ثورة 25 يناير ليست وحدها مسؤولة
يقول الدكتور أحمد بدران أنّ تزايد عدد المسروقات الأثرية بعد الثورة غير صحيح. بل على العكس التهريب قبل الثورة كان مُعدله أكبر، بسبب العقوبات المُخفّفة على سرقة الآثار؛ كالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات، إضافة إلى الغرامة الماليّة الزهيدة. ولكن مع تغليظ العقوبات، عقب الثورة بات هناك تقنين لسرقة الآثار.
كما يشير "بدران" إلى اتباع مصر حاليًا سياسة التفكير خارج الصندوق عبر اتفاقية مثلًا بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية لاستعادة التابوت الأخضر. وهو ما تسعى مصر بموجبه أيضًا لاستعادة جميع الآثار المسروقة من متحف اللوفر أبو ظبي، مضيفًا أن الجهود المصرية على المستوييْن المحليّ والدوليّ مهمة في هذا الجانب.
نريد الأثار المصريه المهربه