من حصار المنع إلى تتويج "فولتير".. يحيى فكري: اخترنا الطريق الصعب

أن تُمنع من أكبر معرض للكتاب في بلدك، ثم تُمنح في الوقت ذاته جائزة "فولتير" الدولية لحرية النشر، فتلك مفارقة تختصر قصة مؤسسة بأكملها، وهذا بالضبط ما تختبره "المرايا للثقافة والفنون"، المؤسسة الثقافية المصرية المستقلة التي انطلقت عام 2016 لتراهن منذ يومها الأول على الأسئلة الصعبة في التاريخ والاقتصاد والاجتماع، متخذة من نشر الدراسات النقدية والبحوث الاجتماعية والإنتاج البصري والمسموع مشروعًا لها، غير أن هذا الرهان نفسه هو ما وضعها لاحقًا في مواجهة تحديات وضغوط متواصلة طالت نشاطها ومؤسسيها، فواجهت عددًا من الإجراءات الرقابية، من بينها استبعادها من معرض القاهرة الدولي للكتاب لعامين متتاليين، ومداهمة مقرها في يوليو 2024، وهي المداهمة التي جرى خلالها التحفظ على بعض المستندات المالية والقبض على أحد الموظفين الإداريين، وتحرير محاضر تتعلق بإجراءات الترخيص، ومع ذلك، وربما بسبب ذلك تحديدًا، توجت "المرايا" في يوليو 2026 بـجائزة فولتير لحرية النشر، التي يمنحها الاتحاد الدولي للناشرين تقديرًا لاستمرارها في النشر رغم تلك التحديات، وهي أرفع جائزة عالمية لحرية النشر، يمنحها الاتحاد، لتتحول بذلك عقوبة المنع المحلي إلى اعتراف عالمي بقيمة ما تقدمه.

وفي هذا الحوار مع "فكر تاني"، يتحدث الناشر يحيى فكري، المدير التنفيذي لـ"المرايا"، عن فكرة المشروع، وثمن الاستمرار، وكيف يوازن بين ضرورات صناعة النشر ورهانات المشروع الثقافي، وما الذي يعنيه الدفاع عن حرية النشر اليوم.

المشروع قبل الجائزة .. أكثر من مجرد كتب

  • بالعودة إلى البداية.. ما المشروع الذي أردتم بناءه حين أسستم "المرايا".. ولماذا اخترتم تعريفها بـ"المرايا للثقافة والفنون" بدلا من "دار نشر"، هل كان تكتيكا للبقاء؟

لم نكن نريد مجرد دار نشر تقليدية، وإنما مؤسسة ثقافية. كان هدفنا منذ البداية نقل التراكم المعرفي الذي ينتجه جيل جديد من الباحثين والكتّاب في مجالات التاريخ والاقتصاد والاجتماع والثقافة المصرية، وإتاحة مساحة للأعمال التي لا تجد طريقها إلى النشر بسهولة، خاصة الأصوات الديمقراطية والرؤى النقدية التي ضاقت بها المساحات العامة. وأن نعيد إنتاج الرصيد الفكري الذي أفرزته سنوات الحراك السياسي في صورة معرفة نقدية وتحررية يمكن أن تفتح أفقًا لمستقبل مختلف. ولهذا اخترنا أن تكون "المرايا للثقافة والفنون"، ليس كضمان للبقاء، وإنما لأننا لم نؤسس دارًا للكتب فقط، بل مؤسسة ثقافية شاملة. فكان لدينا منذ البداية تصور لإنتاج الأفلام الوثائقية، وتنظيم الورش، وإصدار مجلة ثقافية، وإنشاء موقع إلكتروني، إيمانًا بأن كل هذه الاتجاهات تخدم المشروع الثقافي ذاته.

  • وكيف ترجمت "المرايا" هذه الرؤية إلى أنشطة على أرض الواقع؟

اتجهنا إلى الإنتاج الفني والثقافي، فقدمنا فيلمًا روائيًا طويلًا، وعددًا من الأفلام الوثائقية، وأطلقنا حلقات بودكاست، وأنشأنا موقعًا إلكترونيًا، ونظمنا ورشًا تدريبية وندوات ثقافية. وتنقسم برامج التدريب إلى مسارين، الأول يركز على المهارات الإبداعية، مثل ورش الكتابة وتحرير الكتب، والتصوير، وكتابة السيناريو، والثاني يهتم بالثقافة النقدية والمعرفية، كقراءة الصورة، والعلاقة بين الأدب والفنون. كما وفرنا مساحة مفتوحة لحفلات التوقيع والندوات، لا تقتصر على إصدارات المرايا فقط. إلى جانب تجربة المسرح الصوتي بإعادة إنتاج مسرحية "أنا وأنت وهي" لنجيب الريحاني، وهي متوفرة على قناتنا على يوتيوب.

  • وكيف تُدار هذه الأنشطة جنبًا إلى جنب مع نشر الكتب؟ هل تعمل وفق خطة سنوية ثابتة؟ أم أن الأمر تحكمه الميزانية والظروف؟

بالنسبة للكتب، تكون لدينا تصورات أولية بداية كل عام، ثم تتبلور تدريجيًا حتى نستقر خلال فترة الصيف على قائمة الإصدارات التي نعمل على إنجازها قبل نهاية العام. غير أن تنفيذ الأنشطة الأخرى يظل مرتبطًا بالإمكانات المتاحة. فعلى سبيل المثال، كان لدينا طموح بإنشاء وحدة تدريب مستقلة تعمل ببرنامج منتظم، إلا أن الإمكانيات لم تسمح بذلك حتى الآن. لذلك تُنظَّم الورش بحسب المشروعات والفرص المتاحة. أما الأفلام الوثائقية، فهي تعتمد في الأساس على منح الإنتاج؛ فعندما نحصل على منحة يبدأ تنفيذ المشروع. وحتى الآن أنتجنا ثلاثة أو أربعة أفلام، وما زلنا نتقدم لمنح جديدة، بينما البودكاست ما زلنا نحاول الوصول فيه إلى وتيرة إنتاج منتظمة، لكن ذلك يحتاج إلى ميزانيات وإمكانات أكبر مما هو متاح حاليًا.

  • بعد مرور عشر سنوات.. إلى أي مدى تشعر أن "المرايا" اقتربت من تحقيق أهدافها؟

ليس لدي تقدير واضح بنسبة ما حققناه، لكن أستطيع القول إننا نجحنا في الاستمرار في هذا المسار رغم كل المعوقات. وبقدر إمكانياتنا ما زلنا نواصل الإنتاج ونحاول خلق وسائل جديدة للوصول إلى القارئ. وأعتقد أن الواقع المصري قادر على إنتاج عشرات المؤسسات المشابهة لـ"المرايا" إذا توفرت الظروف المناسبة.

جائزة فولتير.. حين يتحول الحصار المحلي إلى اعتراف عالمي

  • حصول "المرايا" على جائزة "فولتير" العالمية لحرية النشر يضعنا أمام مفارقة.. تقدير دولي لافت في مقابل تحديات محلية وتضييق على النشر والتعبير... كيف تقرأ هذه المفارقة؟

التقدير العالمي لم يأتِ بمعزل عن واقعنا المحلي، بل جاء انعكاسًا مباشرًا له. نحن نعيش فترة تشهد تضييقًا واسعًا على حرية النشر والتعبير، وربما لم تشهد مصر مثل هذا المستوى من القيود منذ وقت طويل. ولم يعد الأمر يقتصر على نشر الكتب، بل امتد إلى مختلف أشكال التعبير، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها، في ظل رقابة وعقوبات قد تصل إلى السجن. فلو لم نكن نخوض هذه التحديات لما نلنا هذا التكريم، لأن جائزة "فولتير" لا تُمنح لجودة النشر في حد ذاته، وإنما للدفاع عن حريته. لذلك فوزنا يعكس قدرتنا كناشرين على مواصلة العمل والتعامل بمهنية مع القيود المفروضة.

  • بعد حصولكم على جائزة "فولتير"، كيف تغيرت نظرة العالم الخارجي إلى مشروع "المرايا"؟ وما الذي غيرته الجائزة في نظرتك للمشروع؟

منحت الجائزة "المرايا" حضورًا دوليًا لم يكن موجودًا من قبل، فقد حظينا بتقدير كبير داخل الأوساط المهتمة بحرية النشر، وأصبح اسم "المرايا" معروفًا لدى دوائر ثقافية ودولية لم تكن تعرفنا سابقًا. وأعتقد أن هذا هو الأثر الأهم للجائزة: أنها وسّعت مساحة التعريف بالمشروع خارج مصر. وبالنسبة لي.. الجائزة تأكيد على صحة المنهج الذي نتحرك فيه، ومنحتني دافعًا أكبر للاستمرار على النهج نفسه، وليس لإعادة النظر فيه.

