اسمي فيولا.. عن صداقتي بمسيحية حرمتها الفتاوى

“كانت صداقة غريبة وطريفة. كنا نعرف بعضنا من سنين وكان بيننا عمل لم يتم، ثم تقابلنا بعدها بسنة على جروب دردشة لحضور زفاف صديقة مشتركة في 2019 قبل حظر كورونا. اتصلت بي لتخبرني أنها ستمر عليّ لنذهب سويًا، وكان معها شقيقتها “فيولا”.

حين ركبت السيارة وجدتها ترتدي صليب. نظرت لها بدهشة وسألتها: “أنتِ مسيحية؟”، لتنظر لي هي وأختها وتخبرني الأخيرة وهي تضحك: “أنا اسمي فيولا على فكرة”. تحكي إسراء جاد، البالغة من العمر 32 عامًا وتمتلك شركة تدريب واستشارات، كيف بدأت صداقتها مع إنجي عزيز، وكيف نمت صداقتهما رغم فتاوى التحريم.

هل صداقة المسلمين والمسيحيين حرام؟

 

منذ سنوات عديدة، العلاقة بين المسلمين والمسيحيين محل جدل كبير. فبرغم بديهية وحتمية العلاقة بحكم المواطنة ومشاركة الوطن الواحد والهوية الواحدة، إلا أن الأمر يأخذ منحى دينيًا متطرفًا في تحديد شكل هذه العلاقة، إما أن يكون التعامل في أضيق الحدود مع دعوة المسلم للمسيحي لدخول الإسلام أو أن يمتنع المسلم عن التعامل نهائيا مع المسيحي.

يشير “التقرير الدولي بشأن الحرية الدينية في مصر لعام 2022″ إلى أن تعداد السكان في مصر بلغ حوالي 107.8 مليون نسمة (منتصف عام 2022). ويفيد معظم الخبراء والمصادر الإعلامية أن ما يقرب من 90% من السكان هم مسلمون سنة، وحوالي 10% مسيحيون (تتراوح التقديرات ما بين 5% إلى 15%). ووفقًا لقيادات مسيحية، فإن ما يقرب من 90% من المسيحيين ينتمون إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

تكمل إسراء: “كنا نتشارك المناسبات دائمًا، فقضيت معهم عيد شم النسيم هذه السنة لأن أمي كانت مسافرة، وهذا قلل شعور الوحدة، كما أنها كانت معي في زفاف شقيقتي ولم تتركنا طوال اليوم وكانت تتنقل معنا في التجهيزات حتى نهاية اليوم”.

تتصدر فتاوى تحريم الصداقة بين المسلمين والمسيحيين محركات البحث في جوجل، فيما يتراجع ظهور الفتاوى الوسطية التي تبيح هذه الصداقة.

يقول دكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، ومقرر لجنة الثقافة بالمجلس لمنصة “فكر تاني”: “هل الصداقة عمل إنساني أم عمل ديني؟ مشاركة الطعام والشراب، والجيرة؟ هي كلها أمور إنسانية وحياتية بحتة وليس للدين دخل بها”.

اقرأ أيضا: أن يُحبكِ “مينا” وأنتِ “مسلمة”!

الصداقة تنظمها الفطرة وليس الدين

وبسؤال إسراء وإنجي عزيز عن رأيهما في الفتاوى المتطرفة التي تحرم الصداقة بين المسلمين والمسيحيين، أجابتا أنهما لا تلتفتان إليها كما أنها ليست في قاموسهما، لأنهما تعلمان أن هناك البعض من المسلمين والمسيحيين على حد سواء يحرمون هذه الصداقة.

تقول إنجي عزيز: “إنها تسمع طوال الوقت فتاوى تحرم مبدأ صداقتها مع إسراء ومع أي مسلم/ة، وتكون هذه الفتاوى مستندة على اللاشيء، وأن هذا ناتج عن تربية. وأنهما لولا تربية أهلهما السوية لهما لما كانا بهذا القدر من الوعي والتسامح. فإذا نشأنا في بيوت متطرفة لكنا متطرفين الآن، لكننا لم نكن نسمع في بيوتنا أي عبارات تقصر صداقتنا للأشخاص من نفس الدين”.

فيما يرى الهلالي أنه إذا كان هناك مسلم ملتزم بفروضه وذا مكانة دينية لكنه يسيء للآخرين، فلا يجوز مصادقته. على عكس إذا كان زميل العمل أو الجار مسيحيًا ويحسن لي، فبالتأكيد مصادقته واجبة. وأكد أن تلك أمور تتعلق بالفطرة وليس لها دخل في الدين، ولا يصح أن نسأل بها شيوخًا.

لكن؛ لماذا يذهب الناس لرجال دين يفتوهم في أمور “فطرية“؟ أجابنا دكتور سعد الدين الهلالي قائلا:”إن الناس افتقدت للحس الفطري الذاتي ويجب على كل إنسان أن يأتمن على دينه في نفسه وليس في يد غيره. دين الشخص مسؤوليته الشخصية وليست مسؤولية غيره”.

بينما يعتقد أنه لا يجوز أن نسلم أمور ديننا لغيرنا، ويجب أن نستفتي قلوبنا، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “استفت قلبك ولو أفتاك الناس”، وتلك ثقافة عامة يجب أن تعم. كما استدل على الآية التي تقول “كُلّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ”، وأن يكون للإنسان على نفسه بصيرة، فلا يصح أن يذهب إنسان لشخص ليخبره ماذا يفعل في أمور حياته، ومن يفعل ذلك يكون هدم قلبه وعقله.

كما اتهم بعض رجال الدين الحاليين أنهم “استخفوا قومهم فأطاعوهم”، مضيفا أن الناس صدقت أنهم يعلمون مراد الله، بينما يقول الله: “لا إكراه في الدين”.

اقرأ أيضا: قرية “الفواخر” هل تكون الأخيرة؟.. شظايا طائفية بـ”ذات المحافظة” رغم قانون “بناء الكنائس”

القرآن ليس قانونًا أو دستورًا

هناك نصوص دينية يستند إليها من يطلقون تلك الفتاوى المتطرفة، وهي وفقا لأستاذ الفقه المقارن: “إن الله وصف القرآن بأنه هُدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وأنه يهدي للتي هي أقوم. إن القانون لا يقبل الاجتهاد بمبدأ ‘افتح وانفذ’.

لكن يرى الهلالي أن القرآن يوصينا بالقراءة والتدبر وفعل ما نراه وفقا لفهمنا على مسؤوليتنا الشخصية وليس على مسؤولية النص، ولا تنفيذا حرفيا له، والقرآن لم يقدم نفسه قانونًا. 

بينما يقول إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لمنصة “فكر تاني”: “إن وسائل التواصل الاجتماعي أعطت مساحة أكبر للعاملين في الشأن الديني أن يصلوا لقطاعات أكبر من الناس وقطاعات مختلفة، كما أعطت مساحة لأشخاص لم تكن معروفة إعلاميًا أو لديها منابر منتظمة لإلقاء خطابها”.

وأضاف أن ذلك بجانب عدة أزمات مثل الأزمة الاقتصادية وغلق المجال العام، أدى إلى تأثير رجعي، يحمل انتهاكًا لحقوق الآخرين ويحمل تمايزًا اجتماعيًا ودينيًا. فيما يعتبره أنه داخل إطار حرية الفكر والتعبير، طالما لم يحمل حَضًا مباشرًا على العنف والكراهية.

قد يعتقد أحدهم أن الأجيال الجديدة هي الأكثر تزمتا من السابقة، لكن إسحاق إبراهيم يرى أننا لا نستطيع الجزم إلى أي مدى ينتشر التزمت بين المصريين، أو في أي جيل، لأنه لم تكن هناك وسائل تواصل تبيح لنا قياس ذلك، فمن الممكن أن يكون هذا كان موجودًا في الكتب أو المؤسسات الدينية.

بينما يؤكد وجوب العمل على الخطاب الثقافي والإعلامي عن مفاهيم المواطنة والتساوي والمساواة بين المواطنين واحترام التنوع، لتعزيز المشاركة في المساحات الدينية والاجتماعية، وهذا يأتي بالممارسة لا بالقانون.

ويلفت النظر إلى أن الصحوة الإسلامية في منتصف السبعينات والثمانينات ومع ذهاب أشخاص للخليج وعودتهم بأفكار تحمل سلفية ورجعية أكثر، كان هذا عامل ولكنه ليس العامل الأساسي لانتشار التشدد الديني في مصر.

اقرأ أيضا: صوت ضد الكراهية| الحوار يتعقد بين الأرثوذكس والكاثوليك بسبب المثليين

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة