بعد الإطاحة بالمخلوع مبارك، أمطرت سماء القاهرة أحزابًا، وقيل وقتئذٍ إن تشابه برامج تلك الأحزاب الناشئة، يُعبِّر عن حالة فوضى سياسية، وقد كان ذلك قولًا صحيحًا إلى حد ما، لكن المؤكد أن اختمار التجربة كان سيفضي تراكميًا إلى سقوط الأحزاب الطفيلية من غُربال الممارسة، فقانون البقاء للأقوى ليست مجرد قانون بيولوجي، وإنما سياسي أيضًا.
غير أن الاختمار المنشود لم يتأتَ، إذ سرعان ما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، بعد الثلاثين من يونيو، فإذا بأحزاب تنحل، وأخرى تُحاصر، أو تُفخَّخ من الداخل، وزُجَّ بقادة حزبيين في غياهب السجون، مثل عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد القصاص، ثم شرعت السلطة الجديدة في حياكة حُلة سياسية وإعلامية على مقاسها، ووفق ذوقها الصارم؛ حالة تُعبِّر عنها فحسب، وتتبنى الدفاع عن سياساتها فقط، حتى وصلنا إلى الحال الذي صارت عبارة "الاحتباس السياسي" خير تعبير عن مفرداته.
والحقيقة أن هذا الاحتباس، ليس من صنع يدي السلطة الراهنة، أو بالأحرى ليس ناجمًا عن ممارساتها وحدها، فمنذ ثورة يوليو عام 1952، والحياة السياسية في مصر مرهونة بمزاج الرجل الواحد الأحد، الذي لا يخضع للمساءلة، ولا تجوز مراجعته.
بدءًا من قرار عبد الناصر حل الأحزاب، إلى منابر السادات الحزبية، مرورًا بالأحزاب الكرتونية في ثلاثينية مبارك، وصلنا إلى اختزال السياسة في صوت واحد، لكن بمسميات حزبية متعددة.
الفرق بين ما كان في عهد المخلوع وما هو كائن، أن مبارك كان محاطًا بـ"أسطوات" سياسة، يعرفون مقادير توابل الطبخة، فتُستساغ في ذائقة الرأي العام، رغم فسادها قلبًا وقالبًا، فيما تُهمَّش السياسة أو تتعرض للازدراء الآن، ذلك أن المراد أن يقف الجميع انتباهًا، وأياديهم "خلف خياطة البنطلون"!
حزب جديد.. ما الجدوى؟
مع الهمهمات عن تدشين حزب جديد، منبثق من عباءة اتحاد القبائل، تحت اسم "اتحاد مصر الوطني"، ومع الأنباء عن أنه سيضم نخبة مختارة من مؤيدي الدولة، يُستعاد السؤال: هل ثمة حاجة لكيان حزبي يتبنى ما تتبناه الأحزاب جميعها إلا قليلًا من المعارضة؟.. أليس وجود 87 حزبًا يكفي وزيادة؟ وهل في إمكان الحزب الناشئ أن يستقطب قواعد جماهيرية فاعلة أم سيكتفي بمقر منيف ومتحدث إعلامي مفوه لَسِنْ.. وكفى الله المؤمنين شر القتال؟

المعلوم أن الأحزاب لا تنشأ بقرارات سلطوية فوقية، ولا تهبط على أرض السياسة، كما يهبط مقاتلو الصاعقة بالمظلات، وهي ليست نتاجًا لهيمنة نخبة على مقاليد الحكم، بل إن العكس هو الصحيح.
يتأسس الحزب ويشتبك بالواقع السياسي، فيرسخ تياره الفكري، وترتسم شخصيته الأيديولوجية، وبناءً على ذلك يستقطب قطاعًا من الجمهور، فيحظى بنسبة من مقاعد البرلمان لتمثيلهم، ومن ثم يسعى سعيًا سياسيًا قانونيًا ومشروعًا إلى الحكم، عبر طرح نفسه بديلًا.
تلك بديهيات لا تغيب عن طالب بالسنة الدراسية الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهي مسلمات لكل من يخوض غمار السياسة، لكن يبدو أن مؤسسي الحزب، والذين يقفون وراءهم، يصرون على وضع الحصان خلف العربة.
والمؤسف من قبل ومن بعد، أن تلك البديهيات المتعارف عليها، في الشرق والغرب وبلاد تركب الأفيال، ليس ممكنًا تحقيقها في الجمهورية الجديدة، ذلك لأن مراحل نشأة وتأسيس الأحزاب السالف ذكرها، تتطلب في المقام الأول تنظيمًا سياسيًا لا يعادي الرأي الآخر، ولا يُصنِّف أصحابه في خانة الخونة، ولا يُدرجهم على قوائم الإرهاب، وبالطبع لا يزج بهم في غياهب السجون، ودوامات الحبس الاحتياطي "حتى يبان لهم صاحب".
بالتزامن مع الأخبار عن تأسيس "اتحاد مصر الوطني"، دخلت الدكتورة ليلى سويف يومها الخامس بعد الستين، من إضرابها المفتوح عن الطعام، احتجاجًا على حبس ابنها علاء عبد الفتاح، بعد انتهاء مدة محكوميته، ونقل محامو المهندس يحيى حسين عبد الهادي، أنه أصيب بأزمة قلبية في محبسه، وكان جرى القبض على الروائي سيد صابر، وهذه بالطبع أمثلة ليست جامعة مانعة.

بالعودة إلى الوراء قليلًا، حيث جرى إطلاق الحوار الوطني، الذي رافقته حملات إطلاق البخور وقرع الطبول دق الصاجات، التي تكفَّل بها إعلاميو السامسونج، ممن تشدقوا وتفيهقوا وتمنطقوا بأنه سيكون ركيزة لمناخ سياسي أكثر انفتاحًا، وسيشهد قرارًا تاريخيًا بإطلاق سراح سجناء الرأي، ولم يحدث من ذلك أي شيء، تبدو الحالة السياسية في مصر معتقلة أو مرتهنة بأداة التشبيه "كأن".
كأن هناك حياة حزبية، وكأن هناك معارضة، وكأن هناك انفراجة، وكأن هناك صحافة، وكأن هناك من يقرأ.
على افتراض أن الحزب الجديد، سيكون ذا مشروع سياسي متمايز، وهذا افتراض خيالي بالقطع، فإن المناخ الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من أكسجين الحرية، لن يسمح له ولا لأي كيان حزبي، أن يصنع حالة سياسية صحية وصحيحة.
الحزب الجديد إذن يشبه المرآة في قصة "سنووايت والأقزام السبعة"، إذ كانت الملكة الشريرة تقف أمامها فتسألها: خبريني ما مرآتي.. مَنْ أجمل نساء الأرض؟ فتجيبها: أنت يا مولاتي.
الحزب سيقول للرأي العام إن السلطة، أجمل سلطات الأرض، وسلطة سلطات هنا بضم السين وليس بفتحها، لكن الواضح جليًا أن قطاعًا معتبرًا من الرأي العام ليس مستعدًا للتصديق، والأكثر من ذلك ليس مستعدًا لأن يسمع من الأصل، أما الأخطر من هذا وذاك أنه لن يصدق إذا سمع.
استنزاف المصداقية وتهاوي الوعود
على مدى السنوات العشر الماضية، حدث استنزاف حاد للمصداقية، جراء الإفراط في وعود المن والسلوى، والمليارات التي ستهبط على البلاد والعباد، إثر المشروعات القومية الكبرى، فضلًا عن التعهدات بانفراجة سياسية تشمل سجناء الرأي، وتفتح الأبواب أمام حرية التعبير، على قاعدة أن اختلاف الرأي لا يفسد للوطن قضية.
وحين تبين أن ذلك كان كلامًا "مدهونًا بالزبدة" كما يقول المثل الشعبي، فلم يكن غريبًا وليس مفاجئًا أن يتجنب الرأي العام السياسة بالجملة، فينصرف إلى "سفاسف الأمور"، على غرار أزمة إمام عاشور مع النادي الأهلي، أو مشاحنات شيرين وحسام حبيب، أو "سعودية نا نا".

الواضح أن الناس "رموا طوبة السياسة"، فإن كان إغراقهم في التفاهات مدبَّرًا له، وفق "استراتيجيات الإلهاء" عند نعوم تشاومسكي، فالمؤكد أن هذا ليس من الحصافة في شيء.
تغييب السياسة يحمل شرورًا بالغة، على مجتمع يكابد أوضاعًا اقتصادية طاحنة، ولا يبدو أن في الأفق بوادر لتحسنها، مع الديون التي تتناسل من رحم ديون، وتذهب أيضًا لتسديد فوائد ديون.
غياب الأمل وانسداد الأفق السياسي، هو الخطر الأكبر على استقرار مصر، وليس الرأي الذي يكتبه مدون هنا، أو يعبر عنه صحفي هناك.
حين بعث الرسول بحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم مصر، ضرب له مثلًا بقصة فرعون موسى في القرآن الكريم، ثم قال له: "اعتبر بغيرك ولا يُعتبر بك".
نرى اليوم في سورية الحبيية، ما يدمي قلوبنا، إذ أسفرت سياسات الأسد الإجرامية عن إخراج أفاعي التطرف من جحورها، فإذا بالبلد العربي المهم والمؤثر في معادلات الإقليم بين مطرقة ديكتاتورية النظام البعثي، الذي ضربهم بالبراميل المتفجرة، وسندان إرهاب أولي اللحى الذين يذبحون، مكبِّرين محوقّلين.
تأويل ما يحدث في سورية، بأنه مؤامرة صهيونية ليس منبت الصلة عن الواقع، لكن بالتوازي لا بد من الاعتراف بأن نظام الأسد أبًا وابنًا، مهّد الأرض لاستقبال تلك المؤامرة.
بغير فذلكة فارغة، أو حذلقة متقعرة، يمكن اختزال المشهد التراجيدي بعبارة بسيطة: "الإرهاب يخرج من عباءة الشمولية".
صحيحٌ أن مصر بمنأى عن هذا السيناريو المرعب، لأسباب بنيوية تتعلق بطبائع الشعب، الميَّال إلى الصبر واللين، كما يقرر جمال حمدان في "شخصية مصر"، وكذلك لأن جيشنا رغم ما قد يكون من تقاطعات سياسية، ليس طائفيًا، وولاؤه لمصر لا جدال فيه، ذلك فضلًا عن الاعتبارات الدولية التي لا تسمح لدولة في وزن مصر بالتصدع.
لكن علينا أن نفهم أن الحراك الاجتماعي سلبًا وإيجابًا، شرًا وخيرًا، تقهقرًا وتقدمًا يتأسس تراكميًا، كما تحفر قطرات المطر الصخور في عمليات التعرية.
كل متغير تاريخي يستغرق وقتًا يطول أو يقصر حتى يتحقق.
جرس إنذار مع الفوضى الإقليمية
لا أظن أن أحدًا، سواءً من المعارضين أو المؤيدين، يريد لمصر أن تختبر السيناريو السوري، لكن حالة السيولة الإقليمية لا بد أن تدفعنا إلى دق أجراس الخطر، فنعتبر بما حولنا ولا يُعتبر بنا.

سواءً أعجبنا أو لم يعجبنا، فإن للتطرف في مصر قواعد شعبية، وحمقى مؤيدين، حتى وإن كانوا يستكتمون أمرهم على سبيل التقية.
بنظرة عابرة ستجد على وسائل التواصل جبالًا من الكتابات، التي تؤيد "المجاهدين في سبيل الله" على أرض الشام، وتدعو الله أن يسدد رميهم، فيمحق بهم الظلم.
كيف وصلنا إلى هنا؟
هؤلاء مخرجات نظام تعليمي مهترئ، وخطاب إعلامي أحادي، وبرامج ثقافية غائبة، وسياسة أمنية منفردة لمحاربة الإرهاب، من دون أن تقترن بمشروع فكري وتنموي شامل.
إنه التراكم الذي يؤدي إلى التغيير الاجتماعي، وهو تراكم بدأ في عهد "الرئيس المؤمن" الذي حارب القوى المدنية، باستحضار عفريت التأسلم السياسي.
التضييق على القوى المدنية حتى وإن كانت شديدة الخصومة للنظام وسياساته، لا يخدم إلا القُوى التي تعمل في الظلام تحت الأرض.
ليس بتأسيس أحزاب محل أحزاب، في عملية تدوير سياسي، وليس بتصريحات لا تغادر الحناجر بأن الدولة منفتحة على الرأي الآخر، وليس بتكميم الأصوات، ستأمن مصر شرور الكارهين المتربصين من الخارج أو في الداخل.
أخشى أن يفوت الأوان، وأخشى أن نبكي في غدٍ على وطن ضيعناه، لأننا لم نؤدِ فريضة اللحظة.. وفريضة اللحظة هي الديمقراطية.
الديمقراطية الآن الآن، قبل أن لا يكون هناك آن.