متحف عين شمس الذي حرسته امرأة من حجر.. رحلة حسن حشمت مع "أولاد البلد"

تستقبلك امرأة منتصبة الهامة بملامح هادئة، بينما تقف شامخة في جسد طائر حر، داخل حديقة متحف الفنان حسن حشمت، فيمتزج فيها الرمز الإنساني بالعالم الطبيعي في لوحة نحتية واحدة.

ترفع المنحوتة عينيها نحو الأعلى في سمو وكبرياء، ويزيدها العقد المستوحى من الزخارف التراثية حضورًا وهوية، بينما تمنحها الأجنحة الملتصقة بجسدها إحساسًا بالقوة والقدرة على التحليق نحو آفاق أبعد. ورغم بساطة الكتلة الحجرية وانسيابيتها، فإن تفاعلها مع الضوء والفراغ من حولها يوهمك بأنها على وشك التحليق فعلًا، فتغدو استعارة كاملة للمرأة المصرية رمزًا للحياة والحرية والقوة معًا. وهذا بالضبط ما يستدعي سؤال عن الكيفية التي  وظّف من خلالها "نحات الشعب" جسد المرأة عنصرًا تشكيليًا؟ وكيف تحولت على يديه إلى أيقونة الجمال في مدرسة ابن البلد؟

فحسن حشمت (1920-2006) لم يكن غريبًا عن هذا السؤال، بل عاش حياته كلها يبحث عن إجابته، حيث بدأ مشواره بدراسة الفنون التطبيقية عام 1938، ثم انتقل إلى معهد التربية الفنية عام 1954، قبل أن يسافر إلى ألمانيا الغربية للدراسة بأكاديمية البورسلين عام 1958، حيث توّج غرامه بالنحت حين حصل على منحة تفرغ من وزارة الثقافة امتدت بين عامي 1958 و1964. وعلى يديه تعرف العالم إلى فن التماثيل الصغيرة، قبل أن يتجه إلى نحت التماثيل الحجرية المتوسطة والكبيرة اعتبارًا من عام 1984، وهي الفترة ذاتها التي شهدت انشغاله بالمعارض الفنية الكبرى في أوروبا، والتي اقتنت الكثير من أعماله النحتية الزخرفية في فرنسا وألمانيا وهولندا. وعُرضت أعماله في متاحف دولية عريقة، منها متحف الإنسان في باريس ومتحف بكين، فيما استقرت تماثيله في مصر بميدان الجلاء بمصر الجديدة، واستاد القاهرة، والبحر الأحمر، إلى جانب لوحة حجرية بأكاديمية ناصر العسكرية.

مدرسة ابن البلد

وضع حشمت حجر الأساس لمدرسته الفنية "ابن البلد"، التي تنبض بروح الحياة المصرية وتحمل طابعًا محليًا خالصًا، إذ كان "أولاد البلد" عنصره التشكيلي الأثير الذي وظّفه في تجسيد البنوة والأبوة والطفولة والأمومة.

وصنع تماثيله الصغيرة من البورسلين، ليصبح بذلك أول نحات مصري يسخّر هذه الخامة لخدمة الفن التشكيلي، وهذه الروح ذاتها، روح "ابن البلد" وأولاده، هي ما نشأ حسن حشمت وسطها فعلًا، إذ ترعرع في بيئة ريفية بمحافظة المنوفية، فترك ذلك أثرًا مباشرًا وواعيًا في منجزه الإبداعي، حتى حملت تماثيله وجدارياته خصوصية المرأة الريفية ونساء القرية، متجاوزة الرصد التسجيلي التراثي نحو تجريد تعبيري ينفذ عميقًا إلى جوهر الشخصية المصرية وروحها الساكنة.

وجاء متحفه الخاص، الذي شيّده على مساحة 1200 متر مربع وافتتحه وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة عام 1960 في حي عين شمس بالقاهرة، تجسيدًا مكانيًا لهذه الفلسفة نفسها. ويضم المتحف اليوم نحو 350 قطعة فنية حجرية وزخرفية، أهداها حشمت بالكامل لوزارة الثقافة المصرية عام 1998، ليتحول إلى مركز ثقافي تسكنه روح المرأة الريفية، دافئة وقوية وجميلة في آن. وقد شهد المتحف مؤخرًا مرحلة تطوير جديدة أُعيد افتتاحه بعدها عام 2018، في خطوة حافظت على استمرار حضوره الثقافي في قلب حي عين شمس.

فلسفة المرأة عند حشمت

ترى الدكتورة إنجي عبد المنعم، الفنانة التشكيلية ومديرة تحرير سلسلة آفاق الفن التشكيلي، أن تجربة حشمت في نحت المرأة تجاوزت المحاكاة الفيزيائية للجسد، لتعيد إنتاجه بوصفه فضاءً كونيًا، متحررًا من التفاصيل التشريحية الدقيقة، معتمدًا على الإيقاع الهندسي والخطوط الهادئة التي تمنح المنحوتات حضورًا رمزيًا خالصًا.

ويجسد تمثال الرجل والمرأة الجالسين لحظة تقارب عاطفي، تستدير فيها ذراعه حول رقبتها بينما تميل على كتفه، في تعبير عن الاحتواء والحماية، حتى تذوب الكتل الحجرية بين الجسدين وكأنهما كتلة واحدة، تعبيرًا عن وحدة المشاعر التي ذابت فيها الروحان. وتقول عبد المنعم لـ"فكر تاني"، إن "المرأة عند حسن حشمت هي حارسة البقاء، وكتلته النحتية تبحث عن تعريف الواقع".

وتتجلى الفلسفة ذاتها في معالجته لثيمة الأمومة، حين يستحضرها في منحوتة أقرب إلى قوقعة منحنية، تلتف الأم داخلها لتحتضن طفلها، تمامًا كما تتقوقع المرأة داخل شدائد الحياة لتنجو بأبنائها، في استعارة بصرية بليغة عن الحماية والأمومة معًا. وبينما تنحني الأم في هذا التكوين، يجلس الطفل في مركزه بهدوء وطمأنينة، تحيط به حركة دائرية تصاحب انحناءتها، فيمنح العمل كمالًا واتساقًا يجمع الدفء والحب في كتلة واحدة وجسد واحد.

ولئن لم يسعَ الفنان إلى تجسيد الواقع بتفاصيله داخل هذه القطعة، فقد جسّد جوهر العلاقة بين الأم وطفلها، لتصير مصدرًا للأمان والحنان ومركزًا للحياة ذاتها. وترى عبد المنعم أن حشمت قدّم هنا درسًا تشكيليًا بليغًا في ثيمة الأمومة، حين صاغها قيمة إنسانية وحضارية تستند إلى النموذج البدائي للأم، مشيرة إلى تنوع معالجاته البصرية من ملابس وزينة عبر تماثيله المختلفة.

وتضيف "الأمومة عند حشمت هي فلسفة احتواء مكاني، فالأبناء في تماثيله ينبتون من كتلة الأم وكأنهم امتداد عضوي لجسدها، في تلاحم يلغي الفراغ ويفجر طاقة الكتلة".

المرأة مصدرًا للعطاء في المدرسة المصرية

ولم يكن حشمت وحيدًا في هذا المسار، فيرى أستاذ علم الجمال أنه سار على الدرب الفني ذاته الذي سلكه قبله عدد من الفنانين، اتخذوا من المرأة الشعبية أيقونة إبداعية لما تحمله من بساطة ونبض حياة أصيل، مستشهدًا بجاذبية سري وإنجي أفلاطون وتحية حليم وحلمي التوني نماذج على ذلك. ويعتبر أن الفنان علي دسوقي من أبرز من اهتموا بالمرأة الشعبية، مستشهدًا بلوحته "بنات الغورية"، ويضيف لـ"فكر تاني"، أنه "يكفي أن نتذكر تمثال 'نهضة مصر' لمحمود مختار الذي جسد روح مصر في صورة فلاحة تستشرف ضوء النهضة، بينما تضع يدها على أبي الهول الذي يرمز إلى حضارة الماضي".

ويتفق الفنان التشكيلي علي سيد، رئيس ملتقى مصر الدولي للفنون، مع هذا الرأي، موضحًا أن الفن المصري الحديث، منذ ثورة 1919، حوّل المرأة المصرية في معالجاته الفنية إلى رمز للوطن والصمود والقدرة على البناء، وأن تجسيدها في العمل الفني يعبر عن قيم إنسانية واجتماعية تمنحه ثراءً وقيمة حقيقيين.

ويقول لـ"فكر تاني"، "أعتقد أن تجسيد المرأة يعود إلى كونها مصدرًا للإنتاج والعطاء، وليس الأمر منحصرًا في التأمل الجمالي وحده، خاصة أن أعمال الفنان تحررت من التجسيد الواقعي الهندسي".

ويتناول مقال بعنوان "رمزية المرأة وتصورات التعبير البصري المعاصر من الجسد إلى المفهوم"، المنشور في مجلة ميمنة للفنون الصادرة عن متحف فرحات للفنون، تعامل الفن التشكيلي مع المرأة عنصرًا فنيًا يرمز إلى الحرية والجسد معًا، يتداخل معهما العبث والتراث في آن، لتصبح كل هذه الأمثلة معبرًا حقيقيًا بين الهوية والتجسيد.

ويرى أيمن عيسى أن محاولات تجسيد المرأة تشكيليًا اقتصرت أحيانًا على نقل سطحي لم يبلغ عمق القراءة البصرية والجمالية للأنثى، فيما نجح فنانون آخرون في تجاوز هذه التصورات الشكلية، وصنعوا حضورًا فنيًا متكاملًا حين جسّدوا المرأة بزوايا وأبعاد تخدم قضايا الحياة نفسها، وهو بالضبط ما يتجلى في تجسيد حسن حشمت للمرأة عبر الأمومة والاحتواء والحب والأسرة.

وتخلص دراسة قُدمت للمؤتمر الدولي الأدبي الثالث، بعنوان "المرأة كعنصر تشكيلي في جداريات القرن الواحد والعشرين في مصر"، والصادرة عن دار الكتاب الثقافي، إلى أن انشغال الفن التشكيلي بقضايا المرأة المصرية جعلها عنصرًا تشكيليًا بارزًا طوال القرن الواحد والعشرين، ودفع كثيرًا من التشكيليين المصريين إلى اتخاذها محورًا لإبداعاتهم. ورغم تنوع الأساليب التي سلكها هؤلاء الفنانون، جاءت أعمالهم عامرة بالمشاعر، فانعكس ذلك على تنوع الرؤى الفنية التي حملتها، وكأنها إضاءة بصرية تكشف إنتاجًا تشرّب من البيئة المصرية مادة ومعنى معًا.

وتتفق هذه الخلاصة مع قراءة الدكتورة نجاة الحسيني، الكاتبة الروائية والباحثة في العمارة البيومناخية، التي ترى أن مركزية المرأة في الفن التشكيلي المصري لا تنبع من حضورها الإنساني وحده، وإنما من ارتباطها العميق بالأرض والحصاد والخصوبة. وتشير إلى أن الفنانين وثّقوا في أعمالهم ظهور المرأة في الحقول وعلى ضفاف الترع، حاملة الأواني الفخارية، بملابس ريفية تحمل روحًا تفاؤلية تبشر بالخير والرخاء.

وتقول لـ"فكر تاني"، إن "المرأة الريفية كانت حاضرة في الأعمال الفنية التي ضمت التكوينات الجماعية، مثل الأسواق والأعراس، وكانت أداة لامعة في التعبير عن الملامح الاجتماعية".

كما تلفت الحسيني إلى أعمال حسين بيكار بوصفه أشهر من جسّد حياة المرأة الريفية بين الفنانين المصريين، ليأتي من بعده عبد العال حسن، الذي كرّس مشروعه الفني لتوثيق ملامح النساء في أقاليم مصر جميعها، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بدءًا من صعيد مصر وحتى سيناء.

بينما يبقى متحف حسن حشمت شمعة نور هادئة لأهل حي شعبي فقير مثل عين شمس، يصارعون فيه يوميًا عتمة الحياة الاقتصادية وضجيجها، فيلقي المارة نظرة حالمة على التماثيل الشامخة من خلف سور المتحف، ليكتشفوا الفن التشكيلي في اللحظة التي يرون فيها المرأة واقفة، شاهدة على الزمن، وعلى نضالاتهم من أجل لقمة العيش.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة