عودة ترامب ونهاية الغرب الليبرالي

“أظهرت عودة دونالد ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض أن الديمقراطية الليبرالية عجزت عن توفير هيكل متماسك للعصر الذي تلا الحرب العالمية الثانية”؛ يقول ديرك كوربجويت، رئيس تحرير مجلة “دير شبيجل” الألمانية، في مقال عنونه بـ نهاية الغرب، يرى فيه أنه ليس معبرًا عن انتهاء هذه الحقبة وبداية أخرى جديدة تمامًا أكثر من إعادة انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية في الولايات المتحدة.

وبينما فقدت الدول الغربية هيمنتها، فإن الأسس المشتركة للقيم التي كانت تضعف منذ فترة طويلة باتت الآن تنهار، كما يشير “كوربجويت”، مدللًا على ذلك بتصاعد التوترات في كل مكان، وصعود التيارات اليمينية في كل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا. وهي كلها مؤشرات على أن الغرب لم يعد يشكل كتلة واحدة للديمقراطيات الليبرالية كما كان.


ديرك كوربجويت درس الاقتصاد السياسي وعمل في صحيفة “تسايت” من عام 1990 حتى 1999. ثم عمل مراسلًا وكاتبًا ورئيسًا لمكتب العاصمة في “شبيجل”، وكان نائبًا لرئيس التحرير حتى عام 2018، وبعدها عاد للعمل في مكتب العاصمة. ومنذ مايو 2023، يشغل منصب رئيس تحرير “شبيجل”.

أوروبا بين الهتلرية والستالينية

ازدهر العالم الغربي بعد عام 1945، كرد فعل على نظامين شموليين: النازية والهتلرية من جهة، والستالينية من جهة أخرى. وكانت إمبراطورية هتلر تذكيرًا بضرورة عدم تكرار مثل هذه الكارثة، فيما شكل الاتحاد السوفيتي خلف الستار الحديدي، تهديدًا دفع دول الغرب للاستثمار في نموذج مضيء من الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية.

وفي ظل هذين التهديدين برزت قوة النظام الغربي في اهتمامه بالفرد وتحقيق ازدهار شامل من خلال المساواة الاجتماعية وزيادة الحقوق للنساء والمثليين، مع غياب التدخل السلطوي للدولة.

ترامب وستالين
ترامب وستالين

هذا ما جعل الغرب جذابًا في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث تمتع سكانه بالحريات ومستوى معيشة مرتفع، وظهر وسط سياسي قوي يدعم الديمقراطية الليبرالية.

يقول كوربجويت إن الحقبة التي أعقبت هذه الأيديولوجيات الشمولية، التي كانت بمثابة أديان سياسية، اتسمت بالعقلانية المستندة إلى العلم والمنطق. بينما كانت السياسة آنذاك تُمارس بأقصى درجات الجدية، حيث كان الهدف الأساسي هو منع عودة الفاشية والتصدي للاتحاد السوفيتي.

ومن هذا المنطلق، اتحدت الدول الغربية ضمن حلف الناتو، وأصبحت الحدود الوطنية أقل أهمية، بل زالت في بعض الحالات، مشيرًا إلى أن العولمة والاتحاد الأوروبي ومفهوم “المواطن العالمي” ساهموا في جعل تلك الفترة مميزة رغم بعض العيوب. لكن هذه الفترة الجيدة انتهت الآن.

كيف انتهينا إلى دونالد ترامب؟

يتساءل كوربجويت باستغراب عن كيف انتهت تلك البداية الواعدة بوصول شخصية مثل دونالد ترامب، الذي يعكر النظام بسياسات يعتبرها جنونية.

اقرأ أيضًا: أي فوضى قد تجلبها ولاية ترامب الثانية للعالم؟

ويقول إن الخطوات الأولى نحو التقدم في الديمقراطيات الليبرالية كانت تتمثل في الإنجازات الاجتماعية، إلا أن هذه القضايا الاجتماعية اعتُبرت قد حُلت إلى حد كبير في مرحلة ما، ليصل عصر الديمقراطية الاجتماعية إلى نهايته.

ففي نهاية المطاف، كان معظم المجتمع يعيش في حالة جيدة، مما دفع السياسة التقدمية إلى التوجه نحو تحديات جديدة، مثل القضاء على الهيمنة الذكورية وتوفير حريات جديدة للأقليات. ورغم أهمية هذه المشاريع، فإنها لم تُدار بالشكل الصحيح.

يصف كوربجويت لحظة عودة ترامب بأنها جنونية تُعكر صفو النظام (الصورة - وكالات)
يصف كوربجويت لحظة عودة ترامب بأنها جنونية تُعكر صفو النظام (الصورة – وكالات)

ويشير كوربجويت إلى أن السياسيين في التيار الوسطي – خصوصًا الديمقراطيين في الولايات المتحدة والخضر في ألمانيا – أهملوا حقيقة أن قضية العدالة الاجتماعية لا تختفي ببساطة عندما يكون مستوى الرفاهية العام مرتفعًا، ولا تعني فقط تحسين أوضاع الأقليات أو الفئات المحرومة، بل تشمل أيضًا معالجة القضايا التي تؤثر على الطبقات المتوسطة والعاملة.

وهذا أدى إلى انطباع أن الأحزاب اليسارية الوسطية لم تفعل ما يكفي من أجل الطبقات العاملة والمجتمع العادي. واعتُبر ارتفاع تكلفة المعيشة أحد الأسباب الرئيسية لفوز ترامب.

اقرأ أيضًا: إن مات “ترامب” فكلكم “ترامب”.. ما نعرفه عن محاولة اغتيال مرشح الرئاسة الأمريكية

يضيف كوربجويت أن الحكومات فشلت أيضًا في جعل مكافحة تغير المناخ مشروعًا عقلانيًا وبديهيًا منذ البداية؛ فالاستمرار في التردد والتلكؤ جعل التحدي يتضخم إلى درجة أن الكثير من الناس بدأوا يخشون على حياتهم التي اعتادوا عليها.

وقد استفاد ترامب من هذا التراجع في تقديم حلول حقيقية، من خلال إنكار الحقائق.

متى يعود الغرب إلى ليبراليته؟

ويؤكد كوربجويت أن الديمقراطيين الليبراليين قللوا من أهمية مفهوم الأمة؛ فعندما اختفى الاتحاد السوفيتي، فقد الغرب أهم مصدر لوحدته. ودون ضغط البقاء معًا، بدأ الكثيرون يركزون على مصالحهم الخاصة بدلًا من حماية الغرب ككتلة واحدة.

كذلك، صار المهاجرون يُنظر إليهم على أنهم تهديد، وهو التحول الذي لم يعطه الليبراليون ما يستحقه من اهتمام، وهو ما استفاد منه ترامب.

إن الغرب، وفق رؤية كوربجويت، لن يستطيع استعادة قوته إلا إذا أدرك أن جميع القضايا هي قضايا اجتماعية، سواء كانت في السياسة الاقتصادية أو سياسة الهجرة أو سياسة المناخ. ويختتم بأن السياسة العقلانية لا تزال هي الطريق الصحيح، ولكن يجب أن تكون مصحوبة بقلب حقيقي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة