عادت الساحة السورية من جديد لتتصدر واجهة الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، من منظور الحرب الأهلية الداخلية، وذلك على وقع العملية التي انطلقت منذ أيام تحت مسمى "ردع العدوان"، والتي قادتها مجموعة من الفصائل الإسلاموية المسلحة، وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" ضد الجيش السوري.
وهي العملية التي أسفرت حتى لحظة كتابة هذا المقال عن متغيرات ميدانية مهمة وكبيرة سيكون لها ما بعدها في سوريا، خصوصاً وأن هذه الفصائل استطاعت السيطرة بشكل شبه كامل على محافظتي إدلب وحلب، وبدأت في التقدم في إطار مدينة حماة، التي تعد المدخل الرئيسي للتقدم نحو الساحل السوري والعاصمة دمشق.
والحقيقة أن النخب والمجتمعات العربية واجهت معضلة قديمة متجددة مع كل حدث مماثل في المنطقة، وهي معضلة الثنائيات الصفرية، حول الطرف الذي يجب دعمه، بين نظام فقد مشروعيته السياسية والشعبية على وقع ممارساته الممتدة منذ ما يزيد على 13 عاماً، وتنظيمات مسلحة وإرهابية تستمد وجودها خارج نطاق الدولة من فكرة القوة والسلاح والتوظيف السياسي للدين. وبعيداً عن هذه الإشكاليات، هناك حاجة ملحة إلى الوقوف على طبيعة وحيثيات التصعيد الأخير في سوريا، والأسباب البنيوية العميقة التي تقف خلف تقوقع الدولة السورية في مربع الحرب الأهلية منذ سنوات.
سر التقدم الكبير للفصائل المسلحة
شنت الفصائل المسلحة المتمركزة في مناطق الشمال السوري هجوماً مباغتاً من حيث التوقيت ومن حيث الطبيعة، بدءاً من يوم 27 نوفمبر 2024، وهو الهجوم الذي أسفر عن سيطرة شبه كاملة لهذه الفصائل على محافظتي إدلب وحلب، والتقدم حالياً في كافة محاور مدينة حماة.
وكان فصيل "هيئة تحرير الشام" هو الفصيل الذي تصدر مشهد الهجمات وقادها، وهو أحد الفصائل التي نشأت في صيف 2011، استجابة لرسالة أطلقها زعيم "القاعدة"، آنذاك أيمن الظواهري، يدعو فيها إلى "نصرة أهل الشام لمواكبة المظاهرات السلمية التي كانت قد بدأت قبل أشهر في سوريا للمطالبة بإصلاح النظام"، وقد حمل التنظيم في البداية اسم "جبهة النصرة" وكان متحالفاً مع تنظيم القاعدة، إلى أن أعلن أبو محمد الجولاني زعيم التنظيم الانفصال عن "القاعدة" في 2016، استناداً إلى حسابات براجماتية تسعى إلى الترويج لفكرة "الجهاد المحلي" والسعي لترويج صورة التنظيم على المستوى الدولي.

وإلى جانب هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقاً" يُشارك في عملية "ردع العدوان" مجموعة من الفصائل المسلحة التي تجمع بين سمتين، الأولى هي الفكر الإسلاموي المتشدد، والثانية أنها فصائل تدور في فلك الدعم والرعاية التركية، ومن أبرز هذه الفصائل: جيش إدلب الحر، وحركة أحرار الشام، والجبهة الوطنية للتحرير، والجيش الوطني السوري، و"جيش العزة"، وكتائب نور الدين الزنكي.
كان اللافت في العمليات الأخيرة هو التقدم الكبير والنوعي الذي حققته هذه الفصائل، إلى الحد الذي دفع بعض الدوائر المحسوبة عليها للترويج في بعض المنصات الإعلامية لأهداف بعيدة المدى على غرار الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، والوصول إلى دمشق، ويفرض هذا الواقع الميداني نفسه على أي تحليلات أو مقاربات تحاول الوقوف على حقيقة ما يحدث على الأراضي السورية، ويُمكن القول إن من أبرز العوامل التي ساهمت في هذا التقدم الكبير لهذه الفصائل المسلحة:
1- تأتي العملية في سياق عام يغلب عليه حالة من الضعف للمحور الإيراني في المنطقة، سواءً على مستوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها، أو على مستوى الفصائل المحسوبة على إيران، ومن هنا جاءت تحركات هذه الفصائل استناداً إلى حالة الاستنزاف التي تعيشها الفصائل المحسوبة على إيران على وقع الحرب مع إسرائيل، واستباقاً لأي تحركات إيرانية قد تتم لإعادة توفيق أوضاعها في سوريا، ولا يجب في هذا السياق إغفال أن إسرائيل وجهت ضربات استنزافية قوية للفصائل المحسوبة على إيران في سوريا، واستطاعت في ثنايا الحرب اغتيال العديد من القادة للحرس الثوري وحزب الله اللبناني في سوريا.
2- كان العامل الروسي حاضراً بشكل كبير في إطار التفسيرات التي تُطرح بخصوص تقدم الفصائل المسلحة في سوريا، على اعتبار أن روسيا منشغلة بشكل كبير بالجبهة الأوكرانية، وتشهد فيها حالة استنزاف غير مسبوقة على وقع الدعم الغربي الغير مسبوق لكييف، الأمر الذي انسحب على مشهدين رئيسيين، الأول هو عدم قدرة موسكو على تقديم دعم وإسناد كبير للنظام السوري على غرار ما حدث في السنوات الأولى من عمر الحرب في سوريا، والثاني هو سحب روسيا على مدار الثلاث أعوام الماضية للسواد الأعظم من قواتها المنتشرة في الخارج وخصوصاً في سوريا، وتوجيه جهدها الحربي بشكل كامل إلى الجبهة الأوكرانية.

3- كان لافتاً في سياق الملاحظات الميدانية الخاصة بالعملية، أن المجموعات المسلحة المتقدمة في عدد من الجبهات السورية تتمتع بتسليح قوي على مستوى الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، بالإضافة لسلاح الطائرات المسيرة، وقد استخدمت هذه الفصائل مجموعة متنوعة من الأسلحة لوحظت في فيديوهات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل البنادق الهجومية، ومنها: "إيه كيه 47" (AK-47) و"إم 16″ (M16)، إلى جانب مدافع رشاشة أعلى مثل "رشاش بيكا" الذي يجمع صفات كلٍّ من الكلاشنكوف والديكتريوف والغرينوجوف، إلى جانب بعض بنادق القناصة من الحقبة السوفيتية. بالإضافة إلى الأسلحة المحلية، وأبرزها تطوير كتائب شاهين المعنية بتشغيل الطيران المسيّر.
وهو أمر لا يُمكن تفسيره إلا في ضوء افتراض حصول هذه الفصائل على دعم عسكري كبير تمهيداً لهذه العملية خلال الأشهر الأخيرة، فضلاً عن الأسلحة التي تحصل عليها هذه الفصائل في ثنايا مواجهاتها مع قوات الجيش السوري، وفي مقابل ذلك يعاني الجيش الوطني السوري من أزمات بنيوية عميقة على مستوى تسليحه، وعلى مستوى فاعلية سلاح الجو، خصوصاً في ضوء العقوبات الدولية المفروضة عليه والتي تحول بشكل كبير دون قدرته على إعادة بناء قدراته العسكرية.
4- لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي حذر فيها بشار الأسد بأنه "يلعب بالنار"، ونقل مواقع عبرية تصريحات عن مسؤولين إسرائيليين أن "جيش الاحتلال لن يكتفي بضرب المناطق الحدودية في سوريا، وأن النظام نفسه سيدفع الثمن"، كما أن العداء الممتد بين هذه الفصائل من جانب وإيران والفصائل الموالية لها من جانب آخر يعزز الافتراض القائل بأن لإسرائيل دوراً مهماً في ثنايا التصعيد الراهن في سوريا، على قاعدة أن سوريا تمثل الملاذ الرئيسي لهذا المحور.

وبعيداً عن الشق الفني والعملياتي، يبدو أن هذه الفصائل سعت إلى فرض أمر واقع جديد وبعث رسائل سياسية لأطراف متعددة، أولها للجانب التركي كاستباق لأي تطبيع محتمل بين الجانبين التركي والسوري، على اعتبار أن هذا الملف يمثل هاجساً بالنسبة للفصائل المسلحة في الشمال السوري في ظل الحديث عن تفاهمات برعاية سورية قد تتم على قاعدة دعم سيطرة النظام السوري على مناطق حيوية في الشمال السوري مقابل التطبيع مع أنقرة، وثانيها للنظام السوري نفسه وللأطراف الدولية بأن أي تفاهمات سياسية في المرحلة المقبلة يجب أن تتم على قاعدة هذه التوازنات الميدانية الجديدة، وثالثها للإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، بحيث تكون هذه الفصائل أمراً واقعاً يفرض نفسه على أي تسويات قد يُقدم عليها "ترامب" بشأن الملف السوري.
معضلة "الحكم الرشيد"
الحقيقة أن معضلة سوريا وحصيلة خسائرها تتمحور حول الشعب السوري نفسه، والذي يجد نفسه محصوراً بين مطرقة النظام السوري بكل ممارساته التي كانت سبباً رئيسياً على مدار الـ 13 عاماً الماضية في الوصول إلى هذه النقطة، وسندان الفصائل المتطرفة والإرهابية والمجموعات المسلحة خارج إطار الدولة، فالطرفان لا يقلان سوءاً عن بضهما البعض، وبين هذا وذلك تضيع أي آمال ليس فقط في الوصول إلى منظومة للحكم الرشيد في سوريا، ولكن حتى لخروج الدولة السورية من مربع الحرب الأهلية على المديين القريب والمتوسط.

والحاصل أن تشخيص الأزمة السورية يدخل فيه العديد من العوامل المركبة، بعضها يرتبط بنظام سياسي قدم اعتبارات البقاء والخلود في السلطة على أي حسابات خاصة بالمصلحة الوطنية أو الشعب السوري، وبذل في سبيل ذلك كل الأدوات الممكنة، من استخدام لكافة أشكال العنف والدموية ضد الشعب السوري، مروراً بفتح الأراضي السورية أمام انتهاك السيادة خصوصاً لناحية إيران والفصائل الموالية لها والتي كانت عامل الإسناد الرئيسي لبقاء نظام الرئيس بشار الأسد، وصولاً إلى اللعب على كافة التناقضات الإقليمية التي تضمن استمرار النظام.
كذلك لا يُمكن إغفال العامل العرقي في سوريا والذي يُوظف من كافة الفاعلين في الميدان السوري، فبين نظام ورث فكرة "الطائفية" منذ حقبة الرئيس الراحل حافظ الأسد، عبر تكريس الشخصيات المحسوبة على العلويين في كافة مفاصل الدولة السورية، وبين تنظيمات توظف البعد الطائفي وشعارات العداء للعلويين والشيعة من أجل استقطاب الطوائف السنية، كان البعد الطائفي حاضراً بقوة كأحد عوامل الأزمة البنيوية في سوريا، وعامل هدم رئيسي للمخاض الثوري ولأي مسارات سياسية للتسوية في سوريا.
أيضاً لا يُمكن إغفال العامل الدولي والإقليمي، إذ أن لكلاً من الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية أجنداته المتعارضة في سوريا، كذلك فإن الميدان السوري بات مسرحاً للحرب بالوكالة، ومقسماً بين الفاعلين في المشهد، حيث باتت سورياً حالياً مقسمة بين نفوذ روسي إيران في مناطق الساحل السوري والمناطق المحاذية له، ونفوذ تركي إسلاموي في مناطق الوسط، ونفوذ كردي أمريكي في مناطق الشرق، ونسفت هذه الحيثيات أي مزاعم بخصوص وجود إرادة سياسية دولية للوصول إلى تسوية شاملة للأزمة السورية.

وبشكل عام يمثل النظام السوري نفسه محوراً رئيسياً للأزمة السورية الممتدة منذ سنوات، وذلك عبر غلقه الباب أمام أي تسويات سياسية، أو إصلاحات ومراجعات داخلية، واعتماده في المقابل على دعم بعض الأطراف خصوصاً روسيا وإيران من أجل فرض أمر واقع يعزز من قبضته في سوريا، وفي المقابل لعبت الفصائل المتطرفة والإرهابية على وتر الأزمات المجتمعية والطائفية من أجل الحشد لمشروعها الإسلاموي والسياسي مدعوماً من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وكانت الحصيلة هي المزيد من المآسي بالنسبة للشعب السوري.
