“آمل أن تتفهموا وتغفروا لي”.. من قتل نهى سالم؟

 

“إلى كل من تألم وعانى من محنتي الشخصية بسبب رحلتي الفكرية من السلفية الأصولية إلى العقلانية العلمية؛ آمل أن تتفهموا وتغفروا لي، وأن تحنوا عليّ وتتعاطفوا مع رحلتي بعد قراءة حكايتي”. بهذه الكلمات افتتحت نهى محمود سالم، وهي طبيبة وخبيرة تخدير، كتابها “لماذا خلعت النقاب“.

وُجدت جثة سالم حليقة الرأس، منزوعة الأظافر، مع وجود آثار تعذيب على جسدها ووجهها مشوهًا بالكامل، ملقاة في غابة بتركيا، نهاية مايو الماضي. بينما يعتقد أصدقاؤها المقربون أنه بسبب أفكارها ومعتقداتها الدينية.

وكشفت معلومات جديدة حصلت عليها ” العربية.نت”  أن جثة الطبيبة عثر عليها وبها آثار تعذيب بشعة كنزع أظافرها، وقص شعرها وتعرضها للطعن، فضلا عن العثور على جثتها شبه عارية، بعد أن شوه الجاني ملامحها باستخدام مادة كاوية ليصعب التعرف عليها وعدم الكشف عن هويتها.

إلى وطني الحبيب مصر

في تصريحاتهم لمنصة “فكر تاني“، يؤكد أصدقاؤها مدى حبها لمصر، وما قدمته من خدمات إنسانية واجتماعية لوطنها.

تكمل سالم في افتتاحية كتابها “إلى وطني الحبيب مصر، الذي تحملت من أجله الكثير من العذابات النفسية والجسدية وكرست سنوات من حياتي لثورته، ولن يتقدم ويتطور ويرتقي إلا بتبني مبادئ عقلانية وعلمية في التفكير والتعليم والإعلام ونبذ الخرافات الدينية.. إلى الإنسانية جمعاء…”.

نهى سالم هي طبيبة بشرية تخرجت في جامعة الإسكندرية دفعة 1983، تجيد الإنجليزية والفرنسية وكانت تسعى لتعلم اللغة التركية.

قالت نهى، سابقًا، إن مسيرة تحولها الفكري تمتد لحوالي 46 عاما فكانت تحلم بوطن نظيف. كما أنها لا تعترض على الموت ولا تخشاه، لأنه أمر طبيعي؛ ولكنها تخشى قسوة ونبذ البشر والأهل والأصدقاء.

أثناء تلك الرحلة الإنسانية قدمت سالم عدة أنشطة مجتمعية وخدمية أهمها حملة “مترميش على الأرض” والتي ارتبط اسم الحملة بها. كما أصدرت كتاب سيرة ذاتية عن رحلتها في خلع النقاب والمشاكل الأسرية والمجتمعية التي تعرضت لها نتيجة لذلك.

لكن؛ تعقدت حياتها بعدما ظهرت مع الإعلامية ريهام سعيد والتي سألتها عن أسباب إخفاء هويتها في البرنامج فقالت “عشان ميقتلونيش زي فرج فودة”. وعندما أصرت على عدم كشف هويتها طردتها من الاستديو بزعم إنكارها العقيدة الإسلامية. 

 

حرية الفكر والعقيدة ليست للجميع

على الرغم من أن القانون المصري لا يوجد به تجريمًا واضحًا للإلحاد ويرسخ لحرية العقيدة؛ لكن الملحدين واللادينيين ومن يعلن أفكارا فكرية بعكس السائد وضد الأديان السماوية المعترف بها في الدستور، هؤلاء يواجهون ملاحقة بأشكال عديدة مثل الملاحقة القانونية بإلقاء القبض عليهم، سواء عند إعلانهم أفكارهم أو ببلاغات رسمية، وفقا لتصريحات إسحق إبراهيم مسئول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

وقتها يتم محاكمتهم تحت المواد الخاصة بازدراء الأديان أو الجنح المرتبطة بالإساءة للأديان. ويضيف إبراهيم، تتم ملاحقتهم والاعتداء عليهم شعبيًا والتعرض لهم من مواطنين آخرين، رافضين لأفكارهم.

بينما يرى أن الحل في ضرورة التأكيد على حرية المعتقد، أيا كان، وضمان قدرة الناس للتعبير عن آرائهم بشكل حر دون ملاحقات. كذلك ضمان إلقاء القبض على أي من يقوم بارتكاب العنف أو التحريض عليه أو الاعتداء على الأشخاص بسبب اختلاف الرأي أو المعتقد.

ماذا قال أصدقاء نهى عنها؟

في مجموعة مقابلات لـ “فكر تاني” مع بعض أصدقاء الراحلة نهى سالم، أكد جميعهم على إنسانيتها وتفانيها في حب مصر بمبادراتها. وصرحت “ر.ج” وهي باحثة ومفكرة :”التقيت بنهى منذ حوالي خمس سنوات. وجدتها إنسانة متفانية لخدمة أفكارها. كما عرفت أنها ارتدت الحجاب بسبب معلمتها بمدرسة دمنهور للمتفوقات. ثم ارتدت النقاب في الصف الثالث بكلية الطب جامعة الإسكندرية تحت تأثير الأخوات من التيار الإسلامي”.

“مرت نهى بمراحل فكرية متعددة حتى وصلت إلى قناعاتها الحالية” وفقا لما قالته ر.ج.

وبسؤالها عن السفر لتركيا استطردت “عانت نهى من وحدة شديدة وكانت ترغب في الصحبة. فتعرفت على مترجم مصري مقيم في تركيا وسافرت إليه وتزوجا. لكن؛ طلب منها بعد أسبوع من زواجهما أموال لرغبته في إقامة مشروع خاص، فرفضت نهي، فتطلقا“. 

وكان آخر ما نشرته على حسابها الشخصي، صورة تجمعها مع المترجم في حفل مدرسي مع ابنه في مايو الماضي. لكن صديقة نهى وأصدقائها كذلك فوجئوا منذ حوالي أسبوع بحادث مقتلها.

“نهي انسانة جميلة لم تكن تستحق تلك النهاية” حسبما قالت ر.ج.

أما فادي سليمان، مصري مقيم بكندا ومهتم بحرية الفكر والعقيدة، قال :”استضفتها في قناتي بيوتيوب منذ خمس سنوات، للحديث عن كتابها ورحلتها”.

كان لنهى رسالة إنسانية سامية، حيث كانت تمتلك شاليه بالساحل الشمالي وتقدم أنشطة خدمية به مثل تنظيف الشواطئ يوميا، وفقا لفادي الذي يرى أن “المجتمع جامد وقاسي”، واصفًا نهى أنها ليست ضحية القاتل فقط وإنما ضحية المجتمع الذي يرفض التمرد على الثوابت ويكره الاختلاف.

 

عانت من الوحدة

صرح محمد سامي وهو أحد أصدقائها ومن المهتمين بالشأن العام وحرية الفكر أنه أجرى أكثر من مقابلة مع الراحلة على قناته في يوتيوب : “نهى عانت كامرأة لديها رسالة مجتمعية وفكر مختلف من رفض الأهل والأخوة والأبناء لدرجة أنها من حين لآخر كانت تقوم بزيارة والدتها وكان أبنائها وإخوتها يرفضون الذهاب في حضورها”.

وأضاف أنها أثناء وحدتها الإجبارية، أعادت اكتشاف نفسها من خلال القراءة ووجدت السلوى في الثقافة والفن والمحاضرات الثقافية ومساعدة الآخرين.

فيما أكد سامي على اتفاقه مع بعض أصدقائها لإقامة حفل تأبين لها، لكن بعد انتهاء التحقيقات والقبض على الجاني.

جدير بالذكر أن الراحلة نهى سالم، لم تكن الضحية الوحيدة من مختلفي الفكر في المجتمع المصري. فسابقًا تم اغتيال المفكر فرج فودة من أحد المتشددين والذي لم يقرأ كتبه. كما أقام محام دعوى ضد نوال السعداوي بسبب كتبها وأفكارها يتهمها بإزدراء الأديان. بخلاف أنها كانت على قائمة الاغتيالات للجماعات الإسلامية المتطرفة في وقت سابق.

ومؤخرا قضت محكمة جنح الإسماعيلية، بالحبس 5 سنوات، لليوتيوبر شريف جابر، في أحداث القضية رقم 3391 لسنة 2024، لاتهامه بنشر فيديوهات تزدري الدين الإسلامي وتحرض على الإلحاد. ليصل مجموع الأحكام الصادرة بحق جابر بالحبس إلى 8 سنوات.

اقرأ أيضا: المعلومة حق.. المبادرة المصرية تطلق خريطة الحريات الدينية في مصر

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة