"فوجئت بتهديدي من تاجر مخدرات لم يقرأ مقالا لي، وبعدها وجدت حكمًا بسجني سنة بتهمة ازدراء الأديان"، يقول "س.ص" لمنصة "فكر تاني"، وهو ناشط مهتم بشئون الأديان، وأحد ضحايا الجهاد والإرهاب الإلكتروني الذي بات يطول عدد من المختلفين عن النمط السائد فكريًا وعقائديًا في مصر.
الجهاد الإلكتروني والحريات الدينية
قبل أعوام، حينما لم يكن هناك انتشار بالغ لمنصات التواصل الاجتماعي، كان يتم استهداف المفكرين والباحثين والكتاب ومن يعلن أفكارًا دينية أو هوية جندرية مختلفة عن السائد، فيجد نفسه متهما بعدد من التهم أو يتم تهديده بالقتل، ربما من أحد لا يعرف عن شخصية الكاتب أو المفكر شيء، مثلما تم استهداف دكتور فرج فودة من أحد الشباب الذي اعترف أنه لم يقرأ مقالا له؛ لكنهم أخبروه أنه كافر ويجب قتله.
لكن؛ في السنوات الأخيرة، أصبح الإرهاب يصل إلى حدود الحسابات الشخصية لأفراد يعلنون أفكارهم بحرية، نص عليها الدستور والقانون. فيما يعتبر محافظون ومتشددون دينيا أن هناك نوع من الجهاد يتمثل في مضايقة الأفراد عبر حساباتهم أو من يعلن التضامن مع آخرين لديهم توجهات متحررة.
ويعتبرون أن مضايقة الأشخاص أو التبليغ عن حساباتهم ومنشوراتهم يعد نوعًا من أنواع الجهاد. قد يصل الأمر إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإرهاب الأشخاص، فيضطر البعض إلى غلقها أو التراجع عما نشروه.
"س.ص" كان يقيم خارج القاهرة، تعرض للتهديد من تاجر مخدرات لم يقرأ مقالا له، فقط سمع عنه، حتى قابله في يوم وهدده بالقتل. فاضطر لترك بيته فورا وانتقل للقاهرة.
يقول:"فوجئت بعدها بحوالي سنتين بحكم بالسجن عام بتهمة ازدراء أديان، وبعد الاستئناف تم الحكم بإيقاف التنفيذ. وقتها أغلقت حسابي على السوشيال ميديا لفترة والآن لدي حساب جديد مع مراعاة عدم وضع أي معلومات حقيقية عني".
وعلى الرغم من اعتزاله الحياة الفكرية -علنا-، إلا أنه لا يزال يُهاجم من وقت لآخر ولا تزال تأتيه تهديدات بالقتل، إلكترونيا، في رسائل عبر حساباته. ويؤكد "لكنني لم أعد خائفا".
يخضع العديد من الأفراد في المجتمع إلى خيارات محددة ضمن الأطر التي رُسمت سلفا سواء للأديان أو الانتماءات العرقية والفكرية. كما جعل البعض من الوصاية على الآخرين، هدفا لهم، ومن يشذ عن القاعدة، يُنكل به.
ناقدو الأديان في مقصلة الإرهاب الإلكتروني
شريف جابر صانع محتوى مصري، ينشر فيديوهات عن نقد الأديان، تحولت حياته إلى جحيم مؤخرا، سواء بالملاحقات والتهديدات الإلكترونية، أو نشر صوره والتي جعلته حبيسا بمنزله. خاصة بعد الحكم عليه بخمس سنوات سجن إضافية ليصبح إجمالي الأحكام ضده تسع سنوات بتهمة الإلحاد والتحريض عليه.
وفي نفس السياق، كانت "ن.ع" التي تروي لـ "فكر تاني" تجربتها. وقالت:"كفتاة لادينية ومثلية ودون حجاب ومظهري غير نمطي، تعرضت للإرهاب الالكتروني من مجموعات عبر تطبيق تيليجرام. نشرت تلك الجروبات صوري الشخصية ومعلومات عني لإرهابي ومنعي من التعبير عن أفكاري".
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حاولوا الوصول إلى عنوان منزلها؛ لكن فشلوا. كما أن "ن.ع" قابلت حملات تشهير إلكترونية واسعة بسبب كتاباتها عن الدين والمثلية الجنسية.
كذلك، كانت مستهدفة من أحد الجروبات الدينية، وانهالت عليها رسائل عبر حسابها، تحوي شتائم وتهديدات وصورا إباحية.
"أتذكر في مرة أرسل لي أحدهم، صور أشلاء مقطعة مصحوبة برسالة إن ده هيكون مصيري في حال استمراري على هذا الوضع، فاضطريت أقفل حسابي على فايسبوك نهائيا، وعملت حسابا جديدا مغلقا للأصدقاء فقط".
على الرغم من احتياطات السلامة والأمان التي اتخذتها؛ لكنها في النهاية لم تعد مهتمة بنشر أفكارها بقدر اهتمامها بحماية أمنها الشخصي وبياناتها الشخصية وصورها. كما أصبحت تشارك أفكارها مع من يتقاطعون معها فكريا ولديهم قبول للآخر.
اقرأ أيضا: من الاتهام بتهديد القيم الأسرية إلى الإرهاب.. استهداف أمني لصناع المحتوى
الجهاد المضحك
الجهاد الإلكتروني يعد أحد أخطر أشكال القمع المجتمعي والرغبة في السيطرة على أي شخص يبدي نمط تفكير مختلف يعلن عنه. عصام شبانة طبيب مصري مهتم بشأن الأديان هاجر إلى بريطانيا يحكي تجربته لـ "فكر تاني" يقول :"نحن كأشخاص نحمل فكرا مختلفا نتعرض لهجمات شعواء من المجاهدين الإلكترونيين. تقوم استراتيجية الجهاد الإلكتروني على خلق حالة من المعاناة بالمزايدات أو بالتشهير أو الشتائم أو التهديد أو استغلال صورة أحد دون أي مراعاة أخلاقية".
كما يرى شبانة أن المجاهدين الإلكترونيين، لديهم عقيدة أن الغاية تبرر الوسيلة. لذلك، سيقوم بأي فعل غير أخلاقي لفرض وجهة نظره التي يظنها صحيحة وتدعم الأطر المجتمعية المتعارف عليها.
بينما ماجد الحداد باحث في الأديان والميثولوجيا يروي لـ "فكر تاني" عن تجربته مع ما يسمى "جهاد الضحك" يقول:"تعرضت بسبب كتاباتي لأنواع شتى من الإرهاب الإلكتروني من شتائم وسب لأسرتي وحملات الضحك. في البداية كنت أتضايق؛ إلا أنني أدركت فيما بعد أنها حيلة رخيصة للذباب الإلكتروني الذي يعجز عن النقاش ولا يجد حجة فيقوم بتلك التصرفات الصبيانية. الآن الأمر لم يعد يعنيني".
أما آندي وهو شاب مصري عابر للمسيحية من أصل مسلم، كان يخفي ذلك لسنوات. ففي إحدى المرات رأى صديق له بطاقة هويته مكتوبا فيها "مسلم" وتمكن من تصويرها خلسة، ولم يعلق وقتها. لكن؛ عند أول مشكلة بينهما، هاجمه واتهمه بالردة ثم شن حملة واسعة على الفايسبوك نشر فيها بطاقة هويته وعنوان منزله. كما اتهمه بالرغبة في تغيير قناعات أصدقائه الدينية".
لم ينته الأمر مع آندي عند حدود الإرهاب الإليكتروني الذي تعرض له، لكنه امتد لمكان عمله. يقول آندي "بعد انتشار البوستات أرسلوها لمكان عملي وطردوني منه. كما أجبرت عائلتي، والدتي، على طردي من المنزل وهو ما حدث بالفعل".
لذلك أغلق حسابه بفيسبوك لفترة طويلة. فيما بعد أنشأ حساب جديد لا يعلن فيه أي معلومات شخصية تخصه. فيما يصف تلك التجربة بأصعب فترات حياته وكان يتمنى وقتها الموت.
اقرأ أيضا: الأمل شيء خطير.. لا يمكن قتله
حرية الفكر والعقيدة والتعايش السلمي
يقول يوسف البندر مؤلف كتاب "أساطير السماء" وهو كاتب وباحث في الأديان لـ "فكر تاني" :"إن حرية الاعتقاد هي حق للفرد في اعتناق أي دين أو معتقد فكري أو فلسفي يختاره، أو تغييره".
على الرغم من ذلك الحق المكفول عالميا ومحليا؛ إلا أنه -وفقا للبندر- يجب على المجتمعات العربية لتحقيق التعايش السلمي واحترام التنوع الفكري، عبر إصلاح القوانين وتغيير الثقافات السائدة التي تروج للتعصب والتمييز.
فيما وصف أن قتل المختلفين فكريا يعد من أكثر الأعمال انحطاطا ودناءة.
كما لم تنج الكاتبة سحر الجعارة أيضا من الهجمات الإلكترونية ولا أسرتها. كذلك تم تهديدهم بالقتل من خلال قنوات تليفزيونية منسوبة لمتشددين، ولجانهم الإلكترونية وعمل هاشتاجات باسمها تحتوي ألفاظا نابية ومسيئة.
وصرحت الجعارة لـ "فكر تاني" :"تصديت لميليشيات الإخوان وقت حكمهم ولا أخشاهم، حين أكشف زيفهم وهشاشة أفكارهم، أصيبهم في مقتل".
ونصحت الجعارة من يتعرض لتلك الحملات، بتجاهلها، للمضي قدما في نشر أفكاره وتحطيم أصنام من يتاجر بالدين. كما تعتبر أنها تسدد ضريبة كلمة الحق بكل رضا مهما كانت الأضرار والتضحيات.
وطالبت بضرورة تقديم طرح مجتمعي وقانوني جديد وخطوات حقيقية لمنع الملاحقات والتهديدات الإلكترونية في مناخ من النضج، تسود فيه الحريات بشكل حقيقي وأن يعبر عن فكره وعقيدته وميوله الجنسية دون خوف؛ طالما لا ينتهك حريات الآخرين.
اقرأ أيضا: من هم البهرة؟ وما سر اهتمامهم بتطوير مساجد آل البيت؟