معركة الورق والحرية

  • تصف المرحلة الحالية بأنها من أصعب الفترات على حرية النشر والتعبير.. فكيف يمكن لمؤسسة ثقافية مستقلة أن تستمر في ظل هذا الواقع؟

من الواضح أن هذه الظروف مرشحة للاستمرار، ولا تبدو في الأفق مؤشرات على انفراج قريب، لذلك أصبح على أي مؤسسة ثقافية أو ناشر أو كاتب أن يمتلك رؤية ومرونة في التعامل مع هذه الظروف، بحيث يستطيع الاستمرار في تقديم المحتوى الذي يؤمن به، مع إدارة المعوقات بطريقة محسوبة، بعيدًا عن الصدام الذي لا نرى جدوى منه في هذه المرحلة.

  • وبالنسبة لصناعة النشر في مصر عمومًا، كيف ترى واقعها اليوم؟ وما الذي تحتاج إليه حتى تتطور؟

قطاع النشر يحتاج إلى معالجة ملفات أساسية، أولها الجانب الاقتصادي، وتحديدًا أزمة ارتفاع تكلفة الإنتاج والورق، فمصر كانت تمتلك صناعة ورق محلية قوية توقفت لأسباب غير واضحة، فأصبحنا نعتمد كليًا على الاستيراد، وهو ما ضاعف تكلفة الإنتاج، لذلك نحتاج إلى حلول حقيقية، كإحياء صناعة الورق المحلية، أو إعفاء مستلزمات الإنتاج المستوردة من الرسوم الجمركية. كما نحتاج إلى تطوير البيع الإلكتروني وآليات الشحن والدفع، وتشجيع القراءة الإلكترونية. لكن يظل العنصر الأهم هو حرية النشر والتعبير، فلا يمكن لصناعة النشر أن تزدهر في غياب ضمانات حقيقية تحمي حريتها.

خارج منطقة الأمان.. الموازنة بين الفكر والسوق

  • اخترتم منذ البداية نشر كتب متخصصة في التاريخ والاقتصاد والعلوم الاجتماعية، وهي كتب لا تبدو سهلة تجاريًا.. لماذا راهنتم على هذا المسار؟

لأن هذا كان هدفنا منذ البداية. أردنا نقل التراكم المعرفي والرؤية الجديدة التي يحملها جيل من الباحثين والكتاب حول قضايا التاريخ والاقتصاد والاجتماع والثقافة المصرية. ومنذ أول كتاب أصدرناه أصبح هذا هو الطابع الذي يميز "المرايا"، كونها مؤسسة قادرة على إنتاج هذا النوع من المحتوى، وأن تفتح مساحة لأبحاث وأفكار ربما لا تجد فرصة للنشر في أماكن أخرى.

  • وكيف تحافظون على التوازن بين الحاجة إلى الاستمرار اقتصاديًا، وبين نشر كتب تعرفون أنها قد لا تحقق مبيعات كبيرة؟

كثير من الكتب نعرف مسبقًا أنها لن تحقق نجاحًا اقتصاديًا كبيرًا، ومع ذلك ننشرها، ليس لأننا غير مهتمين بالنجاح الاقتصادي، بل على العكس، فالاستمرار يتطلب تحقيق العائد المادي، لذلك نحاول خلق توازن، فإلى جانب الكتب البحثية، ننشر أعمالًا تجارية أكثر قدرة على تحقيق المبيعات، مثل بعض الأعمال الأدبية والمذكرات والسير الذاتية. هذه الكتب تساعدنا على تغطية تكلفة الكتب الأقل رواجًا، بحيث يسير المساران جنبًا إلى جنب، دون أن نتخلى عن طبيعة المشروع.

الناشر ليس سمسارًا

  • في رأيك، هل مهمة الناشر أن يجاري ذائقة السوق، أم أن يصنع قارئًا جديدًا؟

لا توجد قاعدة واحدة، فالناشر يحتاج إلى أن يمتلك القدرة على تسويق كتبه، وفي الوقت نفسه خلق قراء جدد لها. أما بالنسبة لنا، فالمهمة الأساسية هي المساهمة في بلورة مشروع معرفي لجيل خرج من قلب الحراك السياسي، ويحمل همًا ديمقراطيًا ورغبة في التغيير، يجمع بين الكاتب والقارئ.

  • ومتى يصبح الناشر شريكًا في حماية المساحة التي تسمح للأفكار بالوصول إلى الناس؟

الناشر المسؤول الأول عن هذه المساحة في كل لحظة. فهو يتحمل مسؤولية قانونية أمام الجهات الرسمية، ومسؤولية أدبية أمام القراء. وعندما يقرر ناشر تبني مشروع فكري أو أصوات معينة، فهو لا يصبح مجرد وسيط بين الكاتب والقارئ، بل يتحول إلى حارس لهذه المساحة، ويتحمل مع المؤلف تبعات الدفاع عن حق هذه الأفكار في الوجود والوصول.

المعركة الحقيقية.. حصار المنع

  • أين تكمن الصعوبة الأكبر اليوم... في اختيار الكتب أم في إيصالها إلى القارئ؟

في الحقيقة، توجد صعوبات في كل المراحل، لكن اختيار الكتب ليس المشكلة الأساسية بالنسبة لنا، فلدينا تصور واضح حوله، وتصلنا باستمرار أعمال من كُتّاب نقوم بتطويرها وفقًا لمشروعنا. أما التحدي الحقيقي فهو الوصول إلى القارئ، فالتسويق والتوزيع يظلان أكبر العقبات التي نواجهها، خصوصًا بعد منعنا عامين متتاليين من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولذلك بدأنا خلال العامين الأخيرين المشاركة في معارض الكتب العربية، ومع ذلك فالكتب المرتبطة بالشأن المصري لا تحقق عادة الانتشار نفسه خارج مصر، كما يظل معرض القاهرة هو السوق الأكبر والأهم، وهو ما يفرض تحديات إضافية.

  • بالحديث عن التوزيع.. يتردد أن بعض المكتبات ترفض عرض كتب دور نشر معينة بشكل غير معلن. هل واجهت "المرايا" هذا النوع من المواقف؟

نعم، بعض المكتبات المهمة ترفض توزيع كتب "المرايا"، ليس لأسباب معلنة، وإنما غالبًا بسبب مخاوف أمنية لديها. لكن هذا لا ينطبق على جميع المكتبات، فهناك مكتبات كثيرة ومهمة ما زالت توزع كتبنا بصورة طبيعية. لذلك نحاول باستمرار توسيع منافذ التوزيع، سواء من خلال موقعنا الإلكتروني، أو الكتب الإلكترونية، أو الكتب الصوتية، حتى نزيد فرص وصول كتبنا إلى القراء.

  • وبالنسبة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.. إلى أي مدى تأثرت "المرايا" بالاستبعاد منه خلال الدورتين السابقتين، وهل تعتبر أن المنع كان ضريبة الموقف الفكري للدار؟

كان المنع عقوبة اقتصادية حقيقية، لأن معرض القاهرة هو السوق الأكبر للكتاب ولا يقارن بأي معرض عربي من حيث الجمهور والمبيعات. واضطررنا إلى استهلاك جزء من مدخرات الدار للاستمرار. ورغم تنظيم الدار معرضًا موازيًا، فإنه لم يعوض أثر الغياب عن معرض القاهرة. لذلك اتجهنا إلى توسيع المشاركة في معارض الكتب العربية مثل الشارقة والكويت وبغداد والدوحة لتخفيف الخسائر مع أملنا في العودة إلى معرض القاهرة مستقبلًا. وربما كان ذلك ضريبة موقف الدار الفكري، لكن المرايا ليست المؤسسة الوحيدة التي واجهت مثل هذه الضغوط.

ما تحتاجه المرايا لتواصل الطيران

  • في ظل كل ذلك.. ما الذي تحتاجه "المرايا" اليوم لتستمر؟ وهل ترى أن حرية النشر معركة تخص بعض الدول فقط، أم أنها قضية عالمية؟

احتياجاتنا تتركز في محورين أساسيين؛ الأول هو التوسع في توزيع الكتب وتطوير منافذ وصولها إلى القراء، والثاني هو تطوير الإنتاج الفني كالأفلام الوثائقية والبودكاست، وتجربة أشكال فنية جديدة، بينما تظل الأفلام الروائية أكثر صعوبة بسبب تكلفتها المرتفعة. أما عن حرية النشر فهي بلا شك قضية عالمية، إذ توجد قيود على النشر في كل مكان في العالم، لكن درجاتها تختلف من بلد إلى آخر. لذلك تبقى قضية مشتركة، حتى وإن اختلفت طبيعة التحديات من مجتمع إلى آخر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة