في معظم العواصم العربية بالشرق الأوسط، أثار سقوط الرئيس السوري بشار الأسد حالة من القلق، بينما في أنقرة، بدلًا من التخوف من مستقبل سوريا بعد أكثر من عقد من الصراع، يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فرصة سانحة لتعزيز نفوذ بلاده في مرحلة ما بعد الأسد.
في تقرير بعنوان "كيف فازت تركيا بالحرب الأهلية السورية" نُشر في Foreign Affairs، أعدته الباحثة التركية جونول تول، تشير أن هذه الرؤية تستند إلى علاقة أنقرة القوية بالجماعة الإسلامية التي تتولى السلطة الآن في دمشق، "هيئة تحرير الشام" والتي كانت سابقًا تابعة لتنظيم القاعدة وصُنفت كمنظمة إرهابية من قبل تركيا، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة.
ورغم التصنيف، استفادت الهيئة بشكل غير مباشر من الدعم التركي عبر الحماية العسكرية في إدلب، ما أتاح لها السيطرة، كما ساعدت التجارة عبر الحدود وإدارة المساعدات الدولية عبر تركيا في تعزيز مكانتها محليًا.
تمكن أردوغان عبر هذا النفوذ من التأثير على قرارات الهيئة، بما في ذلك إلغاء خطط هجومها في حلب أكتوبر الماضي، مع توجيه حملتها الأخيرة بمباركته، ومع ضعف حلفاء الأسد الإقليميين وانشغال روسيا بأوكرانيا، وجد أردوغان فرصة لإجبار دمشق على التفاوض وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ما خفف الضغط السياسي الداخلي على حكومته.
هذا النجاح غير المتوقع للمتمردين، فتح الباب أمام أردوغان لتحقيق أهدافه؛ فقد أصبحت إيران وروسيا، الخصمان الرئيسيان لتركيا في سوريا، أقل تأثيرًا، ومن المحتمل أن تشهد دمشق حكومة صديقة لتركيا، مع إمكانية رحيل القوات الأمريكية، وهو هدف استراتيجي لأنقرة.
ورغم التحديات التي واجهتها تركيا منذ بداية الأزمة السورية في 2011، بما في ذلك تدهور علاقاتها الإقليمية، يبدو أن أردوغان الآن في موقف يتيح له جني ثمار استثماراته طويلة الأمد في المعارضة السورية، ولكن، ما تزال المخاطر قائمة، ما يضع تركيا أمام اختبار حقيقي لتحقيق مكاسب دائمة في هذا الصراع الممتد.
اقرأ أيضًا:لماذا لا تخرج سوريا من مربع "الحرب الأهلية"؟
الصراع السوري وإعادة القوى لصالح تركيا
وبينما تحوّل الصراع السوري إلى نقطة توتر كبرى بين تركيا والولايات المتحدة، خاصةً بعد قرار واشنطن في 2014 بتسليح وحدات حماية الشعب الكردية -التي تصنفها أنقرة كمنظمة إرهابية- جاء الدعم الأمريكي للوحدات نتيجة الإحباط من عدم كفاية الجهود التركية في التصدي لتنظيم داعش، وفي المقابل، شعرت تركيا بالخيانة من شريكتها الاستراتيجية، ما فاقم التوترات بين البلدين.
ومع تعمق الخلاف التركي-الأمريكي، استفادت روسيا بتدخلها في سوريا عام 2015 لدعم نظام الأسد، ما دفع أنقرة إلى التعاون مع موسكو رغم تضارب المصالح، خاصةً بعد موافقة روسيا الضمنية على توغل تركيا في شمال سوريا عام 2019 بهدف الحد من التوسع الكردي، الأمر الذي عزز تحالف أردوغان مع القوميين الأتراك.
بعد رحيل الأسد..
الآن، ومع خروج الأسد من المشهد، تبدو الكفة تميل لصالح تركيا، فقد أضعفت خسارة روسيا في سوريا مكانتها الإقليمية، ما يمنح أنقرة فرصة لتعزيز نفوذها، ليس فقط في سوريا، بل في مناطق أخرى مثل إفريقيا -إذ تهدد الانتكاسة الروسية في سوريا بعرقلة دعمها اللوجستي لعملياتها في أفريقيا- لا سيما في ليبيا، ما قد يخلق فراغًا تحاول تركيا سده.
كذلك، يشهد النفوذ الإيراني تراجعًا بعد حرب غزة والإطاحة بالأسد، ما يضعف قدرتها على دعم حلفائها المسلحين في المنطقة، حيث كان الأسد جسرًا استراتيجيًا لإيران لنقل الإمدادات إلى حزب الله، وفقدان هذا الرابط سيحد من نفوذ طهران، ما يمنح تركيا مساحة أوسع للمناورة من العراق إلى جنوب القوقاز.
وفي ظل هذه التطورات، تجد تركيا نفسها في موقف أقوى، مستفيدة من ضعف خصومها الإقليميين وتعزيز نفوذها على المستويين الإقليمي والدولي.
خرج الأسد من الصورة، ويستعد أردوغان إلى إعادة ترتيب العلاقات مع الولايات المتحدة، حيث ظل التعاون الأمريكي مع وحدات حماية الشعب الكردية، وتصنيفها كحليف استراتيجي ضد داعش، هو مصدر توتر كبير بين أنقرة وواشنطن.
في عام 2019، فرضت إدارة ترامب عقوبات على تركيا عقب هجومها العسكري ضد الأكراد السوريين، وأبقت عددًا محدودًا من القوات الأمريكية في سوريا لحماية المصالح النفطية.
ومع رحيل الأسد، قد تتراجع أهمية وجود القوات الأمريكية، ما يزيد احتمالية انسحابها بالكامل، قد تتيح هذه الخطوة لأنقرة تعزيز علاقتها مع واشنطن، خاصةً إذا التزمت تركيا باحتواء داعش.
اقرأ أيضًا:نظام الأسد.. ما نعرفه عن السقوط "فائق السرعة"
الفوضى من بعد الأسد
وبالرغم من المكاسب المحتملة، يواجه مستقبل سوريا مخاطر كبيرة، فغالبًا ما تؤدي تغييرات النظام المفاجئة إلى حالة من عدم الاستقرار والفوضى، كما حدث في ليبيا بعد سقوط القذافي، وفي العراق بعد صدام حسين، وتواجه سوريا تحديات مشابهة وربما أعظم، بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي خلفت دمارًا واسعًا وأدت إلى انقسامات عميقة.
أما الجماعات التي خلفت الأسد فتواجه اختبارًا صعبًا في توحيد البلاد وإعادة الإعمار، فعلى الرغم من تعيين رئيس وزراء مؤقت، لم تُثبت الحكومة الجديدة سيطرتها بالكامل بعد، ومع ذلك، تبدو تركيا في وضع يسمح لها بلعب دور محوري في إعادة الإعمار، بفضل حدودها المشتركة الطويلة مع سوريا، ودعمها للجماعات الحاكمة، ونفوذها العسكري في المنطقة.
لكن النفوذ التركي -رغم أهميته- لن يمنح أنقرة السيطرة الكاملة على طريقة إدارة القادة الجدد في دمشق، ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة لتطورات المشهد السياسي في سوريا.
كما تُثير سيطرة التحالف المتمرد بقيادة هيئة تحرير الشام على سوريا تساؤلات حول مستقبل البلاد، ورغم تعهد الهيئة بعدم تدمير مؤسسات الدولة واحترام التنوع العرقي والديني، إلا أن سجلها في إدلب يُظهر ميولًا غير ديمقراطية، وتظل الدول الغربية والعربية تخشى أن تُقيم الهيئة نظامًا إسلاميًا متشددًا، رغم محاولاتها إظهار وجه معتدل.
في الوقت الذي قد تحاول أنقرة دفع الحكومة الجديدة لضمان حقوق النساء والأقليات لتأمين الدعم الدولي، لن تتخذ مواقف سخية تجاه الأكراد السوريين. إذا استمرت معاناة الأكراد من التهميش، فإن عدم الاستقرار قد يمتد من شمال سوريا إلى داخل تركيا. هذا الأمر قد يعيق خطة أردوغان لإعادة اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، حيث يرفض كثير منهم العودة في غياب ضمانات بمستقبل ديمقراطي وآمن.
يبقى خطر عودة تنظيم داعش حاضرًا في المشهد. فمع انشغال قادة سوريا الجدد بالاستقرار، قد تستغل الفوضى لإعادة تأسيس نفسها، والميليشيات الكردية، المسؤولة حاليًا عن تأمين آلاف مقاتلي داعش في مراكز الاحتجاز، ستنشغل بمستقبلها، ما يزيد احتمالية الفراغ الأمني.
وتركيا، التي اعتقلت أكثر من 3000 شخص مشتبه بانتمائهم لداعش هذا العام، قد تواجه موجة جديدة من الهجمات الإرهابية إذا تصاعدت الأنشطة الجهادية.
لذا، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة، حيث ستحدد قدرة سوريا على تحقيق التوازن بين الحقوق الديمقراطية والأمن الإقليمي.. ليس مصيرها وحدها، ومصير دول الجوار.
ويعتمد استقرار سوريا في المرحلة المقبلة على تعاون القوى الدولية ودعم الحكومة الجديدة لتحقيق السلام وإعادة الإعمار، حيث تتطلب البلاد استثمارات في البنية التحتية، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتخفيف العقوبات، وعودة اللاجئين إلى وطنهم، ونزع سلاح الميليشيات، ومع ذلك، قد يؤدي إخفاق هيئة تحرير الشام في تشكيل حكومة شاملة ومؤسسات مدنية إلى عزلة دولية تعيد سوريا والمنطقة إلى دائرة العنف مرة أخرى.
باعتبارها القوة الداعمة لسقوط الأسد، تتحمل تركيا مسؤولية كبيرة تجاه مستقبل سوريا، حيث ترى أنقرة فرصة لتعزيز عودة اللاجئين واستثمار قطاع البناء التركي في إعادة الإعمار، ما قد يعزز موقع الرئيس التركي أردوغان إقليمياً ودولياً، لكن إذا تعثرت سوريا مجددًا وإنزلقت إلى الفوضى، قد تواجه تركيا موجة جديدة من اللاجئين وتهديدات أمنية متزايدة، ما يحول نجاحها الحالي إلى عبء ثقيل.
ويبقى المستقبل السوري معتمدًا على قدرة التحالف الحاكم والقوى الإقليمية على تحقيق التوازن بين طموحاتهم ومصلحة الشعب السوري.
