أحببت لعبة الكاراتيه، مارستها بشغف منذ نعومة أظافري، أحببت ارتداء الزي الأبيض واستخدام قبضة يدي في دفاعي ضد اللاعب الآخر، لكن ممارسة واحدة من هذه الرياضات العنيفة لا تناسب فتاة صغيرة بحسب مزاعم المجتمع الذي ينظر نظرات مختلفة للأولاد والبنات في سياق التمييز ضد المرأة في الرياضة.
قالت : "عندنا في الصعيد مصيبة تكون البنت عنيفة وانتي بتلعبي كاراتيه؟!" ولم تكتفِ بل زادت: "لو حد عرف هناك إني أعرفك إنتي وأهلك تبقى مصيبة".

لم تكن تلك الكلمات سهلة على طفلة تحاول فقط أن تمارس الهواية التي تحب، لكن الأمر استمر، فالآن أنا إمرأة كبيرة، ومازلت أتعرض للهجوم بسبب حبي للكاراتيه، تقول إحداهن بلهجة عامية مصرية : "إزاي جوزك موافق تعملي حاجة زي دي؟". تساءلت: "ولماذا لا يوافق؟، لا أعرف"
تذكرت ذلك جيدًا، بعد أن قرأت عن فوز فريق الكاتا جماعي سيدات في منافسات بطولة العالم للكبار للكاراتيه في المجر أكتوبر الماضي.
وبعيدًا عن لعب الكاراتيه، أحب أيضًا ممارسة السباحة يوميًا، فيقولون: "ما تبطلي تعومي شوية علشان تبيضي -لأن بشرتي سمراء اللون- إنتي متجوزة واحد أبيض وانتي سمراء".
يعترض المجتمع على النساء اللاتي يمارسن الرياضة، ويضطهدون من تمارس الرياضات العنيفة، ويتنمرون على لون بشرتي ويقارنوها بلون بشرة زوجي، كيف ولماذا أتعرض لمثل تلك السطحية في التعليقات.. ظللت أتساءل لكنه أمر واقع أعيشه يوميًا.
لا ينظر أحد إلى صحتي الجسدية والنفسية، الأصدقاء والمقربين يعرفون معاناتي اليومية في التعامل مع مرضي المزمن، لكنهم لا يحبذون هواياتي ولا حتى لون بشرتي.
قال لي مدرب الكاراتيه ذات مرة: "إن مجتمعنا متناقض، دائم التشجيع للرجال الرياضيين، ويدفع الأولاد إلى ممارسة الرياضة، لكنه لا يحب أن تقرر الفتيات ذلك".
وأشار إلى أن المجتمع يرفض أن تمارس الفتيات الرياضة ثم يلومهن بعد ذلك على لياقتهن البدنية الضعيفة ووزنهن الزائد وثقل حركتهن.
الوعي في المجتمع
الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، لها تجربة في هذا الإطار.
تقول لـ"فكر تاني" : "كنت ضعيفة جسديًا حينما كنت طفلة بقوة، لكن حاولت باستمرار في بعض الألعاب الرياضية ، أهلي كانوا خايفين على صحتي لكني استمريت وفضلت بعمل الأنشطة اللي بحبها".
وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن ما يحدث الآن بأنه "ردة ثقافية" معللة ذلك بأن للثقافة الفضل الأكبر في تكوين الوعي الجمعي، وهي المؤثر الحقيقي على كيفية تناول الأفكار ومعالجتها والتعاطي معها، حيث يبدو جليًا، أن المصريين متفقين على غض البصر عن الأزمات الحقيقية والتشبث بتوافه الأمور.

وأضافت خضر أن الشعب المصري قديمًا كان يحتفي بأبناءه على حد سواء، الإناث منهم والذكور، حتى إنه كان هناك -في فترة من الفترات- احتفاء بالنساء على وجه الأخص ودورهن في كافة المجالات المختلفة.
وأوضحت أنه من المحزن أن غالبية المصريين لا يهتمون بالرياضيات ودورهن وما يقدمنه من خلال لعبتهن، بل ينظرون إلى ملابسهن ومظهرهن الخارجي فقط، ثم يتنمرون عليهن.
وأضافت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس أنه مع انفتاح الثقافات وانفتاح المرأة على جميع المجالات، لازالت المجتمعات لاتقدم الدعم المناسب للمرأة الرياضية لأن مقاييس نجاح المرأة، هي أن تكون زوجة مطيعة، أم معطاءة ومدبرة منزل ناجحة.
وأشارت خضر، إلى أن هناك كثير من الفتيات، يتفوقن في رياضات مثل: الجمباز، الفنون القتالية وألعاب القوة، لكن حين وصلن إلى سن البلوغ حرمتهن أسرهم من ممارستها، و غالبًا ما تكون الحجة: "إنتي كبرتي" أو "الحاجات دي بتاعة الرجالة مش بتاعة البنات" أو "خلاص بقى ركزي في مذاكرتك ودراستك عشان تتجوزي حد كويس".
اقرأ أيضًا:وجع مستتر تقديره هي.. إعلاميات أخفين إصابتهن بالسرطان منهن لميس الحديدي
وانتقدت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، برامج المرأة حالياً، التي ترى أنها "لا تهتم سوى بتسريحات الشعر والموضة وهو أمر غير منصف، وغير مُعبر عن الواقع"، متسائلة : "أين الحديث عن إنجازات المرأة فى المجال الرياضي مثلًا في المجالات الأخرى التي تتفوق فيها؟".
وأوضحت خضر أن برامج المرأة كانت أكثر رقيًا من الآن، فقد كانت المذيعات على مستوى من الثقافة وكن يستضفن الفنانين/ات والمفكرين/ات.
وطرحت خضر، بعض الحلول التي لابد وأن تؤتي ثمارها عند التطبيق، وفق رأيها، كالإهتمام بالمكتبات المدرسية ودور الفنون داخل المدارس والعمل على تعزيز دور التاريخ والهوية لدى النشء.
وطالبت المدارس بتشجيع الطلبة/ات الرياضيين وتشكيل الفرق مع توفير مكافآت لهم، وربط الهوية الوطنية بالرياضة لتعظيم دورهم/ن فى المشاركة فى الأحداث الرياضية الكبرى.
اقرأ أيضًا: ألم وخوف وفلوس.. تكلفة عمليات “التجميل” للعابرين/ات جنسيًا
تضامن حقوقي
وفي يوليو من العام الماضي، دعا خبراء الأمم المتحدة، إلى وقف التمييز ضد المرأة في الرياضة، وضمان الوصول إلى سبل فعالة للحد من انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالقواعد التي تحكم الأهلية للمنافسة في الرياضة النسائية.
وبحسب بيان نشره الموقع الرسمي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قال الخبراء: "يجب ألا تتأثر الرياضة بالتمييز"، مضيفين أنه "يجب أن تكون جميع النساء قادرات على المشاركة على قدم المساواة، ولا ينبغي استخدام خصائصهن الجنسية كسبب لاستبعادهن".

ودعا الخبراء الدول والمنظمات الرياضية على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية إلى التحرك بشكل عاجل لمراجعة قواعد الأهلية للرياضة النسائية بما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان وإطار اللجنة الأولمبية الدولية بشأن الإنصاف والإدماج وعدم التمييز على أساس الهوية الجنسانية والاختلافات الجنسانية.
وأوضح الخبراء أن "الصور النمطية التي تواجهها الرياضيات ضيقة وجوهرية.. هناك تأثير واضح على النساء ذوات البشرة الملونة، النساء السود، والنساء المنحدرات من أصل إفريقي والرياضيات اللاتي يتعرضن للتمييز بسبب لونهن ووضعهن الاجتماعي ومعتقداتهن، من بين أسباب محظورة أخرى، لا سيما في ما يتعلق بالرياضيين من الجنوب العالمي".
المساواة ضرورة

تقول مارتا فييرا دا سيلفا سفيرة النوايا الحسنة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للنساء والفتيات في مجال الرياضة :" نحن بحاجة إلى مزيد من الاستثمار في الوصول إلى الرياضة للفتيات ووجود مجال متساوٍ للنساء المحترفات في الرياضة. المكاسب واضحة جداً".
وتضيف أنه "إذا أردنا تسريع وتيرة التغيير لتحقيق جيل المساواة، فلنقم بإدخال المزيد من الفتيات إلى الميدان ودعونا نلقي الضوء على الإنجازات العظيمة للرياضيات. لأن فوزاً واحداً يؤدي حقاً إلى فوز آخر! من الواضح أن النساء والفتيات في الرياضة لهن دور كبير في تغيير اللعبة العالمية. حان الوقت للمساواة بين الجنسين".