للمرة الثانية يهزم الجمهوري ترامب الديمقراطيين، والمفارقة أنه في المرتين حاز إكليل النصر حين كانت منافسته امرأة؛ الأولى الشقراء هيلاري كلينتون، والثانية السمراء كامالا هاريس، فيما هُزِمَ مرةً بمواجهة العجوز خائر القوى الصحية والإدراكية بايدن.
تُسوِّغ المفارقة التساؤل حول قبول المجتمع الأمريكي؛ المثل الأعلى للحريات والمساواة -كما يقال- بحكم النساء، ولو على سبيل الاختيار بين السيء والأسوأ، أو وفق التعبير المصري "عصر الليمون"، والذي لم تعرفه أدبيات الانتخاب إلا في المحروسة، ذلك حين كانت هناك انتخابات ذات مرة لم تتكرر.
غير أن شأنًا كهذا ليس يعنينا، فليختر الأمريكيون رجلًا أو امرأةَ، أبيضَ أو مُلوَّنًا، جمهوريًا أو ديمقراطيًا، شيطانًا أزرق؛ عفريتًا من الجن، أو ملاكًا يرفرف بأجنحته البيضاء حول شعلة تمثال الحرية.
ما يعنينا هو كيف سيتعاطى الرئيس "الجديد القديم" مع قضايانا؟ وفي القلب منها حرب الإبادة الصهيونية على غزة، والعدوان الغاشم على جنوب لبنان.
يُقال بكثافة وعلى سبيل التقرير، إن الفرق بين هذا الرئيس الأمريكي وذاك، فرقٌ وهمي غير ملموس، متى يتعلق الأمر بدعم دولة الاحتلال، فتقوية شوكة إسرائيل تمثل على الدوام ركنًا ركينًا من ثوابت واشنطن الاستراتيجية.
أسباب ذلك ترجع إلى الاعتماد الأمريكي على دور إسرائيل الوظيفي، وما يتصل بذلك من كونها مخلبَ قطٍ إمبرياليًا للغرب في المنطقة، وهناك هرطقات تيار الصهيونية المسيحية -ذي النفوذ الطاغي بين الجمهوريين بالذات- بشأن الارتباط بين الدولة العبرية ونزول المسيح الثاني "المُخلِّص"، فضلًا عن خنوع ساسة الولايات المتحدة لإملاءات اللوبي اليهودي، المتحكم بصناعة السلاح والتعدين والإعلام إلى آخره.
تلك الأسباب المتشابكة، وهي من المعلوم بالضرورة، قد دفعت بكثيرين من الخاصة والعامة، بعد فوز ترامب على هاريس، إلى ترديد عبارة شديدة الاقتضاب، "فاز أبو لهب على حمَّالة الحطب"، على سبيل المقاربة بينهما.
افتئات على حقائق الواقع
في السجع ما يروق للذائقة "السماعية" العربية، المتيَّمة بالعبارات الموسيقية، وما يكشف عن نزوع إلى المُحسِّنات البلاغية التي وصفها نزار قباني، في ديوانه الغاضب "هوامش على دفتر النكسة" بأنها "خطابة لا تقتل ذبابة"، وفي الاختزال كذلك افتئات على معطيات موضوعية لا يجوز غض الطرف عنها.

على أنه وإن كان صحيحًا أن شخصية الرئيس الأمريكي، لا تصنع فارقًا أيويولوجيًا جذريًا إزاء الصهيونية، لكن مع ترامب على الخصوص، ليس التعميم مستساغًا وليس الأمر سطحيًا، إلى حد ذاك الاختزال المسجوع.
شخصية الرئيس رغم ثبات التوجهات السياسية الأمريكية، ليست عدمية عديمة الجدوى أو صفرية التأثير.
على سبيل المقاربة التوضيحية، لا يمكن الذهاب إلى أن فترة الديمقراطي كلينتون، الذي هام بالحسناوات من متدربات البيت الأبيض، تضاهي فترة الجمهوري بوش الابن، الذي دمَّر واحتل العراق وأفغانستان، وأطلق على جرائمه مصطلح "الحرب الصليبية"، بكل ما يكتنفه ذلك من إيماءات متطرّفة يمينية.
صحيحٌ أن كلينتون لم يمتشق حسام الدفاع عن الحقوق العربية، ولم يحل إشكالية القدس في مفاوضات كامب ديفيد بين عرفات وباراك عام 2000، إذ لم يضغط على المفاوض الإسرائيلي لإقرار حل يتوخى ولو حد العدالة الأدنى، فيما ضغط على الفلسطينيين، لابتلاع ما لا يُمكن ابتلاعه، حتى "تحطمت المفاوضات على عتبات المسجد الأقصى" حينئذٍ، لكنه لم يشرعن الاستيطان، ولم يدمر بلدًا عربيًا كخليفته، بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت بالدليل القاطع أنها كانت متهافتة.
بالمثل.. لم يكن منتظرًا ولا متوقعًا من هاريس أن تنفر على صهوة جواد مطهَّم، استجابةً لصرخات أطفال غزة، وهي فوق ذلك جزءٌ من إدارة بايدن، الذي جهر مرارًا بافتخاره بصهيونيته الأيديولوجية، وفتح مخازن السلاح الأمريكي "على البحري" لإسرائيل، منذ الوهلة الأولى لعملية طوفان الأقصى، لكنها رغم ذلك تملك ميزة مهمة، وهي أنها ليست ترامب.
ترامب حالة شديدة الخصوصية، ليس مثله رئيس أمريكي في الأولين والآخرين، فالرجل المدان في 34 تهمة فساد سياسي ومالي وجنسي، والذي اختبرناه "وخبزناه وعجناه" في فترته الرئاسية الأولى، يكاد يكون نموذجًا للفتوة الغاشم أو قل "الغشيم" بكل ما ترمز إليه المفردة من دلالات، في اللهجة المحكية.
فظ غليظ القلب، متعجرف شعبوي شوفيني، يجهر بإعجابه بالأنظمة الديكتاتورية والقتلة، ويكشف بغير مواربة وبغير حياء عن كراهيته لكل ما لا ينتمي إلى "الرجل الأبيض"، تنضح لهجته باستعلاء "الكاوبوي" الذي يتلذِّذ بإبادة السكان الأصليين، ثم ينعتهم بالبربرية.
ليس سياسيًا وإنما هو مقاول سياسة، لا يفهم إلا لغة البنكنوت، ولسان حاله مقولة أحد الحكماء الفلاسفة "أهم حاجة الفلوس".
تجلَّى ذلك في مغازلته الصهاينة إبَّان حملته الانتخابية: "أُذِّكر الإسرائيليين أنني أصدرت قرارًا باعتبار هضبة الجولان أرضًا إسرائيلية، وهذه مساحة تساوي مليارات الدولارات بالمعايير العقارية".
صفقة القرن
إن الأرض المحتلة إذن من حيث كونها قضية معنوية أخلاقية، والقرارات الدولية التي ترفض الاعتراف بقانونية بـالاحتلال، ليست ذات اعتبار في حسابات المقاول، الذي كان أطلق "صفقة القرن"، التي تتضارب التأويلات حول فحواها، لكن وبرغم أي تضارب، هناك توافق على أنها صفقة تبادل أراضٍ.

ولا يغيب في هذا الصدد أن مصطلح "صفقة" بحد ذاته، يُحيلنا إلى قواعد الانتهازية المادية، وآليات التفاوض أو "الفِصال" في الأسواق، ويبعدنا كل البعد عن السياسة، ولو وفق قواعد البرجماتية.
مع عودة ترامب، ستقفز "الصفقة" منهجًا وفلسفةً وممارسةً، إلى صدارة أولويات السياسة الأمريكية، وإزاء المعلن من مؤامرات تل أبيب بشأن الاستيلاء على الضفة الغربية، وإعادة احتلال غزة وتهجير سكانها، تبدو خرائط المنطقة في مهب رياح اليمين الإسرائيلي.
رياح عاتية لا يُبدي ترامب أدنى رغبة في غلق أو حتى مواربة الأبواب أمامها، بل على العكس يرحب بها.
في كتابه "الحرب" يكشف الصحفي الكبير "بوب وودوارد"، عن إسرائيل خططت في بداية العدوان على غزة، للدفع بالفلسطينيين إلى سيناء، لكن يبدو أن المخطط لم يتسن له التحقق، نظرًا للصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني أولًا، ولأن إدارة بايدن لم تدعمه ثانيًا، وهو الأمر الذي لن يكون كذلك مع ترامب.
انحياز الرئيس المقاول لنهم إسرائيل التوسعي، حقيقة ثابتة ومؤكدة، ويكفي دليلًا على ذلك قولته في أغسطس/ آب الماضي: "تبدو إسرائيل صغيرة على الخارطة، ولطالما راودتني فكرة توسيعها".
ليس خافيًا أن "التوسيع" الذي يعني التوسع بمفهومه الاستعماري، لن يتأتى إلا على حساب الأرض العربية، ولن يكون ذلك في نطاق فلسطين التاريخية فحسب.
تصريح غاية في الخطورة، خصوصًا لدى تقييمه في ضوء تصريح سابق له، عام 2019 بأن المستوطنات نتاج طبيعي للزيادة الطبيعية في أعداد الإسرائيليين، فضلًا عن قراره في فترته الرئاسية الأولى، نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
وتتضاعف مؤشرات الخطر بالنظر إلى المعلن بشأن تبرعاته من "أمواله الخاصة" لبناء المستوطنات، ومنها تبرعات يعود تاريخها إلى عقدين من الزمان -أي قبل ظهور طموحاته السياسية- وتحديدًا حين قدَّم عشرة آلاف دولار لدعم مستوطنة "بيل إيل" شمالي البيرة بالضفة الغربية.
قيمة المبلغ المادية ليست بيت القصيد، فعشرة آلاف دولار لا تساوي مثقال ذرة قياسًا بأموال "ملياردير العقارات"، لكن المغزى والرمز ذا دلالة تستدعي القلق، وتستنهض المخاوف حول سيناريوهات الأربع سنوات المقبلة.
ذاك التبرع وغيره، فضلًا عن التبرعات السخية من قبل الدوائر المقربة من ترامب، للاستيطان ولجيش الاحتلال أيضًا، وعلى رأسها تبرعات صهره وذراعه اليمنى كوشنر، لا بد أن تثير الشكوك أيضًا بشأن الارتباط بين تصنيع الحالة الترامبية واللوبي اليهودي.
كيف تسنى لمقاول يبدو أنه لا يفقه ألف باء السياسة أن يتصدر المشهد الأمريكي ويدخل البيت الأبيض مرتين؟
وهل هبط الوحي عليه من السماء فجأةً فخاض غمار السياسة مدفوعًا بطموح شخصي أم كان ذلك إثر "صفقة" مع الحركة الصهيونية العالمية؟
وهل طرح السؤال ينبثق من "التوهان العربي" في ضباب نظرية المؤامرة؟
وهل يصح في ضوء ذلك ترديد الاختزال المسجوع "أبو لهب وحمالة الحطب"؟
وأخيرًا.. وهو السؤال الأكثر غموضًا وخطورة وإيلامًا، لماذا يحتفي قادة عرب كما يحتفي نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ومن لفَّ لفهم من مجرمي الحرب الصهاينة بالمقاول وهم يعلمون قطعًا مَن يكون؟