اقتحم عشرات الأتراك منازل ومحال يملكها سوريون في محافظة قيصري وسط تركيا، بعد واقعة اعتداء جنسي ارتكبها لاجئ سوري ضد طفلة قريبة له، تبلغ من العمر 7 سنوات، حيث تم تدمير وإحراق عدد من المحال واندلعت أعمال شغب واسعة استمرت لساعات قبل أن تهدأ في الصباح، وفقًا لما ذكرته صحيفة "ديلي صباح" المحلية.
أعمال عنف واسعة ضد السوريين
في أعقاب الحادث، خرجت حشود غاضبة إلى الشوارع في عدة أحياء من "ميليك غازي" بقيصري، للمطالبة بترحيل السوريين، حيث ألحقوا أضرارًا بالورشات والمنازل والسيارات التي يملكونها. وقد تم إرسال عشرات من رجال الشرطة وفرق الطوارئ ورجال الإطفاء إلى المنطقة، عندما أشعلت الحشود النار في عدة محلات وقلبت عدد من السيارات.
وتدخلت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع، بينما أصيب 14 ضابطًا ورجل إطفاء أثناء محاولتهم تفريق الحشود، وأشار سوريون عبر حساباتهم على "إكس" -تويتر سابقًا- إلى أن أعدادًا منهم اضطرت إلى الهروب من هذه الأحداث داخل المساجد، قبل أن يعود الهدوء مرة أخرى في الصباح.
السلطات التركية في قيصري تعد بترحيل المشتبه به وعائلته
في الأثناء، دعا حاكم قيصري، جوكمن شيشك، إلى الهدوء، وقال من شرفة منزل مطل على الشارع للحشود: "أفهم غضبكم وأعلم أن هذه حادثة بغيضة جدًا. بصفتي حاكمكم، أعدكم بأن مثل هذا الفعل البغيض لن يتكرر". وأضاف: "أرجوكم؛ لا يجب أن يتعرض أحد هنا للأذى".
اقرأ أيضًا: “ارجعوا بلدكم”.. كيف نمت بذرة الكراهية في مصر؟
كما تعهد رئيس شرطة قيصري، أتانور آيدين، بـ"فعل كل ما هو ممكن" لترحيل المشتبه به وعائلته. وقال: "تلقينا الرسالة وأعدكم بالعودة هنا بعد أسبوع لأخبركم بما فعلناه حيال هذه القضية. أرجوكم اصطحبوا عائلاتكم وعودوا إلى منازلكم".
ما يحدث في #قيصري الليلة من تكسير أملاك #اللاجئين_السوريين ورمي الحجارة على نوافذهم، شبيه بما شهدته #أنقرة في آب2021 لكن الفرق بينهما كان السبب قتل شاب تركي على يد سوريين، بينما اليوم السبب شائعة "تحرش سوري بطفلة"
تقرير سابق عن الشائعاتhttps://t.co/QJhJr9sEzi#سجن_كبير#Sesyok pic.twitter.com/fk0sEjHc0X— Aisha Sabri (@AishaSabri13) June 30, 2024
ووفقًا لوكالة الأناضول (AA)، تم نقل تسعة أشخاص، بمن فيهم المشتبه به وأقارب الضحية، إلى مركز الترحيل بالمحافظة. بينما في وقت لاحق، تم احتجاز سوري آخر قيل إنه على صلة بالاعتداء.
وقال مكتب المدعي العام في قيصري إن التحقيق جارٍ في الحادثة، وبحق مستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي ممن شاركوا منشورات تحريضية أدت إلى اندلاع هذه الأحداث.
وأكدت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية أن الطفلة ووالدتها وإخوتها تم وضعهم تحت حماية الدولة، وبدأوا في تلقي الدعم النفسي. كما فرضت محكمة قيصري قيودًا على التحقيق، وأصدرت حظرًا على نشر القضية "لحماية الضحية وعائلتها والحد من الحوادث الاجتماعية المتزايدة بعد الحادثة.
المعارضة التركية تحشد ضد السوريين
من جانبه، أظهر رئيس حزب الخير القومي المعارض، موسافات درفيش أوغلو، دعمه للعنف، حيث قال في منشور على منصة "إكس": "هذه القضية التي تتجاوز الآن الاحتلال الصامت والمحظور باتت على وشك أن تصبح تدميرًا كاملًا".
وواصفًا اللاجئين بـ"تهديد وجودي للأمن القومي"، ادعى "أوغلو" أن الحكومة التركية "تجر تركيا إلى حافة الهاوية"، ودعا إلى "حل مشترك وإرادة سياسية للعمل على هذه القضية".

اليمين التركي في مواجهة السوريين
تستضيف تركيا أكثر من 4 ملايين لاجئ - أكثر من أي دولة أخرى في العالم - بمن فيهم 3.6 مليون من سوريا فروا من الحرب الأهلية التي بدأت في عام 2012 وحصلوا على وضع الحماية المؤقتة.
وتزايدت مشاعر اليمين المتطرف المعادية للاجئين في أوروبا، مما زاد من خطر العنف ضد المهاجرين في تركيا في السنوات الأخيرة، حيث تعرض العديد من اللاجئين لهجمات في مختلف البلدات في جميع أنحاء البلاد، بناءً على شائعات تورطهم في حالات اغتصاب أو قتل ضد السكان المحليين.
وكان حزب الخير من بين أحزاب المعارضة الأخرى مثل حزب الشعب الجمهوري العلماني (CHP) وحزب النصر القومي المتطرف (ZP) التي أثارت مشاعر معادية للاجئين في تركيا، مستهدفين بشكل خاص طالبي اللجوء السوريين والمهاجرين غير النظاميين قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو من العام الماضي، حتى أنهم اتهموا المهاجرين بأنهم سبب أسوأ أزمة اقتصادية تعاني منها البلاد في السنوات الأخيرة.
وقاد زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق والمرشح الرئاسي كمال كليجدار أوغلو حملة موسعة حول إعادة السوريين إلى وطنهم، مما أثار قلق العديد من المهاجرين في البلاد من عمليات الطرد الجماعي.
وبالرغم من أن تركيا تلقت هجرة كبيرة نتيجة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلا أن السوريين هم الذين يتم لومهم بشكل رئيسي على المشاكل، بما في ذلك قضايا الإسكان والإيجارات.
وأعادت تركيا إلى الآن أكثر من 554,000 سوري إلى المناطق الشمالية من سوريا، التي تم تحسينها ببنية تحتية جديدة وإسكان، حيث تسيطر قوات المعارضة المدعومة من أنقرة، بينما يفرض حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب سيطرتهم على مساحات واسعة أيضًا من الأراضي.
لماذا العنف ضد اللاجئين؟
مع تزايد عدد اللاجئين السوريين في تركيا منذ عام 2011، وتردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا منذ 2018، تفاقمت مشاعر الكراهية تجاههم. وقد ساعدت في تنامي هذه المشاعر وسائل الإعلام التركية البديلة، مثل "مقابلات الشارع" على "يوتيوب"، والتي أظهرت غضب المواطنين وروجت لمعلومات مضللة عن اللاجئين، ما عزز الشعور العام بأن السوريين عبء على الاقتصاد ويستولون على فرص العمل.
وكان أكبر تعبير عن خطاب الكراهية هذا في أغسطس 2021، حينما حطّم سكان حي التنداغ في العاصمة أنقرة محلات ومنازل تابعة لسوريين ونهبوها.
وخلال عامي 2022 و2023، حتى قبل وقوع الزلزالين اللذان ضربا جنوب شرق تركيا وأجزاء من سوريا، كانت وتيرة جرائم الكراهية تجاه السوريين آخذة في الازدياد.
ووفق "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، فقد تجلى السخط الشعبي إزاء اللاجئين السوريين في الحوار السياسي الدائر في تركيا، وانهيار اتفاق غير مكتوب بين الفصائل السياسية الرئيسية حول عدم استغلال مسألة اللاجئين في الحملات الانتخابية.
وتعرضت إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لانتقادات من قادة المعارضة الرئيسيين، الذين ألقوا باللوم عليه في مشكلة اللاجئين.
ومع فقدان وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف مكانتها، برزت منصات إعلامية جديدة على غرار "يوتيوب" والمبادرات الصحفية القائمة على الإنترنت وأصبح لها تأثير ملحوظ على النقاش المحتدم بشأن اللاجئين.
وأدى ظهور المنابر البديلة المشبعة بالكراهية، التي تزامنت مع تقلص حرية الإعلام في تركيا، إلى زيادة انتشار الخطاب المسيء والتحريضي ضد اللاجئين.