دينا قابيل: منع "المرايا" قرار غير مفهوم ويؤثر على استمراريتنا

مذ تأسست في عام 2016، اختارت دار المرايا أن تكون أكثر من مجرد دار نشر؛ إنها نافذة تطل منها الأفكار الحرة، ومنبر يحتضن الأصوات النقدية والتقدمية، في مجتمع سيطرت عليه الخطابات التقليدية، ويعود بالزمن إلى الوراء مدت المرايا يدها للشباب والمفكرين المستقلين، منحتهم المساحة التي طالما حلموا بها، أن تتنفس الكلمات بلا قيود، وتجد الأسئلة والأفكار طريقها للنقاش، عبر الكتب والمجلات والفعاليات الثقافية، سعت المرايا إلى إشعال شرارة الفكر النقدي وخلق بدائل ديمقراطية تعيد للثقافة دورها الحقيقي في التغيير.

لكن، حينما يصبح الحلم جريمة، تدفع الأفكار الحرة ثمنًا باهظًا، فمنذ الإعلان عن ديوان "كيرلي" لأحمد دومة، وجد الحبر طريقه إلى المواجهة قبل أن يصل إلى أيدي القراء، ولم يكن التضييق على الشاعر وحده، بل امتدت يد المنع إلى دار المرايا، فحُرمت من المشاركة في معرض الكتاب، في خطوة أخرى لتضييق الخناق على الأصوات المستقلة. وكأن العقاب لم يعد يطال الأفراد فقط، بل صار يستهدف المساحات التي تمنحهم صوتًا وحضورًا.

هذا المنع لم يكن الأول، بل جاء تتويجًا لسلسلة طويلة من الضغوطات التي واجهتها الدار، خلال العامين الماضيين، حيث تعرضت إصداراتها لمصادرة غير مبررة، بل أن بعض الكتب اختفت فجأة من الأسواق دون أي تفسير رسمي. وفي أغسطس 2023، داهمت السلطات مقر الدار، في مشهد يعكس التوجس المتزايد تجاه الثقافة المستقلة.

لم يكن الأمر وقتها مجرد تفتيش روتيني، بل بدا وكأنه رسالة واضحة: "لا مكان للأفكار التي تخرج عن المألوف"، ورغم ذلك، لم تستسلم المرايا، ولم تغلق أبوابها في وجه الكتّاب والمبدعين الذين وجدوا فيها مساحة للحوار والتعبير الحر.

وفي مواجهة هذا الحصار، لم تتراجع الدار، بل اختارت المقاومة بطريقتها الخاصة، عندما مُنعت من معرض الكتاب، قررت أن تصنع معرضها الموازي، لتؤكد أن الكلمة لا تموت بمنعها، وأن المعرفة ستجد طريقها دائمًا إلى القرّاء.

في هذا المعرض البديل، التقى المثقفون والكتّاب والقراء، تناقشوا بحرية، وتبادلوا الأفكار، وكأنهم يعيدون رسم مشهد ثقافي يرفض أن ينطفئ. ربما كان المنع محاولة لعزل دار المرايا، لكن النتيجة جاءت عكس ذلك تمامًا، فقد تحول التضييق إلى تضامن، وأصبح غياب الدار عن المعرض الرسمي حضورًا أقوى في وجدان كل من يؤمن بحرية الفكر والتعبير.

هكذا تمضي المرايا في طريقها، رغم كل العوائق، رغم كل الأبواب المغلقة، رغم كل الأصوات التي تحاول إسكاتها، وتظل صفحة مفتوحة لمن يريد أن يكتب، لمن يؤمن أن المعرفة مقاومة، وأن الكلمة ستظل أقوى من أي قيد.

من معرض المرايا -المصدر صفحة المرايا للثقافة والفنون
من معرض المرايا -المصدر صفحة المرايا للثقافة والفنون

في قلب هذه المعركة الثقافية، تقف دينا قابيل، مديرة دار المرايا، بشغفها العميق بالكتب وإيمانها الراسخ بحرية الفكر. لم تكن المرايا بالنسبة لها مجرد دار نشر، بل كانت حلمًا شخصيًا، مشروعًا ثقافيًا يعكس قناعاتها بأن الكلمة الحرة قادرة على فتح نوافذ الأمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

ومن خلال إصدارات الدار، حرصت دينا على تقديم أعمال تطرح الأسئلة الكبرى حول المجتمع والسياسة والثقافة، بعيدًا عن القوالب الجاهزة، وسعت إلى نشر أعمال تتجاوز السائد، وتتحدى المحظورات، وتفتح آفاقًا جديدة أمام القارئ الباحث عن المعرفة الحقيقية.

لم يكن طريقها سهلًا، فقد وجدت نفسها وسط معركة لم تخترها، حيث أصبح الدفاع عن الكتب التي تنشرها دفاعًا عن مساحة التعبير بأكملها، ورغم الضغوط المتزايدة، لم تتراجع، بل واجهت التحديات بإصرار.

وفي حوار خاص مع فكّر تاني، تحدثت دينا قابيل عن تجربة المرايا في مواجهة التضييق، وكيف تحولت الدار إلى رمز للصمود الثقافي، في وقت أصبح فيه الفكر المستقل هدفًا للمحاصرة والتقييد.

المرايا.. مساحة للحلم في وجه العتمة

عبرت دينا قابيل، صاحبة دار المرايا للثقافة والفنون، عن استغرابها من قرار منع الدار من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام. قالت: "في الحقيقة، لا أدري السبب تحديدًا، حيث لم تُصدر أي جهة رسمية توضيحًا حول ما يحدث، وما يثير الدهشة أننا نشارك في المعرض منذ ثماني سنوات متواصلة، ولدينا قاعدة قرّاء واسعة تتسع عامًا بعد عام، فلماذا يتم استبعادنا الآن؟".

"منذ تأسيس الدار، كانت لنا مشاركة ثابتة في المعرض، كما أننا حصلنا على العديد من الجوائز، سواء من معرض الكتاب نفسه أو من الجهة المنظمة، إلى جانب جوائز أخرى في مجالات الترجمة والشعر، وجوائز مرموقة من مؤسسة ساويرس"؛ تضيف دينا التي تشير إلى أنهم في الدار وخلال هذه السنوات، تمكنوا من ترسيخ وجودهم في المشهد الثقافي المصري والعربي، بينما كان التضامن الكبير الذي تلقوه من الكتّاب والمثقفين، حتى من الذين لم ينشروا معهم، دليلًا على الأثر العميق الذي تركته الدار، كما تقول.

اقرأ أيضًا:النشرة الثقافية.. معرض الكتاب الـ 56 وأسبوع في "المرايا" تفاعل ثقافي موازٍ سببه المنع

خسائر ثقافية واقتصادية

من معرض المرايا -المصدر صفحة المرايا للثقافة والفنون
من معرض المرايا -المصدر صفحة المرايا للثقافة والفنون

أكدت قابيل أيضًا أن غياب "دار المرايا" عن المعرض الرسمي يشكل خسارة كبيرة على عدة مستويات، موضحة: "نحن لسنا دار نشر ثرية، ومعرض الكتاب يمثل لنا مصدرًا رئيسيًا للدخل، حيث يعتمد جزء كبير من مبيعاتنا عليه لضمان استمرارنا. كما أن المشاركة في المعرض كانت تتيح لنا توسيع علاقاتنا، سواء مع الناشرين العرب أو المؤسسات الثقافية الأجنبية، من خلال البرامج والفعاليات المختلفة".

ولدار المرايا خصوصية واضحة في نوعية الكتب التي نقدمها، كما توضح قابيل، حيث تتنوع إصداراتها بين النقد الثقافي والاقتصاد السياسي. تضيف: "نحرص دائمًا على تقديم محتوى عميق لكنه في الوقت ذاته قريب من الجمهور. غيابنا عن المعرض حرم القارئ من الوصول بسهولة إلى هذا النوع من الكتب، التي ربما لن يجدها في أماكن أخرى".

اقرأ أيضًا:النشرة الثقافية.. "أيام في المرايا" بالتزامن مع "معرض القاهرة للكتاب"

"معرض كتاب مرايا".. محاولة لتعويض الغياب

ولتقليل الخسائر الناجمة عن الاستبعاد، نظّمت الدار فعالية "معرض كتاب مرايا" بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي، حيث أوضحت قابيل: "لم يكن هدفنا منافسة المعرض الرسمي، بل تقديم بديل يُبقي على تواصلنا مع جمهورنا، ويتيح فرصة للقراء للاطلاع على إصداراتنا ولقاء الكتّاب، كان الحدث بمثابة محاولة لتعويض الخسائر المادية وتقليل أثر الغياب على تفاعلنا مع الجمهور".

وتختتم قابيل حديثها قائلة: "نحن نؤمن بدورنا الثقافي، وسنواصل العمل رغم التحديات. لكن من المهم أن تبقى المساحة الثقافية مفتوحة للجميع، فالكتاب والفكر لا يجب أن يكونا موضع إقصاء أو تقييد".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة