السبت, يناير 17, 2026
spot_img

بإمكانكم طرد “الموتى” من الكنائس إذا لم تعجبكم سيرهم الذاتية

توفيت “مها” منذ أيام قليلة وشيعت صلاة الجناز من كنيسة الملاك ميخائيل بشيراتون، وكما أصبح مألوفًا، عند إعلان نبأ وفاة شخصية قبطية ما، يُقابل الخبر بسيل من التعليقات التي تحذر من الدعاء بالرحمة. 

لكن هذا النوع من التطرف السلفي المعهود لم يقتصر على جانب واحد، فقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور نوع مماثل من التشدد داخل الأوساط المسيحية، والذي يعود جزئيًا إلى المصاعب التي يفرضها الزواج المختلط، كما هو الحال مع والدة الممثلة المصرية مي عز الدين، فهي مسيحية تزوجت من رجل مسلم، ما أثار جدلًا حول التعامل الكنسي مع مثل هذه الحالات. 

وفي هذا السياق، أثار البعض على مواقع التواصل الاجتماعي نقاشًا حول قرار كنيسة الملاك ميخائيل بقبول الصلاة على والدة الممثلة، لأنها ارتكبت “خطيئة” منذ أكثر من ثلاثين عامًا بزواجها من شخص غير مسيحي، كما اقترح البعض على الكنيسة أن تُصدر بيانًا يشرح مدى فحصها لحياة السيدة والتأكيد على توبتها، وكذا شرح أسباب الموافقة على الجنازة، كما طالب البعض الكنيسة بعرض حياتها الخاصة للنقاش وكأنها ملف مفتوح للجميع. 

ومن بين تلك الأصوات التي عبّرت عن هذا الموقف، جاء تعليق أحد الشمامسة بالكنيسة، ويدعى دياكون ديسقوروس: “خلاصة الكلام بدون أشخاص أو مواقف محددة.. قوانين الكنيسة.. لا يُصلى على من مات في خطيته يعني لو حرامي وقع مات وهو بيسرق ما يتصلاش عليه.. لو خاطيء مات في فعله ما يتصلاش عليه لو شخص يعيش في زيجة غير كنيسة ما يتصلاش عليه.. لو هرطوقي ناكر للإيمان مات دون توبة لا يُصلى عليه علشان كده المنتحر مبيتصلاش عليه”.

وبالفعل، تنص قوانين الكنيسة وفقًا لما أقره البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بمنع إقامة صلوات الجناز عن غير الأرثوذكس وكذلك عن الخطاة من الأرثوذكس الذين لا يمارسون طقوس الكنيسة أو يعيشون في حالة خطيئة جسيمة. 

وخلال أربعة عقود من قيادة البابا الراحل للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، جرى استخدام هذه القوانين في كثير من الأحيان كـ “كارت” إرهاب في وجه معارضيه من خُدام الكنيسة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، القرار الذي صدر بمنع إقامة صلاة الجناز على القس إبراهيم عبد السيد عام 1999، الذي كتب “أموال الكنيسة” هذا الكتاب الذي تناول فيه أهمية الرقابة المالية على الكهنة والأساقفة وكشف الفساد المالي، وقد قوبلت آراؤه بقرار صارم يقضي بوقفه عن العمل الكهنوتي وحرمانه من الجناز، لتجول الأسرة بالجثمان بحثًا عمن يصلي عليه عقب وفاته.

وفي جلسة مجمعية عام 1999، حذف البابا الراحل فقرة بإحدى صلوات الكنيسة لأنها تتضمن طلبة من أجل الخطاة الذين ذهبوا إلى الجحيم، وتُعرف هذه الصلاة بصلاة السجدة، وهي ما زالت موجودة بالطبعات القديمة في كتب صلوات الكنيسة.. “أيها الرب الإله، تحنن بمراحمك الكثيرة على عبيدك الأحياء والأموات. يا خالق كل الطبائع البشرية، لأنك كونتهم مِمَّا لم يَكن، وايضاً تَحُلُّهم وتَنقِلَهم إلى ذلكَ الموضع. نَتَضَرَّع إليك أن تقبل طلبتنا في هذا اليوم المقدس الذي هو كمال كل شئ من أجلنا، ومِن أجل الذين في الجحيم، لأن لنا في عِظم الرجاء مِن أجل انحلال كل الذين في جميع الآلام، والذين وَضَعوا نفوسهم عندك” (صلاة السجدة).

 

 فصلاة الكنيسة على الخطاة، والمنتحرين لم تكن ممنوعة بقرارات مجمعية في السابق، على سبيل المثال، يقول الأسقف كيرلس الأورشليمي، أحد القديسين بالكنيسة: “لو أن ملكًا أراد أن ينفي بعض الأشخاص بسبب مخالفتهم له، ثم جاء البعض ليتوسطوا لهم وصنعوا اكليلًا وقدموه للملك من أجل أولئك الذين وقعوا تحت العقاب، ألا يصدر الملك العفو عنهم؟ هكذا نحن أيضًا نقدم الصلوات لله من اجل الراقدين حتى لو كانوا خطاة” (العظة ال23). 

تلك القرارات والسياسات التي تبناها البابا الراحل خلال فترة حبريته تجذرت في وعي الشعب القبطي كأنها حقائق راسخة لا تقبل النقاش، وأضحت جزءًا من الهوية الفكرية للجماعة، يصعب تجاوزها أو محوها؛ فقد نجح البابا شنودة في خلق علاقة مباشرة مع الشعب القبطي من خلال انتشاره في وسائط الإعلام المختلفة مثل أشرطة الكاسيت في السبعينيات والثمانينيات، ثم القنوات التلفزيونية لاحقًا، بالإضافة إلى شخصيته الكارزمية المباشرة، ما تسبب في إضعاف ثقافة البحث القائم على القراءة والاستناد إلى المراجع، واستبدالها بمرجعية الشخص الواحد.

ومن ثم، أصبح لزامًا على كهنة الكنائس مراجعة حياة المتوفى قبل اتخاذ قرار الصلاة عليه، وذلك عبر التحقق من طائفته، وسيرته، والاطلاع على الوثائق اللازمة للتأكد من انتمائه الأرثوذكسي. وقد وردت العديد من الشهادات لأشخاص ذهبوا للصلاة على أقاربهم في الكنيسة الأرثوذكسية ليقابلوا بالرفض لأن المنتقل نال المعمودية في كنيسة أخرى غير أرثوذكسية، حتى وإن كان مواظبًا على الصلاة داخل الكنيسة الأرثوذكسية. فالصلاة على المنتقل، وفقًا لتعاليم البابا الراحل، تعني اعترافًا بعقيدته، رغم أنه لم ينكر أن الصلاة لا تغير حكم السماء بأي حال من الأحوال، وأن كل إنسان سيُحاسب حسب أفعاله. ومع ذلك شدد البابا على ضرورة الامتناع عن الصلاة على الخطاة أو من هم خارج الإيمان الأرثوذكسي، لأن القيام بذلك يُعد نوعًا من إنكار الإيمان.

لا تختلف هذه الرؤية كثيرًا عما يقوله شيوخ تحريم الترحم على المسيحيين؛ فهذه الفتوى تقوم على المغالطة اللغوية المنطقية ذاتها، وهي أن أمنياتك الطيبة بالسلام والراحة نحو المنتقل تعادل الإقرار بصحة إيمانه.

في حين أن الصلاة على الموتى هي ممارسة إنسانية راقية في الأساس، عرفها المصريون القدماء، حيث أدركوا مهابة الموت، فألفوا طقوسًا وألحانًا جنائزية لتكريم الراحل وتقديم الدعم العاطفي لأسرته ومساعدتهم على مواجهة الفقدان بسلام من خلال الطقوس التي تضفي نوعًا من الراحة النفسية.

 وبينما يرى البعض أن المبادئ التي أرساها البابا الراحل تعد تأكيدًا على الانضباط العقائدي، ساهمت هذه القوانين الجديدة في خلق حالة من التشدد الديني تتسبب في عزلة اجتماعية وروحية لبعض الأفراد. وهو ما يمكن أن نستشفه من جنازة والدة مي عز الدين التي غاب عنها أفراد أسرتها، وفقًا لفيديو تم تداوله لتامر حسني وهو يسأل “هو محدش وصل من الأسرة؟” ليجيبه أحد الواقفين “محدش، ولا واحد”.

فرغم انقطاع العلاقة بين زوج والدة مي ووالدتها وانفصالهما منذ سنوات عديدة، يبدو أن الخطيئة التي ارتكبتها ظلت عالقة في أذهان أسرتها، كما هو حال الكثيرات ممن تزوجوا خارج الكنيسة، وهو ما يخالف المبادئ الأصيلة للمسيحية التي تفرق بين الشخص وأفعاله وتنص على المحبة غير المشروطة والود لكل إنسان حتى وإن اختلفت الكنيسة مع أفعاله، دون نبذه أو إدانته. 

عكست صلوات الكنيسة في عصورها الأولى روح التراحم والانفتاح على الآخر، مجسّدةً رسالة المسيحية التي تشمل الإنسانية جمعاء، والنص الكتابي القائل “لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ” (يع 2: 13).

أما كنيسة القرن العشرين، فقد تبنت نهجًا يقوم على ثقافة إصدار الحكم على الآخرين، حيث أصبح رفض الآخر وسيلة لإثبات الانتماء إلى الجماعة والاعتراف بإيمانها، كما أصبح تصنيف الناس إلى مؤمنين وزنادقة شرطًا لإقامة الصلاة على أرواح الراحلين، رغم أن هذه الصلوات لن تسبب ضررا لأحد إن لم تكن ذات منفعة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة